مصر وتركيا وحديث الأسلمة والعلمنة

الأحد 2014/06/01

لا يجادل إلا مكابر حقيقة في أن رجب طيب أردوغان (1954-؟) استطاع منذ توليه شؤون الحكم في بلاده في مارس/ آذار من عام 2003، أن يحقق معجزة اقتصادية حقيقية في تركيا، ونقلها من مصاف الدول التي تقبع في قاع ترتيب اقتصادات العالم، إلى أن تُصبح واحدة من أقوى عشرين اقتصادا في العالم، وانعكاس ذلك على الدخل السنوي للمواطن التركي، الذي قفز من حوالي أربعة آلاف دولار إلى أحد عشر ألفا تقريبا، بالإضافة إلى حل كثير من المشكلات الاجتماعية- الاقتصادية، مثل البطالة وأزمة السكن وتحسين ظروف المعيشة للمواطن البسيط.

وكان أردوغان قبل ذلك قد حقق لمدينة إسطنبول الكثير حين كان عمدة لها خلال الفترة من 1994- 1998. كل هذه الأمور يُقر بها لأردوغان وحزب “العدالة والتنمية”، وهذا ما لا يُنكر، وإن أٌنكر، لهذا السبب أو ذاك من أمور لا علاقة لها بالموضوعية، فإن لغة الأرقام تدحضها. هذه المعجزة الاقتصادية، ومن قبلها معجزة مهاتير محمد في ماليزيا، وهي ليست بمعجزات حقيقة، حين تتوفر الإرادة، ووضوح الرؤية والهدف، والتخطيط السليم، والاستخدام الأمثل للموارد بعيدا عن الفساد، من قبل أي طرف يمسك زمام الحكم، صفق لها الإسلامويون العرب طربا، وفق منطلقات إيديولوجية بحتة، على أساس أنها برهان دامغ على أنه “حين يحكم الإسلام”، والمقصود به حين تحكم الإسلاموية ويحكم الإسلامويون، فإنه يستطيع تحقيق المعجزات حين يُمنح الفرصة، وها هي تركيا في ظل “حزب العدالة والتنمية” الإسلامي تقدم البرهان غير القابل للدحض. بالطبع إذا كانت تجربة حزب إسلاموي في تركيا ناجحة بكل المقاييس، فإن هنالك تجارب أخرى عديدة فاشلة، بل وتكاد تكون كل التجارب التي استطاع فيها الإسلامويون الوصول إلى الحكم أو كان لهم نفوذ فيه، ولكن يتم تجاهلها بطبيعة الحال، ولكن هذا ليس موضوع هذه المقالة على أية حال.

المنسي، أو المسكوت عنه، أو المُتجاهل حقيقة في موضوع تركيا وأردوغان من قبل الإسلامويين هو أن المعجزة الاقتصادية التي تحققت في تركيا لم تحدث نتيجة “إسلامية” أردوغان وحزبه بقدر ما كانت نتيجة التحرر من قيود الإيديولوجيا بشكل عام، والنستولوجيا (الحنين إلى الماضي) السياسية الدينية، والتركيز على حل المشكلات المعاشة بشكل عملي دون الاعتماد على المقولات الإيديولوجية الكبرى، كما هو حادث في عالم العرب بالنسبة إلى جميع المؤدلجين وليس الإسلامويين فقط، وهو ذات ما فعله مثلا الرئيس الصيني الأسبق دينغ شياو بينغ (1904-1997)، حين تحلل من الكثير من القيود الإيديولوجية وركز على المشكلات الحياتية والأهداف العملية، وهو صاحب المقولة الشهيرة: “قطة سوداء، قطة بيضاء، لا يهم. المهم أن تستطيع القطة اصطياد الفئران”، للتعبير عن فلسفته العملية في الحكم، فكان أن مهد الطريق لتحويل بلد المليار والنصف في النهاية إلى ثاني أقوى اقتصاد في العالم، وهو الأمر الذي كان متعثرا، بل ومتعذرا أيام حكم الزعيم الراحل ماو تسي تونغ (1893- 1976)، مؤسس جمهورية الصين الشعبية، نتيجة التمسك الحرفي بالقيود الإيديولوجية ونصوص “الكتاب الأحمر”، رغم برامجه الاقتصادية الجبارة، ولعل أشهرها حملة “القفزة العظمى إلى الأمام”، بين عامي 1958 و1961، والتي انتهت بكارثة بشرية واقتصادية هي الأكبر في تاريخ الجمهورية، وهو ذات السبب الذي كان يقف وراء تخلف القطاع الاقتصادي السوفيتي رغم الوفرة، والذي يقف اليوم حجر عثرة أمام نمو اقتصادي بلا حدود أو سدود في بلاد مثل إيران وكوريا الشمالية وفي أكثر بلاد العرب والمسلمين، على اختلاف المشارب الإيديولوجية.


التحرر من قيود الإيديولوجيا


ما فعله أردوغان في تركيا هو ذات ما فعله بينغ في الصين أو مهاتير محمد في ماليزيا أو غيرهم ممن تحرروا من قيود الإيديولوجيا في سياستهم الداخلية تحديدا، والسياسة الاقتصادية أكثر تحديدا. حقيقة أن أردوغان مسلم الديانة إسلاموي التوجه، بمثل ما كان بينغ شيوعي الهوى، ولكن ذلك لم يجعله مرتديا لقناعه الإيديولوجي في كل شاردة وواردة، كما أن حزبه لم يدخل الانتخابات التركية في البدء على أنه حزب ديني، ولم يرفع شعارات فيها نفس ديني، فالأحزاب المحتكرة لدين المجتمع ممنوعة قانونا لأن الدين للجميع وليس لحزب دون آخر، بل دخلها من منطلق أنه حزب وطني مؤمن بأصول اللعبة الديموقراطية والأسس العلمانية للدولة والمجتمع، وكانت شعاراته وبرنامجه قائمين على أساس الحل العملي لمشكلات اقتصادية واجتماعية تركية حقيقية، وليست دعوات النفير والجهاد والخلافة و”لنا الصدر دون العالمين أو القبر”، دون مضمون يُذكر، أو قاعدة من قوة مادية يُستند إليها.

حين بدأ أردوغان لاحقا ينغمس في الأحلام الإيديولوجية الكبرى، وتراوده أحلام الزعامة المتجاوزة للحدود، بدأت العثرات والكبوات تعترض طريقه، لا لأن مؤامرة أصبحت تُحاك ضد “تركيا الإسلامية” المحققة للمعجزات، فكوريا الجنوبية مثلا حققت ذات المعجزة وأكثر، دون أن تُحاك ضدها المؤامرات، ولكن لأنه بدأ يترك أرض الواقع الذي انطلق منه، ليحلق في أحلام إيديولوجية خارجية كبرى، قد تُهدد إنجازات الداخل وتحولها إلى مجرد وقود لها، وهو ذات ما حصل لجمال عبدالناصر (1918-1970) في مصر، الذي صرفته إيديولوجيا القومية العربية، وما أفرزته من مغامرات وتدخلات خارجية، عن التركيز على التنمية في الداخل المصري التي كانت قد بدأت بشكل سليم ومخطط له خلال السنوات الأولى لحركة 23 يوليو/ تموز 1952. بل كان يُمكن لعبدالناصر أن يكون “أتاتورك ” المصري، وحتى العربي، لو أنه حوّل مصر من خلال التنمية وبناء المؤسسات، إلى نموذج جاذب يُحتذى عربيا وإقليميا، سواء اقتصاديا أو حتى سياسيا، فالازدهار وقوة المؤسسات سوف تقود إلى ديموقراطية حقيقية في نهاية المطاف، خاصة وأنه من المعروف أن عبدالناصر كان الوحيد من أعضاء “مجلس قيادة الثورة” الذي رفض الديكتاتورية وحبذ الحل الديموقراطي، ولكن ثمالة الإيديولوجيا، وتضخم الذات بالبطولة والزعامة العابرة للحدود، و”الأبوة الروحية”، كانت لعبدالناصر بالمرصاد، وحديث عبدالناصر يطول حقيقة، ولعل مكانه غير هذا المقال.


إرث أتاتورك


عودة إلى تركيا، فإن أمرا آخر، وهو الأهم في تقديري، لنجاح أردوغان في ظل فشل آخرين من ذات التوجه في بلاد أخرى، هو أن حزب “العدالة والتنمية” وأردوغان إنما نما وترعرع ومارس حقوقه السياسية في مجتمع مدني، يقوم نظام الحكم فيه على أسس ومؤسسات علمانية راسخة، أرسى قواعدها مؤسس تركيا الحديثة الغازي مصطفى كمال اتاتورك (1881-1938)، سيء الذكر في عالم المسلمين لمجرد أنه أطلق رصاصة الرحمة على مؤسسة الخلافة الشكلية والمهترئة منذ قرون، والسلطنة الفاسدة، بل والميتة فعلا منذ عقود. ما كان للتجربة “الأردوغانية”، سواء من ممارسة السياسة في دولة ديموقراطية، أو الوصول إلى سدة الحكم، أو تحقيق الانجازات، دون الأخذ في الاعتبار إرث أتاتورك، وكذلك وقوف المؤسسة العسكرية التركية وراء هذا الإرث وحمايته حتى نما على شكل مؤسسات راسخة، مكنت حتى الإسلامويين من الوصول إلى السلطة، وهم الذين يقفون على طرفي نقيض من أتاتورك ونهجه، دون خوف من أن يحتكر هؤلاء السلطة، ويقلبون الدولة رأسا على عقب، ويحولونها إلى مجرد قاعدة انطلاق لأحلام يقظة كبرى، يضيع معها الوطن ولا تتحقق الأحلام، فيعود الجميع في النهاية بخفي حنين، بل ودون خفيه.

بإيجاز العبارة، لولا أتاتورك “العلماني” لما كان أردوغان “الإسلامي”، ولولا العلمانية الأتاتوركية، لما نجحت الإسلاموية الأردوغانية. ويعبر أردوغان نفسه عن ذلك في نصيحته المخلصة حقا للإخوان المسلمين بعد تربعهم على “عرش مصر”، حين قال قبيل زيارته لمصر “الإخوانية ” في مقابلة متلفزة في سبتمبر/ أيلول عام 2011، مع الإعلامية المصرية منى الشاذلي: “رجب طيب أردوغان ليس علمانيا فهو مسلم، لكنه رئيس وزراء دولة علمانية.. أقول للشعب المصري أن لا يكون قلقا من العلمانية.. لا تعارض بين الإسلام والعلمانية بمفهومها الحديث”، كما أكد أردوغان من خلال تلك المقابلة بأن العلمانية لا تعني اللادينية أو الكفر، بل هي نظام يكفل وقوف الدولة على مسافة متساوية من مواطنيها على اختلاف أطيافهم ومعتقداتهم، بمعنى أن المواطنة هي أساس التعامل ومرجعيته وليس الانتماء الديني أو غيره، وأن الدولة تكون علمانية أما الأشخاص فلا. قوبلت تصريحات أردوغان هذه بالسخط والشجب من قبل الإخوان المنتشين بالسلطة المطلقة في مصر، ومرت الأيام وأثبتت صحة كلام أردوغان، التركي المسلم الإسلاموي الأتاتوركي، وكان السقوط المدوي لتجربة الإخوان في مصر، الذين أرادوا بناء دولة من طيف واحد، رغم أن ألوان الطيف سبعة، وأكثر من ذلك حين الحديث عن حياة البشر والشجر وحتى الحجر.


ديكتاتور ديمقراطي


كان مصطفى كمال أتاتورك ديكتاتورا ومستبدا حقيقيا لا شك في ذلك، وكان غير متدين شخصيا، ولكن ذلك لا ينفي أنه كان من مؤسسي الدول، ولن تجد مؤسس دولة إلا وفيه من الديكتاتورية والاستبداد الشيء الكثير، ولكنه استبداد تفرضه المرحلة التاريخية، كما أن علمنته للدولة التركية الجديدة هو الذي وضع حجر الأساس للديموقراطية التركية المزدهرة اليوم، وهذا أمر لا شك فيه، فما كان من الممكن أن تتحقق الديموقراطية مباشرة في بلد كاد يضيع برمته، إذا دون تحرك أتاتورك فربما كانت تركيا اليوم مجرد مقاطعات يونانية وغير يونانية متناثرة في دول البلقان، وفي بلد كان يُنظر إليه كغنيمة بعد السقوط الرسمي للدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وإلا فقد كانت ساقطة منذ عقود مضت وهي التي كانت معروفة “برجل أوروبا المريض”.

ما فعله أتاتورك هو تمهيد الأرض للديموقراطية اللاحقة، أو حفر أساسات البيت، فالديموقراطية في النهاية ليست مجرد صندوق اقتراع بقدر ما أنها مؤسسات وثقافة وقيم، وإلا فإن مجرد صندوق الاقتراع منزوعا من خلفيته الفلسفية، وأسسه الثقافية، لن يعكس إلا طبيعة المجتمع الممارس فيه الاقتراع، تخلفا كان أو تحضرا، فكل إناء بما فيه ينضح. هل هذا دفاع عن الديكتاتورية والديكتاتوريين؟ ليس الأمر كذلك، فليس أمرّ على المرء من الاستبداد والمستبدين، والديكتاتورية والديكتاتوريين، فللحرية مذاقها الذي لا يعادله مذاق، وللديموقراطية رونقها الذي لا يعادله رونق، ولكن ديكتاتورية بخطة ورؤية خير ألف مرة من حرية بلا دفة، فحرية دون أساس هي الفوضى بعينها، وديموقراطية دون مؤسسات وثقافة وقيم هي العبث عينه، فالمسألة في النهاية ليست متعلقة بحكم قيمي أو موقف عاطفي في أن تكون مع هذا الجانب أو ذاك، ولكنها في تقدير الوضع والظرف، ومعرفة ماذا يؤدي إلى ماذا، وكيف يكون ذلك، وهنا يكمن الفرق بين أحلام الواقع وأحلام اليقظة، فكلها أحلام ولكن هناك ما يمكن تحقيقه، وهناك ما لا يلبث أن يتبخر مع انكسار جرة العسل، في الحكاية المعروفة.


رئيس مصر


أكتب هذا المقال وقد انتهت حُمى الانتخابات الرئاسية المصرية، ولكن النتائج الرسمية لم تعلن بعد، غير أنه من الواضح أن المشير عبدالفتاح السيسي هو الأوفر حظا، بل إن النتائج الأولية المعلنة تفيد بأنه يكتسح بنسبة تتجاوز التسعين في المئة من أصوات الناخبين. بمعنى آخر، عبدالفتاح السيسي، الرجل المنتمي إلى المؤسسة العسكرية المصرية العريقة هو الذي سيكون رئيس مصر المقبل، وبطبيعة الحال سوف يكثر القيل والقال من قبل جماعات الإسلام السياسي وغيرهم بشكل عام، وجماعة الإخوان بشكل خاص، حول هذه الانتخابات وحول السيسي والمؤسسة العسكرية، من دعاوى التزوير، وعدم الشرعية، وعدم تكافؤ الفرص، وكون مرسي هو الرئيس الشرعي، واستناد السيسي إلى شرعية القوة الانقلابية المرفوضة، وشراسة حكم العسكر، وغير ذلك مما سيكثر الحديث عنه، ويدخلنا، وكالعادة، في جدل بيزنطي، وعاصفة في فنجان، يُنسينا حاضر الأمور ومستقبلها، فلا نصل إلى نتيجة، ونخسر كل نتيجة ممكنة. ولكن المؤكد في الأمر أن السيسي سيكون حاكم مصر، ووفق انتخابات شعبية مراقبة دوليا، وبناء على دستور مدني اتفقت عليه شرائح المجتمع المختلفة، وليس بصياغة تيار واحد أو شريحة واحدة.

وسواء صح ما يُقال أو ما يمكن أن يُقال عن هذه الانتخابات ونجاح السيسي ومن ورائه المؤسسة العسكرية، والنقاش في كل ذلك يطول، إلا أن الحقيقة المؤكدة هي أن مصر اليوم تقف على أعتاب مرحلة سوف تحدد مصيرها ومصير المنطقة لسنوات طويلة قادمة، ويتحدد هذا المصير بناء على تحديد دقيق لأولويات الدولة والمجتمع في مصر، والتي أرى أنها تتلخص في غايات ثلاث: تحقيق الأمن، والتنمية الاقتصادية المتوازنة القادرة على احتواء مشكلات البطالة والفقر، وبناء المؤسسات القادرة على حماية التجربة الديموقراطية الوليدة في مصر، حيث يستحيل في المستقبل أن يأتي قافز إلى السلطة لا تشكل الديموقراطية جزءا من خطابه السياسي والإيديولوجي، ويحاول من خلال ذات الديموقراطية أن يُلغي الديموقراطية، التي تفرز أعداءها في هذه الحالة، نتيجة ضعف في المؤسسات، أو استغلال لظروف اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية قاهرة، كما فعل الإخوان خلال سنة حكم المرشد، أو النازيون في ألمانيا خلال سنوات حكم “الفوهرر”، أو الفاشيون في إيطاليا خلال سنوات حكم “الدوتشي”.

انطلاقا من هذه النقطة، يُمكن القول إن لدى مصر فرصة تاريخية لإعادة هيكلة الدولة، وبناء المجتمع، ومأسسة السياسة، وتمدين الثقافة، ومحاولة الاستفادة من التجربة الناصرية والساداتية والديموقراطية المغلوبة على أمرها بعد ثورة يناير/ كانون الثاني، 2011، وتجنب الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها تلك التجارب، بما يكفل نمو ديموقراطية حقيقية قائمة على أسس ثابتة، وتتمتع “بأنياب أشرس من أنياب الديكتاتورية”، على رأي الرئيس المصري الراحل أنور السادات (1918-1981)، ولغاية ليست هي ذات الغاية التي كان يرنو إليها السادات، وليست مجرد صندوق اقتراع لا جذور له. وهذا الأمر لا يمكن أن يحدث بين يوم وليلة بطبيعة الحال، إذ لا بد من وجود مؤسسة قوية تكون حاضنة لهذه التغيرات، ومقيدة ببنود الدستور المدني المتفق عليه، وليس في مصر في هذه المرحلة سوى المؤسسة العسكرية التي تملك مثل هذه الصفات، أحببنا هذه المؤسسة أو كرهناها، وهي المؤسسة العريقة التي كان لها دور كبير في الحياة المصرية منذ تأسيس الدولة المصرية الحديثة على يد محمد علي باشا الكبير (1769- 1849) وحتى هذه اللحظة.

دون “مؤسسة حارسة”، كما حدث في تركيا، فإن أي تجربة ديموقراطية ستبقى مجرد تجربة، ولن تقود إلى أي إنجاز، وفي النهاية ستنهار بهذا الشكل أو ذاك، وتجربة “جمهورية فيمار” الألمانية (1919-1933)، في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، خير مثال هنا، ناهيك عن “تجارب” العالم الثالث، فالديموقراطية غير القائمة على أسس ثابتة، لا بد أن تنتهي بالزوال، إما عن طريق انقلاب عسكري صرف دون قاعدة شعبية، أو عن طريق فوضى سياسية تنتهي بديكتاتورية غير مقننة أو مقيدة ببنود أي دستور.

القضية في مصر اليوم ليست الجنرال السيسي أو المؤسسة العسكرية، بل هي قضية أن تعود مصر لنفسها أولا، مما يعنيه ذلك من إعادة بناء دولة المؤسسات والتنمية والأمن، فالديموقراطية في النهاية، ورغم كل قصائدنا الغزلية فيها وبجمالها وحسنها، بل وحتى من قبل أولئك المتحفزين لوأدها من خلالها، تبقى في الأول والآخر وسيلة وليست غاية: وسيلة لحرية وازدهار وأمن الإنسان، وهو أمر لا يتحقق إذا قبلنا بقشور الديموقراطية دون لبّها، فإن لم تكن كذلك، فلا حاجة لها، وخاصة في عالم عربي ومسلم لا تعني له الديموقراطية حتى الآن، أكثر من وسيلة لاقتناص تفاحة سلطة آيلة للسقوط. الحديث يطول حقيقة والحيز مقفول، وهنا يتوجب التوقف عن الكلام المباح وغير المباح حتى قبل أن يُدركنا الصباح.. فطاب لكم الزمان، وسعُد بكم المكان..

6