مصر واليونان تغلقان الأبواب أمام تركيا في شرق المتوسط

الاتفاق بين مصر واليونان يفتح آفاقا جديدة للتعاون الإقليمي في مجال الطاقة والاستفادة من الثروات المتاحة في المنطقة الاقتصادية.
الجمعة 2020/08/07
السير في الاتجاه المثير للقلق في المتوسط

القاهرة - أغلقت مصر واليونان كافة الأبواب المشرعة أمام تركيا، بعد أن وقعتا اتفاقا تاريخيا لترسيم الحدود البحرية في القاهرة، الخميس، في حضور وزيري خارجية البلدين، ما يسد مجموعة من الثغرات، سعت أنقرة إلى استثمارها لتوثيق علاقاتها مع فايز السراج رئيس حكومة الوفاق في ليبيا.

ويبعثر الاتفاق الكثير من الأوراق التي سعت تركيا إلى الاستحواذ عليها عنوة في شرق البحر المتوسط، معتقدة أن التفاهم بين القاهرة وأثينا صعب وسوف يستغرق وقتا طويلا تتمكن فيه من تمترس سفنها في بعض المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الرمادية، والتي لعبت عليها تركيا، وحاولت توظيفها لتحقيق مكاسب لها.

وأكد وزير الخارجية اليونانى، نيكوس دندياس، أن الاتفاقية الموقعة بين رئيس حكومة الوفاق في طرابلس فايز السراج وتركيا “غير قانونية وتخالف القانون الدولي”، وبلاده تواجه كافة التحديات في المنطقة بالتعاون مع مصر، لافتا أن اتفاقيات بلاده “تحترم مبادئ القانون الدولي وأساسياته”.

وحملت كلمات دندياس معاني دقيقة وواضحة بشأن عدم مشروعية التحركات التركية في شرق المتوسط، وما يترتب عليها من اتفاقيات لا تحترم القانون الدولي، ويمكن أن تتسبب في مزيد من التوترات في المنطقة.

نيكوس دندياس: الاتفاقية الموقعة بين السراج وأردوغان غير قانونية
نيكوس دندياس: الاتفاقية الموقعة بين السراج وأردوغان غير قانونية

وقال وزير خارجية اليونان، في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية المصري، سامح شكري، إن هناك تعاونا مستمرا بين البلدين على أعلى المستويات، وأن الفترة المقبلة سوف تشهد ترجمة لهذا التواصل في مختلف القضايا.

وسرعان ما ردّت وزارة الخارجية التركية برفضها الاتفاقية، معتبرة أن “ترسيم الحدود البحرية” الموقعة بين القاهرة وأثينا باطلة بالنسبة إلى أنقرة.

وتعتزم مصر واليونان تطوير التعاون بينهما داخل منتدى شرق المتوسط الذي يقع مقره في القاهرة، وسيعقد اجتماعا لدوله بعد أسبوعين، ويناقش الانتهاكات التي قامت بها تركيا مؤخرا، ووضع خطة لمنعها من ممارسة أيّ ابتزاز مع دوله.

وزار وزير خارجية اليونان القاهرة في الثامن عشر من يوليو الماضي، بعد أيام قليلة من توقيع بلاده لاتفاق بحري مع إيطاليا ظل متعثرا لعقود طويلة، وقيل وقتها إن البلدين سيوقعان اتفاقا مماثلا في القاهرة، غير أن دندياس غادرها دون التوقيع على الاتفاق، ووقتها تصورت تركيا أن هناك صعوبات تواجهه التفاهم المصري اليوناني.

وعلمت “العرب” من مصادر سياسية أن الزيارة السابقة لوزير خارجية اليونان مهدت للاتفاق الذي وقع الخميس، حيث تولى خبراء من البلدين دراسته من جوانبه السياسية والقانونية والاقتصادية وحتى الاستراتيجية، وعقدوا ستة اجتماعات خلال الفترة الماضية، تحسبا لرد الفعل السلبي من جانب تركيا، والتي يغضبها كثيرا ارتفاع مستوى التفاهم بين مصر واليونان.

وكانت مصر وقعت اتفاقا لتعيين الحدود البحرية مع قبرص منذ سنوات، وبالتالي تصبح المنطقة الاقتصادية بين الدول الثلاث خالصة لهم، ما يحرم أنقرة من مزايا حاولت الحصول عليها بعد توقيع اتفاقية تفاهم بحري مع السراج في نوفمبر الماضي.

وأوضح شكري في المؤتمر الصحافي مع دندياس أن الاتفاق يتيح للبلدين المضي قدما في تعظيم الاستفادة من الثروات المتاحة في المنطقة الاقتصادية لكل منهما، في ظل احتياطات النفط والغاز الواعدة، ويفتح الاتفاق آفاقا جديدة لمزيد من التعاون الإقليمي في مجال الطاقة مع عضوية البلدين في منتدى غاز شرق المتوسط.

وتعتقد القاهرة أن العلاقة مع أثينا “عامل رئيسي في الحفاظ على أمن واستقرار شرق المتوسط، ومواجهة السياسات غير المسؤولة لدعم الإرهاب، والخروج عن أسس القانون الدولي”.

وتساعد الاتفاقيات التي توقع عليها القاهرة على الأمن والسلم الدوليين، بينما تلك التي تقوم بها أنقرة تسير في اتجاه سلبي وتثير للقلق، والدليل اتفاقها مع حكومة الوفاق الذي أثار عاصفة إقليمية ودولية لم تبرد حتى الآن.

وتسهم الاتفاقية الجديدة بين مصر واليونان في طرح مزايدات عالمية في مناطق التي تم ترسيم حدودها، وزيادة أعمال البحث والاستكشاف في مياه البحر المتوسط، وفي لمناطق المحددة لكل طرف دون تداخل.

وقال أستاذ القانون الدولي العام في مصر، أيمن سلامة، إن الاتفاقية جاءت تأسيساً على قواعد القانون الدولي للبحار، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والدولتان طرفان فيها، وقامتا بتسوية كافة النقاط الخلافية العالقة بينهما، والتي شهدتها المشاورات والمفاوضات السياسية بين اللجان الفنية المتخصصة للدولتين على مدار خمسة أعوام كاملة.

وأضاف سلامة في تصريح لـ“العرب”، أن الدولتين يستفيدان من الاتفاقية في المجالات الاقتصادية اعتباراً من لحظة التوقيع، وتستطيع كل دولة أن ترخص للشركات الأجنبية للبحث والاستكشاف والتنقيب عن الثروات في المنطقتين الاقتصاديتين الخاصتين بكل منهما بعد تعيين الحدود المشتركة بينهما.

ومن المرجح أن يرخي اتفاق القاهرة وأثينا البحري بظلاله على تحركات تركيا في المتوسط، ويضع على عاتق سياساتها المتمردة عبئا كبيرا، حيث يحجم تخرصاتها بشأن مد نفوذها البحري إلى مناطق بعيدة عن مياهها الإقليمية المعروفة.

وتصاعدت التوترات بين تركيا واليونان، مؤخرا، بعد أن حاولت أنقرة التنقيب عن مصادر الطاقة قبالة سواحل قبرص، وتنافست الحكومتان بشأن الحقوق الإقليمية في بحر إيجه، وكادت تحركات أنقرة تفضي إلى صدام عسكري، غير أن تدخل ألمانيا نزع فتيل الأزمة.

وقامت أنقرة بالإعلان عن عزمها إجراء بحث “سيزمي” في المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر، ما جعل القاهرة ترد بقوة عليها رافضة أي تحرك من هذا النوع.

وكشفت تركيا عن رغبتها، الأسبوع الماضي، في التنقيب عن الغاز شرقي البحر المتوسط، في مناطق زعمت أنها تدخل ضمن جرفها القاري ما أزعج مصر واليونان، وربما تكون خطوات تركيا عجلت بتوقيع الاتفاق البحري بين البلدين.

1