مصر وروسيا.. تحالف إستراتيجي إلا قليلا

الاثنين 2017/12/18

المراقب للعلاقات بين القاهرة وموسكو في السنوات الأخيرة، يحتار في وضع توصيف دقيق لها، فلا هي وصلت لمرتبة التحالف الإستراتيجي التقليدي، ولم تدخل مرحلة الجمود الفعلي، حتى انتعشت وعاد إليها جانب من البريق مع زيارة الرئيس فلاديمير بوتين القاهرة الأسبوع الماضي.

النتائج التي تمخضت عنها الزيارة، أنهت الجدل بشأن مصير مفاعل الضبعة النووي، وحسمت مسألة تشييده وتمويله بمعرفة موسكو، ووضعت اللبنة الأولى لعودة السياحة الروسية، ودشنت مرحلة جديدة من التعاون الأمني لمكافحة الإرهاب، وعززت التفاهمات حول تبني منهج التسويات السياسية لأزمات سوريا وليبيا وفلسطين.

الحاصل أن هذه المعطيات رأت فيها بعض الدوائر السياسية نقلة نوعية في مسيرة العلاقات المشتركة بين البلدين، وأنهت التردد الذي ساد خلال السنوات الماضية، وربما تقود إلى الدخول في مرحلة جديدة من التناغم والتعاون والتنسيق، تعتمد على ما لدى كل طرف من عناصر قوة متنوعة يستطيع أن يمنحها (أو جزء منها) للآخر.

أنصار هذا الرأي أسسوا موقفهم على الجذور العسكرية (فرع الاستخبارات) التي ينحدر منها الرئيس الروسي بوتين والمصري عبدالفتاح السيسي، وتساعد على تسهيل مهمة التفاهم حول القضايا الإقليمية محل الاهتمام المشترك، وتقارب الرؤى حيال آليات التعامل مع الكثير من الأزمات والصراعات في المنطقة، الأمر الذي تكشفت تجلياته في سوريا، بالنسبة للموقف من الجماعات المتطرفة المتورطة في العنف ومصير بشار الأسد والموقف من المؤسسات العسكرية العربية.

التقدير السابق ازداد رسوخا في وجدان أصحابه، وتصوروا أن العلاقات بين القاهرة وموسكو استعادت عافيتها تماما، لأن لدى مصر قلقا من النوايا الأميركية، ولدى روسيا عزيمة على المزيد من الزحف نحو المنطقة، وإزاحة الولايات المتحدة من عرشها التاريخي في الشرق الأوسط، ناهيك عن التطور اللافت في التعاون الاقتصادي، وإنشاء محطة الضبعة وإقامة منطقة صناعية روسية في مصر، من أبرز ملامحه.

وجاهة الحجة التي ينطلق منها مؤيدو هذا الفريق تقابلها حجج لا تقل نصاعة، تقلل من الإسراف في التفاؤل، وتشي بأن الشكل الذي وصلت إليه العلاقات بين البلدين لم يرقَ بعد إلى مستوى اليقين بأن ما يجري هو بمثابة التحالف الإستراتيجي.

الواقع أن ثمة أدلة تؤيد هذا الاتجاه، أهمها أن كل طرف يعرف جيدا ما يريده من الآخر، ويقيم رؤيته بموجب مصالحه الرئيسية، ولا يتمادى في ما يريده، إذا تعارض مع مصالحه تجاه قوى أخرى مؤثرة، بمعنى أن القاهرة لم تستبدل موسكو بواشنطن، ولا روسيا قررت تستبدل مصر بأي من إيران أو تركيا، وعندما أعلن بوتين من قاعدة “حميميم” الأسبوع الماضي الشروع في ترتيبات جديدة للتسوية السياسية في سوريا، اختار أنقرة وطهران صراحة للتنسيق معهما، ولم يدرج القاهرة صراحة معهما، لأنهما أكثر انخراطا في الأزمة.

كما أن موسكو تدير علاقاتها مع واشنطن بحذر شديد، تستغل أخطاءها في المنطقة وتكتل الأوراق بحوزتها، لكن لم تعلن أنها في عداء معها أو تسعى إلى سحب أصدقائها منها، وهؤلاء، ومن بينهم مصر، ليسوا على استعداد للتضحية بالولايات المتحدة في الوقت الراهن على الأقل، قد تنتابهم عواطف حيال موسكو، دون أن ترقى إلى مستوى العشق والغرام.

الرهان على روسيا أصبح كبيرا بالفعل لدى القاهرة في ظل مرارات خلفتها الإدارة الأميركية السابقة (باراك أوباما) والحالية (دونالد ترامب)، لكن لدى مصر هواجس عدة حيال روسيا، تفرمل فكرة القطع بأن ما نشاهده “تحالف إستراتيجي”.

القاهرة كانت تعول على قيام موسكو باتخاذ قرار عودة السياحة الروسية أثناء زيارة بوتين للقاهرة، غير أنها حصلت منه على وعد، تطور أخيرا إلى عودة الطيران في فبراير المقبل للمطارات المصرية، دون حديث مباشر عن موعد عودة السياحة، التي تمثل نحو 40 بالمئة من دخل السياحة المصرية.

اللافت أن قرار عودة الطيران كان مشروطا بوجود مفتشين أمنيين من روسيا بالمطارات المصرية لضمان سلامة مواطنيها، وبالمثل وجود مفتشين مصريين بالمطارات الروسية، ما يعني أن الثقة ليست كاملة، وعودة السياحة أمامها شوط طويل.

قرار عودة الطيران يبدو منسجما مع عاملين، الأول حاجة موسكو لنقل مهندسي محطة الضبعة لمصر التي تقرر البدء في تشييدها بمعرفة خبراء ومهندسين من روسيا، وهو ما يستلزم استئناف حركة الطيران مباشرة، والثاني تنظيم روسيا لنهائيات كأس العالم التي يشارك فيها المنتخب المصري، ما يتطلب سفر مشجعيه لمشاهدة مبارياته، في إطار خطة روسيا لاستثمار هذه المناسبة لتنشيط السياحة إليها.

عندما أعلن عن تفاهم البلدين الشهر الماضي حول الاستخدام المتبادل للأجواء والقواعد العسكرية، تفاءل الفريق الداعم لوصف ما يجري بأنه “تحالف إستراتيجي”، وراجت بورصة التكهنات والتخمينات، وتجاهل هؤلاء أن هذا عُرف تعمل به دول كثيرة، وله شروط معينة، وسبق لمصر أن سمحت للولايات المتحدة باستخدام قواعدها في حرب الخليج الأولى، ونسوا أيضا أن القاهرة ذاتها رفضت إقامة قاعدة عسكرية لروسيا في مصر.

ولم يتوقفوا عند كلمة “المتبادل”، فإذا كانت لموسكو مصالح كبيرة في المنطقة تدفعها لإمكانية استخدام القواعد العسكرية المصرية، فما هي حاجة القاهرة لاستخدام القواعد الروسية؟ وما هي مصادر التهديد هناك؟

التفتيش الأمني واستخدام القواعد العسكرية المتبادلين، يمكن القول إنهما من العناوين التي تؤكد أن العلاقات بين مصر وروسيا لم تصل إلى المستوى الإستراتيجي، وتوحي بأن حرص القاهرة على التعامل بالمثل مع موسكو، ينطوي على إشارة سلبية لها صلة بوجود مخاوف أو حساسية معينة، وليست إيجابية تتعلق بالقوة والندية، وهو ما بدا جليا في قلق موسكو من اكتشافات الغاز المصري في البحر المتوسط، ولم تهدأ إلا بعد امتلاك شركة “غاز بروم” الروسية نسبة 30 بالمئة من حقل ظهر العملاق.

كما أن الحرب التي اشتعلت بشأن استيراد القمح من روسيا وتحفظات القاهرة على نسبة فطر “إرجوت” به، ورد موسكو بمنع استيراد الموالح من مصر، تقلل من قيمة التفاهمات المعلنة، لأن تفجر الخلافات على الملأ وعدم القدرة على إخفائها وإدارة بعض الملفات بتسجيل النقاط، كلها علامات تؤكد أن ما نراه تحالف إستراتيجي إلا قليلا.

كاتب مصري

9