مصر وتونس: واقع متأسلم ونخب بلا صلاحية

الاثنين 2013/08/19

استغل إخوان مصر منذ تأسيسهم سنة 1928، ثم اتبعتهم في ذلك ما كان يسمى بـ»الجماعة الإسلامية» («حركة الاتجاه الإسلامي» ثم «حركة النهضة» لاحقا) في تونس في سبعينات القرن الماضي، ظرفا يتسم بالجهل وبالتخلف وبصدمة الحداثة وبالتقسيم الجغرافي والسياسي بُعيد اندثار الإمبراطورية العثمانية، لكي يقحموا الإسلام السياسي كبديل عن الحداثة.

لكن لم يقابَل عمل الإخوان، على مَرّ العقود، بعمل علمي وممنهج ومتأصل من طرف النخب الفكرية والمتعلمة والسياسية من شأنها أن تُكذّب النظريات الإخوانية على حلبة الإبداع الفكري والعلمي والإنتاج الذي سيفرزه، وذلك بفضل الانكباب على البحث العلمي وإرساء سياسات مناسبة في التربية والثقافة والتصنيع. حينئذ تحوّلت المشكلة من صراع حول كيف ننهض كعرب ومسلمين إلى حوار طرشان يحوم حول عموميات.

ونذكر كأمثلة على هذا الانزياح في أساليب تبويب الأولويات تلكم المسائل المتعلقة بحق التشكل الحزبي على خلفية دينية من عدمه، وبجواز مزج الدين بالسياسة من عدمه، وبالمطالبة بتطبيق الشريعة والتنصيص عليه في الدستور المدني من عدمه، وبمشروعية تأسيس الدولة الإسلامية من عدمها، وبمسائل أخرى غريبة مثل جهاد المناكحة، وبأخرى ثانوية مثل التحجب واطلاق اللحية، وبأخرى مسقطة مثل إرضاع الكبير ومفاخذة الصغير وغيرها.

الذي حصل في خضمّ التحوّل في طرائق تشخيص المشكلات الخالي من السند الفكري، هو أن فقدَ المجتمع معنى «الحقيقي» و»الأصلي» و»الضروري» وصار يتعامل مع مشكلاته بمعانٍ موازية لكنها فرضت نفسها كواقع لا ينبغي التغافل عنه مثل معضلات العنف والاغتيال السياسي والإرهاب والحرب (سوريا) ومن مواجهة دامية (الاقتحام الأمني لاعتصامَي «رابعة» و»النهضة» بمصر) التي تعيشها مجتمعاتنا حاليا.

وكم نرغب في الاعتقاد أنّ ثورة الشعب المصري الثانية (في 30 يونيو) ثم ثورة الشعب التونسي (بالخصوص وبمفعول التراكم، ابتداءً من اليوم الذي اغتيل فيه محمد البراهمي في 25 يوليو 2013) هي ثورة على هذا التزوير الشنيع في العقائد الإسلامية وعلى تبعاته في المجالات كلها.

لذا نميل إلى استنتاج أنّ النخب في هذين المجتمعين مطالبة بأن تعيد قراءة الواقع وبأن تعيد تشخيص المشكلات الحقيقية من المنظور الجديد، منظور استرجاع المعاني المفقودة على امتداد عقود. وإلا فسوف يتواصل التراشق بالتهم المضللة على غرار تسمية حركة التحرر في مصر بـ»الانقلاب» من طرف خصومها، واقتفاء النظير الإخواني في تونس أثرَ النسخة الأصلية (المصرية)، بينما الانقلاب الحقيقي مازال في عِداد المرغوب فيه والمأمول: الانقلاب على الطرائق القديمة المضللة والمعيقة لكل تحليل صائب للواقع والتي تخدّر الإرادة وتحطم القدرة على اتخاذ القرار السياسي الصائب. فقط بواسطة الانقلاب المعرفي والمنهجي بإمكان مجتمعاتنا التغلب نهائيا، لا فقط على الفكر الإخواني، وإنما أيضا على الفكر الذي تتبناه الجهات الأجنبية التي كانت، ولا تزال مساندة للإخوانية وداعمة لها بالمال وبالمخططات. وبالتالي فالمطلوب الانقلاب على الجهالة وعلى العمالة. وإلا فلا الولايات المتحدة ولا البلدان المتقدمة الأخرى ستقبل ببلدان الثورة الثانية كمُحاورين حقيقيين لها، بل كمنافسين لها ويحظَون بكل احترام في مختلف مجالات النشاط الإنساني، إلا في حال أثبتت هذه البلدان جدواها في القضاء النهائي على اللبس والازدواجية من داخل جسمها أولا. فالغرب المهيمن لا يصدق من لا يصدق نفسه ويثق بها.

في هذا الإطار نتمنى أن تكون طفرة الوعي الثانية التي حصلت لدى شعبَي مصر وتونس موَلدة لآثار إيجابية على مسار الانتقال السياسي. ولكي تَثبُت حركةُ الوعي وتَبلغَ نقطة اللارجعة يتوجب تحويل الصراع من الحلبة التي يتراءى فيها للعموم في صورته الحالية، حلبة التدافع و»الزلزلة» والعنف، إلى حلبة الحوار الوطني المُجدي.

لكن ما من شك في أنّ هذا الأمر ليس بالهيّن لمّا نعلم أنّ النخب التربوية والدينية والإعلامية والثقافية والسياسية في بلداننا لم تتحرر بعد من الأضرار الجسيمة التي تركها لديها تزوير العقائد وتدجين المعاني الأصلية للمفاهيم وبالتالي مازالت تقيم الحوار تلو الآخر بنفس الوسائل المعرفية التي هي نتاج رديء للتزوير والتدجين.

هذه هي النقطة التي تتنزّل فيها الضرورة العاجلة المتمثلة في تشكّل نخب جديدة تكون ماسكة بآليات الفهم العلمي والممنهج للواقع المتشعب لتعوّض نخبا أضحت تنتج تحاليل مجانبة للصواب، لواقع متأسلم. بكلام آخر، أضحى هذا الواقع عصيّا عن التشخيص إلا على كفاءات ذات صلاحية غير مستهلَكة.

8