مصر: 2016 سنة أزمات وتحديات

كان عام 2016 عاما للتحديات والأزمات بامتياز بالنسبة إلى السياسة الداخلية المصرية، وتحديدا في ثلاثة ملفات جوهرية، هي: علاقة النظام بالشباب، وعلاقته بالأحزاب والقوى السياسية، وحربه الضروس ضد الإرهاب.
الجمعة 2016/12/23
2016 سنة قمع الشباب

القاهرة – لم يكن من السهل على النظام المصري أن يحارب على المستوى الداخلي، على أكثر من جبهة، وضد أكثر من فصيل، ما أدى إلى أن يكون لأجهزة الأمن، الدور الأكبر، في رسم البعض من الخطوط العريضة للسياسة الداخلية.

كانت المواجهة السياسية الأشد، تلك التي خاضها النظام خلال العام 2016، مع الفئات والحركات الشبابية، على الرغم من إعلان السيسي أن 2016 هو عام الشباب، لكن كثرة الاحتجاج على القرارات السياسية والتوجهات الحكومية، نقلت الصراع مع الشباب إلى أجهزة الأمن.

وبسبب التطبيق الحرفي لقانون التظاهر، الذي أقره الرئيس المؤقت عدلي منصور في العام 2013، خشية انفراط زمام الأمور، تم سجن الكثير من الشباب، بعد المسيرات الشبابية الرافضة لاستمرار ما سموه السياسات القديمة في الحكم.

وجاءت اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، في مايو الماضي، لتصعد من الصدام بين الحكومة والأمن والشباب.

وبحسب حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تكمن مشكلة الحكومة المصرية، في أنها لم تحسن التعامل مع الشباب أو تحتويهم.

واعتبر حسن نافعة أن الأزمة الأكبر تمثلت في إطلاق يد الأمن للتعامل مع الشباب. وهذا وسّع الفجوة والجمود بين الجانبين (الحكومة والشباب) وبالتالي كان طبيعيا أن يتحول الشباب إلى معارضين لكل شيء، طالما أنه من صُنع الحكومة.

ولكن مع الوقت، أدرك النظام أن لا بديل عن مراجعة النهج المتبع مع الشباب. وبدأ التهدئة معهم في الأشهر الأخيرة، من خلال عقد مؤتمر شبابي موسع، للاستماع إلى آرائهم وطموحاتهم واعتراضاتهم على السياسة الداخلية.

وقال نافعة لـ”العرب” إن تنازل النظام عن التعامل “من الأعلى” مع الشباب، والتحدث المباشر معهم محاولة لتضييق التحديات التي تواجهه على الصعيد الداخلي.

وقد جاءت قرارات الإفراج عن مجموعات شبابية لتساعد على حدوث انفراجة حقيقية في عقد مصالحة مجتمعية، باعتبار أن الاستقرار السياسي يبدأ من فئة الشباب.

ورأى سياسيون أن مواقف النظام الأخيرة مع الشباب، يمكن معها استشراف علاقة متوازنة بين الطرفين في عام 2017، تكون بداية لمصالحة تبتعد عن الصراع والتحدي، لا سيما أن النظام استجاب – تقريبا- لأكثرية مطالب الشباب أو الداعمين لهم من القوى السياسية والحزبية، سواء المتعلقة بتحريرهم من السجون، أو بتدريبهم لتولي مناصب مهمة، أو حتى بتعديل قانون التظاهر، الذي اجمعت على إلغائه مختلف القوى السياسية والحزبية، وكان سببا رئيسا في تدهور العلاقة بين الطرفين.

الأحزاب خارج المشهد

اختفاء الأحزاب من المشهد السياسي، بسبب هشاشة بعضها وتأييد البعض الآخر للنظام، ساعد الأخير في أن يفرض على الوضع الداخلي سياسة ثابتة تواكب متطلبات وتحديات الظروف الراهنة، انطلاقا من مفهوم “الاصطفاف الوطني” ضد الجماعات المناوئة للنظام، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، وحركة 6 أبريل، والاشتراكيون الثوريون.

وقال متابعون للسياسة المصرية، إن إستراتيجية الحكومة مع الأحزاب، قامت خلال عام 2016 على شقين؛ الأول أن يتم الاجتماع بها بين الحين والآخر، لاطلاعها على مستجدات الوضع في البلاد، من منطلق أنها “شريكة في العملية السياسة”، لكن دون أن يكون لها دور في وضع السياسات.

مواقف النظام الأخيرة من الشباب يمكن معها استشراف علاقة متوازنة بين الطرفين في عام 2017

ويتمثل الشق الثاني في استماع الحكومة لوجهات نظر الأحزاب في الأمور التي تمس الحياة السياسية، مثل قانون الانتخابات المحلية والأحزاب من جانبها اكتفت بهذا القدر.

وذهب المتابعون إلى أن حديث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الدائم، عن رفضه وجود حزب سياسي يمثله أو يكون ظهيرا له في الحكم، ربما ساهم في ترويض “الحزبية” بمفهومها الشامل، ووضع مسافة كبيرة بين الأحزاب ككيان سياسي وبين المجتمع نفسه، خاصة أن هذه المسافة كانت موجودة من قبل، عندما كان الكثير من الأحزاب، يعمل لصالح نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.

نظرت النسبة الأكبر من المصريين إلى مجلس النواب، (الذي يكمل عامه الأول بنهاية ديسمبر الجاري)، باعتباره كيانا تشريعيا، يعمل لصالح النظام والحكومة، وليس لصالح المجتمع، بسبب القرارات والقوانين التي أقرها، وضاعفت من حجم المعاناة المعيشية على المواطنين، حيث لم يعترض على أي تشريع قانوني أو قرار تصدره الحكومة، سوى القانون الخاص بالخدمة المدنية، وبعد ذلك جرى تعديله والتصديق عليه.

وأشار حسن نافعة إلى أن النظام والحكومة لا يعتبران البرلمان عائقا أمامهما، بل ينظران إليه كظهير سياسي لهما، تحت مبرر الحاجة إلى الاستقرار السياسي وبناء مؤسسات الدولة. وألغت هذه العلاقة الوجود الفعلي للمعارضة البرلمانية، ما جعل البعض من منتقدي النظام، يقولون إن “مصر الآن بلا برلمان”.

لكن المتابعين لعمل البرلمان، رأوا أن عام 2017، قد يشهد تغييرا في مسار البرلمان، في معالجة القضايا المتعلقة بالمواطنين، وغالبا سوف ينتهج سياسة رقابية وتشريعية معتدلة، تخرجه من دائرة التأييد المطلق للنظام والحكومة، لخفض حدة الهجوم عليه.

وقالوا إن بوادر هذا التغيير بدأت بالمطالبة بإقالة وزراء ثبت فشلهم في تحمل المسؤولية، وعلاج ملفات مهمة وحيوية تمس الناس بشكل مباشر تتعلق بمواجهة الفساد ورعاية الطبقات المهمشة ومحاسبة المسؤولين، لأجل تدعيم التوجه السياسي نحو اتحاد مجتمعي، يفضي إلى وقف الاستقطاب ونزع فتيل الغضب الشعبي.

ولا يمكن فصل السياسة الداخلية للدولة المصرية عن السياسة التي ينتهجها النظام في الحرب على الإرهاب، منذ دعم الجيش ثورة الشعب المصري لعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، واعتماد الإخوان على سياسة إنهاك الأمن.

ولم يعد الإرهاب بمفهومه الشامل قاصرا على شبه جزيرة سيناء (شمال شرق مصر)، فقد امتد إلى محافظات متعددة، بل ووصل إلى قلب القاهرة.

الاستقرار من أجل المستقبل

حتى بداية عام 2016، كان الإخوان يعتمدون على سياسة إرهاب المجتمع، من خلال تنظيم مظاهرات مسلحة وقطع الطرق وإضرام النار في الشوارع.

ومع نجاح أجهزة الأمن في مواجهة أي حراك ميداني أو مسيرة لهم، تحوّلوا إلى سياسة إرهاب الدولة بالتفجير على نطاق ضيّق من خلال استخدام العبوات الناسفة محلية الصنع وتعطيل المرافق العامة.

لكن اللواء محمد نورالدين، الخبير الأمني، اعتبر أن المشكلة الحالية بخصوص الإرهاب، هي عدم وضع إطار محدد المعالم لمواجهة المتطرفين والمتشددين، الذين يمثلون المحرك الرئيسي للإرهاب.

وأضاف لـ”العرب” أن سياسة الأجهزة الأمنية في الحرب على الإرهاب خلال العام الحالي، اختلفت كثيرا عن العامين الماضيين، لا سيما في ما يتعلق بالضربات الاستباقية بضبط الكثير من الإرهابيين والبؤر المتطرفة والمتشددة، أثناء تخطيطها للقيام بعمليات نوعية خطيرة، ما يعني تعظيم دور أجهزة المعلومات، وجعلها تتساوى مع قيمة الآلة العسكرية التي تواجه الإرهاب بالسلاح.

غير أن ثمة تحديا كبيرا مازال النظام يبحث عن “حل جذري” له، في ما يخص ملف الإرهاب، ألا وهو، أن اهتمام الحكومة بالتطرف في المرحلة الحالية، هو اهتمام انتقائي وكذلك مرحلي، ما نتجت عنه من الناحية العملية مشكلتان:

* المشكلة الأولى: عدم وجود جهة واحدة معنية بمكافحة التطرف، وبالتالي فإن ما تنفذه الوزارات المختلفة من مبادرات، يكاد يكون غير متسق، بل وأحيانا يكون متضاربا، وفي أحيان أخرى غير فاعل في مكافحة الفكر المتطرف، وهو ما يجعل الإرهاب تهديدا قائما ومستمرا للأمن القومي المصري.

* المشكلة الثانية: استمرار وقوع العمليات الإرهابية مع تطوير أساليبها، والاستعانة يوما بعد يوم، بأنواع متجددة من المفرقعات والخطط، ما يؤثر على الأمن والاستقرار في الدولة.

ويعزز من هذا التضارب، وعدم وضوح الرؤية بالنسبة إلى مكافحة التطرف عدم وجود منحى جاد في مسألة تجديد الخطاب الديني من جانب المؤسسات الدينية، بسبب الصراع القائم بينها، حول من له الحق في التجديد؛ الأزهر أم وزارة الأوقاف أم دار الإفتاء؟

ودفع هذا التضارب الرئيس السيسي إلى التدخل وإنهاء الجدل ووضع المسؤولية كاملة على عاتق الأزهر.

وتم تحديد جدول زمني للانتهاء من هذا الملف، بعيدا عن التأثر بردود فعل قوى الإسلام السياسي، التي من المحتمل أن تقف في وجه التجديد، باعتبارها المستفيدة من هذا التشدد الديني.

وتوقع مراقبون أن يشهد العام الجديد، تغييرات جذرية في هذا الملف، ودخول البرلمان على خط التجديد، من خلال سن تشريع قانوني، يمنع غير المتخصصين من الفتوى وإصدار أحكام دينية، سواء كانوا إسلاميين أو سلفيين أو إخوانا، ومعاقبة المخالفين بالسجن.

وقد بدأ البرلمان بالفعل في تعديل التشريعات الخاصة بالقوانين الجنائية، المتعلقة بجرائم الإرهاب، بما يسمح بمحاسبة المتورطين بشكل سريع، ما قد يحد من معدلات التطرف الفكري والديني وتغذية الإرهاب، من خلال الإسراع بمحاكمة المتورطين في الإرهاب، بما يقطع الإمدادات بين القابعين في السجون والذين يتحركون خارجها الأسوار حسب توجيهاتهم.

كاتب من مصر

12