مصطفى العقاد.. نشر صورة مضيئة للإسلام في الغرب واغتاله التكفيريون

الاثنين 2013/12/02
مصطفى العقاد: حمل رسالة حضارية

العرب - ثماني سنوات مرت على مصرع المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد في أغلب إنتاجه السينمائي، وقد كان موفقا في انتمائه الفني منذ لحظة العشق الأولى التي ولدت خياراته الجمالية ودفعت به إلى الرحيل نحو "هوليوود"، حاملا من مدينته "حلب" إلى بلاد "العم سام"، حلم ابن الفقراء، وزاده لم يكن إلا مصحفا كريما ومئتي دولار هما حصيلة الأب الكادح.

في الحادي عشر من نوفمبر- تشرين الثاني 2005 رحل مصطفى العقاد وفي ذهنه الكثير من المشروعات والأحلام، غير أن يد الإرهاب الأسود والهمجية العمياء لم يمهلاه فقضى نحبه شهيدا، بعد أن ظلّ خير شاهد على تخلفنا وعلى خيباتنا وانكساراتنا وهزائمنا، وهو الذي قدّم للغرب الصورة المشرقة عن العرب وعن الإسلام، فكان خير مدافع بفنه وأعماله السينمائية العظيمة عن هويتنا وعروبتنا وإسلامنا.

في "حلب" الشهباء وُلِدَ العقاد عام 1935، لأسرة متواضعة الحال وفقيرة.


رسالة الفنان

في مدينة العقاد، التي حرقها ونهبها واغتال الحياة فيها جيش "نيرون السوري"، تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي. وفي هذه الفترة من شبابه ولع بالسينما وحلم بدراسة فن الإخراج السينمائي، فغادر مسقط رأسه عام 1954 وهو لم يكن قد أكمل عقده الثاني من العمر، ليدرس الإخراج في جامعة "UCIA" بولاية "كاليفورنيا" بالولايات المتحدة. ليبدأ بعد التخرج عام 1958 "مرحلة المجاعة" -كما كان يصفها- حيث قدم طلبات عمل لسبعة استوديوهات ضخمة، ولجميع محطات التلفزيون ووكالات الإعلان. يقول: ’’حالفني الحظ عندما طلب المخرج "سام بكينباه" من الجامعة مساعدته في اقتراح منصب مستشار يتحدث اللغة العربية ليساعده في فيلم عن الجزائر، لكن الحظ لم يطل، إذ تحررت الجزائر واسترجعت استقلالها عام 1962؛ ثم فتحت الأبواب أمامي إلى عاصمة السينما العالمية "هوليوود"، ولم يقتصر عملي على الإخراج والإنتاج بل عملت أيضا ممثلا، وتواصل عملي هناك على مدى 45 عاما’’.

هكذا تكلم العقاد
*إن ما قدمته ليس عبقرية، ولكن أنصح بإزالة مركب النقص الذي اختفى لديّ عندما رأيت الألماني والفرنسي والأميركي لا يفرق عني بشيء وأصبح سعري بسعرهم، لذلك أحاول أن أنقل هذه التجربة إلى أمتي التي تظن أنها العالم العاشر! ويجب ألا نضع اللوم على الرأسمالية والإمبريالية والصهيونية، المرض منا وفينا نحن!.. وطوال الوقت كنت مدركا أنه عليّ القيام بعملية بحث حقيقية عن الأدوات والسبل التي تمكنني من خدمة عروبتي وتمسكي بها وبتاريخها؟ وهو ما تفرضه جذوري وانتمائي.

* القضية الفلسطينية ليست بالتأكيد قضية محلية بل هي قضية مصيرية، وفيلم "عمر المختار" يروي قضية فلسطين؛ فمثلا، عندما نزل الرئيس المصري أنور السادات في القدس شعرنا نحن في الغربة بروح الهزيمة والاستسلام، لذلك قررت أن أقدم موضوعا يرمز إلى عدم الاستسلام ومواصلة النضال، طبعا فكرت في عزالدين القسام أو عبدالكريم الخطابي أو عبدالقادر الجزائري وغيرهم.. وهم كلهم قد ناضلوا نضالا مشرفا، إلا أن عمر المختار كان أطولهم جهادا أمام العدو الحضاري، وأصرّ أن يستشهد في أرضه الحرة، لذلك قدمته بإسقاط معاصر.

*إننا ننفق عشرات المليارات على شراء الدبابات والطائرات، ولم نر إلى الآن رصاصة واحدة توجه إلى أعدائنا رغم أن 10 % من هذه الميزانية كافية لتحقيق المعجزات؛ إن الحرب الآن هي حرب إعلامية بالأساس، ولكننا للأسف نكتفي بالكلام بيننا وبين أنفسنا، ولا نحاول أن يصل صوتنا إلى العالم، ولا نحاول أن نقدم للعالم صورتنا الحقيقية.

بدأت شهرة مصطفى العقاد العالمية عام 1976 لما أخرج فيلم "الرسالة"، وهو أول فيلم عربي – عالمي عن رسالة الإسلام، يخاطب ذهنية الإنسان الغربي، ويَعرض -دون غلو أو تعصب – السيرة النبوية لرسولنا الكريم (ص)، محاولا بيان كيف أتى الإسلام إلى هذا العالم بروح سمحة وفكر علمي عميق.

وقد صدر فيلم "الرسالة" في ذات الوقت بنسختيه، العربية والأنكليزية، وأدى دور حمزة بن عبد المطلب، في النسخة العربية، الممثل المصري الراحل عبدالله غيث. وأدت الممثلة السورية القديرة منى واصف، دور هند زوجة أبي سفيان بن حرب. بينما لعب الممثل العالمي الراحل أنتوني كوين دور حمزة، في النسخة الأنكليزية، فيما أدت الممثلة العالمية أيرين باباس دور هند.


شهيد الكاميرا

أما فيلمه العالمي الثاني 1981 فقد كان فيلم "أسد الصحراء.. عمر المختار" بالأنكليزية، وتناول فيه بطولة الشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي تحت قيادة القائد والشيخ الجليل عمر المختار الذي ينتهي الفيلم بإعدامه. وقد أراد العقاد من خلال فيلمه هذا، أن يعكس صورة الرجل المسلم الصادق، الذي يحارب من أجل تحرير وطنه بروح من التضحية عالية لا يكسرها مرور السنين ولا يشينها ظلم الظالمين.

يرى النقاد عربٌ وغربيون، أن العقاد "شدد على إعادة الترابط مع الخيط الحضاري، فأظهر فيلم عمر المختار بالصورة التي كانت عليه، عسى أن يحقق هاجسه الأيديولوجي في راهنية استمرار التردّي على واقع المدائن العربية والأوسطية".

العقاد على حصان وسط كوكبة من الفنانين اثناء تصوير فيلمه "الرسالة"

وفي الفيلمين "الرسالة" و"عمر المختار" قدّم العقاد صورة مشرقة وصل بها إلى العالمية بجدارة سبق بها غيره، وحفر بها اسمه في عالم الإخراج والإبداع .

والحقيقة أن الفيلمين كانا بمثابة معركة حضارية مليئة بأحاسيس الاعتداد بالنفس وأصالتها، فقد جمع الرجل فيهما بين الأمانة والموضوعية والجمالية المشهديّة في رقة وحميميّة، إضافة إلى العمق التاريخي.

وقد أجمع معشر السينمائيين والجمهور العربي والغربي على حدّ سواء، على أن الفيلمين لوحتان سينمائيتان تحملان رؤى عميقة ونافذة، ومعالجة راقية قدم خلالهما "شهيد الكاميرا" صورة مشرقة للحضارة الإسلامية ونضالات الشعوب، وحفر بهما اسمه في عالم الإخراج والإبداع بشكل أقرب إلى الاستثنائية، أوصلته إلى العالمية بجدارة. والحالة اليوم غدت أكثر إيلاما وفظاعة؛ فحادث مقتله شكل مفارقة مؤلمة وصادمة، فكان بمثابة الفاجعة على الجماهير العربية التي أحبته بما تمتع به من رؤية سينمائية مستمدة من دينه وتراثه.

تمّ اغتياله وابنته في بهو فندق "غراند حياة" في العاصمة الأردنية عمان في الحادي عشر من نوفمبر 2005.

ولم يخف العقاد يوما أن ما حققه من نجاحات على الصعيد العالمي جاء بعد رحلة مضنية، شاقة، يقول: "كان طريقي شاقا بمعنى الكلمة فلو لم أكن عربيا لكان الأمر أسهل بكثير فكون اسمي مصطفى هذا وحده يشكل صعوبة كبيرة كان بإمكاني أن أغيره لأمارس عملي بسهولة لكن كيف أغير اسمي الذي أورثني إياه أبي؟، فلقد كنت ولا أزال متشبثا به، وتابعت عملي بإصرار وفرضت على الجميع في "هوليوود" وخارجها احترام اسمي فلقد كنت أحترم نفسي لذلك فرضت على الآخرين احترامي؛ إنني أشمئز من بعض العرب الذين يأتون إلى أميركا ويغيرون أسماءهم العربية ويتنكرون للغتهم الأم فقط لتسهيل أعمالهم’’.

عمل العقاد في نتاجاته السينمائية المتتالية على تطوير "التكنيك الأدائي" له باستخدام المخزون المعرفي والفطري والتربوي للتاريخ فيأخذنا إلى صحراء ليبيا إلى أسد عجوز يزأر بقيم رساليّة تمتد جذورها إلى الرسالة الأم، متناوبات ثنائيات الهجوم/ الدفاع، أي الكر والفر، والاحتلال /المقاومة، والاستلاب/ الرفض، وخلق البقاء من العدم؛ وقد حاول العقاد أن ينخل ما تبقى من طحين الحضارة العربية والإسلامية.


الإرهاب الأسود

كثيرا ما تحدث العقاد عن مشروع فيلمه عن الناصر صلاح الدين الأيوبي، إلا أن القدر لم يمهله لإنجازه، وإبان أحداث الانتفاضة الثانية، إثر تدنيس الإرهابي الصهيوني آرئيل شارون لباحات المسجد الأقصى المبارك، يقول: ’’الآن هو التوقيت المناسب لفيلم "صلاح الدين"، فسيرة هذا القائد هي الإسقاط المعاصر للأحداث التي تجري اليوم على الساحة، وفي زمنه كانت فلسطين كما هي عليه الآن. لكن هو جاء و"نظف" ووحد وغذى أخلاقيا.. إنني أريد إخراج "صلاح الدين" لتثبيت عروبة القدس؛ لكنني لا أزال أبحث عن تمويل لهذا المشروع الضخم، لأن تكلفته باهظة وأنا مصمم وفي التصميم تكمن العزيمة’’.

ورغم أن عزيمة الرجل المغدور به لم تفتر يوما، إلا أنه لم يتمكن من إنجاز مشروعه هذا لأن أيّ أحد من الحكام ورؤوس الأموال العرب لم يلتفت إليه رغم صراخه اليومي في برية العرب!

كذلك تحدث العقاد في أكثر من مناسبة عن مشاريعه السينمائية التي يسعى لإنجازها، من تلك المشاريع، فيلمٌ عن "صبيحة الأندلسية"، المرأة التي حكمت الأندلس. وهناك أيضا فيلم آخر يروي قصة ملك من ملوك أنكلترا "جون الثالث" الذي أرسل في عام 1213 وفدا إلى الخليفة في الأندلس يطلب منه ثلاثة أشياء:

"أولها: أن تكون أنكلترا تحت حماية الخليفة، وثانيها: أن تصبح أنكلترا بلدا مسلما، وثالثها: أن تدفع أنكلترا جزية إلى الخليفة". والطريف في القصة أن الوفد عندما وصل إلى قرطبة كان منبهرا بالحضارة هناك آنذاك.. والمفارقة الأطرف أن الوفد طرد من قبل الخليفة، باعتقاد أن أيّ ملك يحكم شعبه ويسلمه إلى قوى أخرى ليس أهلا لحمايته!"

ورغم الصعوبات والعراقيل التي واجهته فقد تمكن من تجاوز الكثير منها، فكان أن شارك كمنتجٍ منفذٍ في سلسلة أفلام "هالاوين" أو "أعياد القديسين"، وقد وصل عدد الأفلام المنتجة من هذه السلسلة -خلال ربع قرن- إلى ثمانية أفلام، وكان هو المنتج المنفذ الوحيد الذي شارك في تحقيق هذه الأفلام، التي بدأ إنتاجها عام 1978 واستمر حتى عام 2002.

15