مصر وقد فاتها تأهيل ثلاثي ضروري للنهضة

روح ثورة 25 يناير كانت فرصة لتعويض مصر عمّا فاتها من تأهيل ثلاثي لبناء الدولة. تأهيل العسكريين على الخيال قبل احتراف السياسة، وتأهيل المتشبّعين بالقيم القبلية على روح القيم المدنية، وتأهيل المتطرفين على قبول التنوع.
الأربعاء 2020/02/26
قيم من روح الثورة

يمرّ أغلب المصريين حاليا بدرجات من اكتئاب عام يُلزمهم الصمت، وإذا تكلموا أعلنوا عن الرغبة في الهجرة. لعله اكتئاب ما بعد نصف ثورة، أو شعور قاهر باللاجدوى في ظل إجراءات ما بعد 3 يوليو 2013، وتحوّل الحلم بالتغيير إلى خيبات أمل تتشابه في النوع وتختلف في الدرجة. حتى شركاء 30 يونيو 2013 يشملهم هذا الإحساس، وهم يرون إجراءات الانتقام والإقصاء تتأرجح بين الخشونة والنعومة، لينتهي المشهد الكابوسي بما يشبه “ظهور اللوياثان”، وفقا لرؤية حيدر حيدر في روايته “وليمة لأعشاب البحر”.

كانت روح ثورة 25 يناير 2011 فرصة ذهبية لتعويض مصر عمّا فاتها من تأهيل ثلاثي ضروري لبناء “الدولة”. تأهيل العسكريين على الخيال قبل احتراف (أكاد أقول اقتراف) السياسة، وتأهيل المتشبّعين بالقيم القروية والعشائرية والقبلية على روح القيم المدنية، وتأهيل المتطرفين الدينيين على قبول التنوع البشري والديني والمذهبي.

اعتاد الصنف الأول مفهوم التوحّد بالسلاح، وهو آلة صمّاء، أقصد السلاح بالطبع، لأنه وسيلة قتل تستهدف عدوا ليس له اسم أو ملامح. ولا يملك حامل السلاح ترف الاعتراض على أمر، وبحكم التراتب وسرية المعلومات لا يحتاج القائد إلى التوسل بالديمقراطية حين يصدر أمرا إلى من هم أدنى درجة. هذه القواعد المترسّخة في العسكريين، منذ مطلع شبابهم مع التحاقهم بالكليات ثم انتقالهم إلى المعسكرات، تنتقل معهم بعد عقود من الخدمة العسكرية إلى الأعمال المدنية ذات الطبيعة السياسية. فهل يقبل شخص أمضى عمره في تلقّي الأوامر وإصدارها أن يناقشه مواطنون تتباين احتياجاتهم وثقافاتهم ومداركهم؟ وإلى أي درجة يعي أن القواعد العسكرية الصارمة لا تلائم مرونة الحياة المدنية ما لم يمرّ بفترة تأهيل تشبه، إلى حدّ ما، اجتياز الضباط لدورة تدريبية، قبل الحصول على درجة “أركان حرب”؟ وبهذا التأهيل يتخلّى العسكريون عن احتكار المطلق الوطني لحساب النسبية السياسية.

أما الصنف الثاني فلديه وهم احتكار الأخلاق، بمفهومها الشخصي الجسدي التقليدي الضيق، وهو محكوم بعادات وقيم تختلف عن سمات الحياة المدنية. مدينة مثل القاهرة تعاني شيخوخة معمارية وبشرية بعد عقود من ترييف يحاصرها بسياج من أحياء فقيرة تعيش على الحد الأدنى من الخدمات والأقصى من القيم القديمة. كما اخترق هذا الترييف روح المدينة العجوز، وتسلل إلى المفاصل والشرايين والمناصب، بما فيها رئاسة الدولة. ومن تجلّيات هذا الترييف المباهاة الساذجة من الرئيس الأسبق أنور السادات بأخلاق القرية، والإلحاح على أنه “كبير العائلة”، وأن يتحمس شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بحسن نية لكيان اسمه “بيت العيلة” لفضّ النزاعات الدينية في مجالس عرفية. والطقوس العرفية لا تخضع للقانون، وتجور على حريات فردية تتآكل في السياق العشائري، وهكذا ينمو فضول فضائحي يمتدُّ من وصاية حارسي البنايات، إلى إجرام مقدّمي برامج فضائية تغذيها تسريبات تليفونية ومصورة؛ لابتزاز الخصوم السياسيين. وليست الحريات الشخصية ترفا، وإنما هي حقوق إنسانية أساسية، وقيم دالة على الارتقاء الأخلاقي، وتحكم على مقدار حظ الإنسان من الإنسانية، فيترفّع عن التلصّص على الآخرين، ويتعفّف عن مراقبة أفعالهم. ولك أن تقارن بين سائق من جنوب شرقي آسيا مرحّب به في الخليج؛ لأنه يعي أنه مجرد سائق، وآخر مصري يستبد به حب الاستطلاع، ويشغل نفسه بتقصّي كل شيء حوله، والتطوّع بالإجابة عن أسئلة لم توجه إليه، وآخر ما يتذكره أنه سائق.

الصنف الثالث أكثر خطورة من السابقيْن؛ فهو يحتكر المطلق الديني الذي يبتلع ما هو وطني وما هو أخلاقي. وقد نشأ أفراده على اليقين بأنهم الفرقة الناجية، وتسلحوا بفقه بشري يسمو في قلوبهم إلى منزلة اليقين، وبقفزة صغيرة يسهل أن ينتقلوا من التشدد الذهني إلى الغلوّ الفكري فالإرهاب السلوكي، وهم يوقنون بأنهم يتقربون إلى الله ولو بإراقة دماء أبرياء. هؤلاء أكثر خطورة لأن لديهم خطابا نظريا تتأسس عليه أفعالهم، ويبدأ التأهيل بخلخلة القيم المعرفية القديمة وتقويض هذا اليقين. وبهذه المجاهدة ينشأ فراغ نفسي، ورغبة في تأسيس الوعي البديل، بأناة وحكمة ومحبة تنأى عن التطاول والاستعلاء، وإنما تقيم جسورا نحو حياة مدنية يتجاور فيها المسلم وغير المسلم، ويتعاون فيها الجميع على إعمار الأرض، حيث لا مكان ولا وظيفة لشيخ يقرر من يذهب إلى الجنة ومن يُقذفُ به في النار، ويتصالحون مع حقيقة أن حساب البشر عند الله الذي لم يوكل محاسبة الناس إلى أحد بمن فيهم الأنبياء، وأن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة.

التربية المذهبية، أو الطائفية الإخوانية، تخلق أحيانا إنسانا أحاديا مستعدا للعنف، ضائق الصدر بالآخرين، لم يجرّب الانخراط في حياة مدنية، ولم ينعم بسلام نفسي، ففي رأسه حرب على العالم، ينتظر إعلانها لوصل حاضره بماضي الفتوحات، لكي يزهو بقتال الناس حتى يشهدوا ألّا إله إلّا الله، ويكون الرزق تحت ظلال الرماح. بهذا الطموح الإيماني يفارق الشاب أسرته، ويزهد في دراسته، ويغادر وطنه إلى أرض تتيح له شرف الجهاد في ما يتخيّل أنه سبيل الله، ويفرح بميلاد جديد يترجم فيه النصوص إلى ساحات معارك تفتح له أبواب الجنة.

لا صبر للكثيرين على المكاره، أو على الفضائل، وليس أفضل من نزع السموم الطائفية من دماء الذين نشأوا على الكراهية. وليس من الحكمة إعلان الحرب على الإرهابيين وتجاهل أسباب الإرهاب، وكل إجراء أمني إزاء الشبان المتشددين يزيدهم تطرفا، ويمنحهم ثقة بأنهم على الحق المبين، وكم أسهمت المعتقلات في جعل متشددين مذبذبين إرهابيين عتاة، ولعلّي شرحت هذا الأمر في مقال عنوانه “رفقا بضحايا جنة الإخوان واليقين”، نشرته صحيفة “العرب” في 14 فبراير 2014، وبمراجعته يتأكد لنا أن بضع سنوات ذهبت سدى، فمازلنا نكرر الخطاب نفسه، كأننا نعزّي أنفسنا بكلام لا يسمعه أحد سوانا.

9