مصطفى الزوفري فنان مغربي يرسم الحروف بالموسيقى

الخميس 2015/01/08
الفنان يحرر الحروف من قيودها نحو مزيد من التجديد

بروكسل - لوحاته أشبه بالمقطوعات الموسيقية، التي تحاكي نوتاتها الحروف والأشكال الهندسية في تدافعها، لكنها تحافظ على انسجامها وهي تتناثر هنا وهناك، تلك هي حروف مصطفى الزوفري، الفنان التشكيلي المغربي المقيم ببلجيكا، والتي ترفض الانصهار في ذلك القالب الذي صممه خطاط أصيل.

أعمال الفنان مصطفى الزوفري المتعدد المواهب (الرسم، النحت، النقش والطباعة) متحررة بشكل جوهري وبحرفية أيضا، لأن الحرية والانفتاح وكسر الصور النمطية حسب هذا الفنان، تتمثل في خلق الاختلاف من فنان لآخر.

يقول الفنان الخمسيني الذي يقيم في بروكسيل منذ كان عمره 18 سنة: «إننا ننطلق من جذورنا بالتأكيد، لكن لا ينبغي أن ندور حولها فقط، بل يجب علينا خلق أشياء تنتمي إلى عصرنا».

يقدم معرضه الأخير الذي يضمّ حوالي عشرين لوحة، والذي احتضنته دار الثقافات المغربية الفلامانكية ببروكسيل، بعضا من هذا التصوّر الفني للفنان مصطفى الزوفري، الذي يبدو من خلال تحريره للخط، وكأنه يترك مساحة حرة لحروفه في الأيقونة المرنة الخفيفة التي تنفلت من القيد، لتكون أشبه بمقطوعة موسيقية.

غير أن حرية الحركة عند الزوفري لا تعني الفوضى، فكما هو الحال في الموسيقى، حيث تؤدي اللمسات التي تبدو ظاهريا فوضوية، إلى تماثل سهل القراءة بين أجزاء اللوحة كفسيفساء ساحرة.

ويعتبر الزوفري أن هذا العمل غير النمطي يعدّ ثمرة ثلاثين سنة من الأبحاث الفنية التي امتدّت على مدى مرحلتين؛ فبعد تكوينه الأكاديمي الذي تلقاه بالأكاديمية الملكية للفنون الجميلة ببروكسيل، وبالمدرسة العليا للفنون المرئية بمونس، اشتغل الزوفري على الفسيفساء الموريسكية والعربية الإسلامية، وخصوصا ولادة الأشكال من خلال الممارسة الهندسية والحسابية (المربع السحري ومربع التناغم)، حيث تجسدت مساهمته في استبدال الخطوط المنتظمة بالكلمات العربية المجردة من معناها الأدبي، وبمجرد تسطير إطار للكلمات، يختار هذا الفنان ألوانه بشكل اعتباطي، للتعبير عن موضوعات مستوحاة من الطبيعة، أو من حدث ما، متوسلا الروحانية والثقافة اللتين تسكنانه.

الزوفري يحاول تحت سماء بروكسيل، تليين قسوة المناخ بجملة من الألوان التي تدفع بالحروف نحو فضاء المرونة

أما المرحلة الثانية، فقد بدأت حين التجأ الزوفري إلى الفن التجريدي الغنائي متأثرا في ذلك بجيرارد شنايدر، وماتيس، وبول كلي، وميرو أو بلكاهية، حيث يقول في هذا الخصوص: «حاولت في بداية هذا البحث تكبير بعض تفاصيل رسوماتي المتمحورة حول الحروف، وحصلت على لوحات تجريدية بشكل كامل، ومع مرور الوقت تخليت عن الكلمات، لأعبر عن نفسي في أشكال تجريدية وغنائية بحتة».

وبتفحص لوحاته، يصعب اليوم عزل مقاربة معينة لهذا الفنان الذي انتقل من أسلوب إلى آخر بتمكن ومهارة. وببلوغه هذه المرحلة، يواصل الزوفري، تحت السماء الرمادية لبروكسيل، محاولاته لتليين قسوة المناخ من خلال جملة من الألوان التي تدفع بالحروف نحو فضاء المرونة.

وفي لعبة تجانس الألوان هذه، التي تتلاءم مع فن الخط المتحرر لمصطفى الزوفري، تبدو الأعمال الفنية وكأنها إزهار خصب، حيث يرى الناقد الدولي للفنون جو ديستان، في لوحات الزوفري ألوان «الأحمر والأزرق والأخضر والأصفر والبنفسجي تنتظم في رقصة “السربندة”، ومتواليات، وخطاطات نشطة تمكن المرء من زيارة أنوية حياة في منتهى الغزارة، حيث تجمع تباينات لــونية غير متوقعة بعيدة عن أي دفء حيوي».

وعندما يكون بعيدا عن حروفه ولوحاته، يصبح الفنان الزوفري مدمنا على مواهبه الأخرى من قبيل النحت والنقش على الخصوص، كما يحب أن يبادل شغفه المتعدد مع شباب مولينبيك في “المغرب الصغير”، الحي الذي يوجد في بروكسيل والذي يشهد تمركزا مكثفا للمغاربة المقيمين ببلجيكا.

لوحات مصطفى خليط ما بين البرونز والخشب والتراب، ساعدت في خروجها إلى حيّز الوجود المواهب المتعددة التي يمتلكها الفنان

وتشهد على ذلك جدارية توجد في مدخل المدرسة العاشرة لمولينبيك، حيث شارك التلاميذ، تحت إشراف مصطفى الزوفري، في تمرين زاخر بتطوّر أشكال هندسية، كونوا منها فسيفساء على حائط المدرسة، في عمل يوحي للوهلة الأولى بلمسات البيانو، وباختصار بالموسيقى؛ تلك الألحان الموسيقية التي يهتز لها العالم الفني لمصطفى الزوفري.

لوحات مصطفى خليط ما بين البرونز والخشب والتراب، ساعدت في خروجها إلى حيّز الوجود المواهب المتعددة التي يمتلكها الفنان في مجال الفن، فهو تشكيلي ومصوّر ونحات أيضا، عشقه للفن التشكيلي نشأ منذ نعومة أظافره، وحرصه على ألاّ يحصر نفسه في مدرسة محدودة أو أسلوب معين، بل يرسم حسب اتجاهات جميع المدارس الفنية المختلفة، منها السريالية والواقعية وحتى التجريدية والتكعيبية.

المعرض سيمتدّ إلى غاية العشرين من يناير الجاري، ويتضمن مجموعة فنية مهمة من اللوحات التجريدية التي تنطلق من الخط العربي في حركاته، وألوان الزرابي والفسيفساء التي استعملت في صناعة المكعبات الصغيرة، وهي ترسم عددا كبيرا من القطع الصغيرة الملونة التي تمثل مناظر طبيعية أو أشكال هندسية أو لوحات بشرية.

16