مصطفى بادكوبيه الفارسيُّ الذي يكره العرب

السبت 2015/05/02
شاعر يوقظ الأحقاد مطالبا بتغيير قبلة المسلمين عن مكة

لطالما شكَّل الشعر في عصورِهِ المختَلِفَة صورةً حقيقيَّةً للمجتمعات التي تُبدِعُه، وإن كان العربُ في جاهليَّتِهِم الأولى قد وضعوا اللَبِنَات الأساسيَّة للشعر العالمي كما تقول الكثير من المصادِر فإنَّ الثابتَ أنَّ الشعر العربي في أبجديَّتِهِ التي طرَقَت أبواباً عديدةً في الحياة ومناكبِهَا كان صورةً واضحةً عن الحياةِ التي أفرزَت موضوعاتِهِ التي تعدَّدَت في الفخرِ والمدحِ والذمِّ والهجاءِ والغزَل والرثاء والبكائيَّات، ليتطوَّر بعد ذلك ويدخل في أساليب نظميَّة جديدة واكَبَت الحياة وتطوُّرها وليأخُذَ أشكالاً جديدة، وبالرغم من كل هذا التنوُّع إلَّا أنَّهُ، أي الشعر، ظلَّ رديفاً أساسياً يغرِفُ من الحياةِ كلَّ موضوعاتِهِ فكان الشاعر الجاهلي أو الإسلامي و في العصور اللاحقة قبل أن يتمرَّدَ الشعراء على طريقةِ الأوَّلين يبدأ موضوعاتَهُ بالنسيبِ والغزل والبكاء على الأطلال.

من جلجامش إلى بادكوبيه

نستطيع الجزمَ أنَّ الشعر كان مواكباً في كلِّ عصوره القديمة للأحداث و التحوُّلات التاريخية الواقعة والتي كان لها صدى يتردَّدُ في أصقاع الأبجدية التي يصلُ إليها الشعر، وإن كان الشعرُ الجاهليُّ هو أقدمُ ما يُمكِن وصفُهُ في العلاقة الأدبية بين العرب والمُنتَج الإبداعي فإنَّ الأمم الأخرى من غير العرب كان لها أيضاً ملاحمُها الأدبية سواء كانت شعريَّةً أم مسرحيَّةً أم سرديَّةً وربَّما تُضاهي الشعر العربيَّ في كثيرٍ من المواقع فكانت الماهابهاراتا والرامايانا الهندية والأوديسة والإلياذة وملحمةُ جلجامش العظيمة والشاهنامة الفارسية والتي يعتبُرُها كثيرون قرآن الفرس كما يتم وصفُها في كثير من الأبحاث، فالشاهنامة التي كتّبَها أبو القاسم الفردوسي تُعدُّ الملحمة الشعرية للفُرس لتعدُّد موضوعاتها وشموليَّتِها الكبيرة على معظم المراحل التي مرَّت بها حضارتهُم.

راجَت في الشهور الأخيرة قصيدة للشاعر الإيراني مصطفى بادكوبيه يتناول فيها العرب بمُجمَلِهِم، بأقذر وأبشع الصفات بعد أن سمِعَ برنامجاً تلفزيونياً يتحدَّثُ فيهِ الضيفُ عن أنَّ العربية لغة أهل الجنَّة استناداً إلى حديثٍ منسوب للنبي الكريم محمد (ص) يحثُّ فيه العالم على تعلُّم العربية لثلاث نقاط أولُّها لأنَّ القرآن الكريم عربي ولأنَّ النبي الكريم عربي ولأنَّ لغة أهل الجنَّة العربية، فما كان من مصطفى بادكوبيه إلا أن انقضَّ على العرب في التاسع والعشرين من آذار من عام 2011 في محفلٍ أدبي بقصيدةٍ شعريَّةٍ لاقت حضوراً واسعاً بين جمهورِه، حيثُ تناول العرب بأبشع ما يُمكنه الوصف حتى أنَّهُ ذهبَ إلى أكثر من ذلك حيث طلبَ من الإله العربي الذي يعبُدُه العرب أن يحشرَهُ في أسفل دركٍ من النار إذا كانت لغةُ أهل الجنَّةِ هي العربية.

هذا التطرُّف الواضح غير المبرَّر وجدَ له حضوراً في جمهور بادكوبيه الذي يعتبرُهُ كثيرون شاعر إيران الحديث حيث صفَّقوا له بحرارةٍ متناسينَ أنَّ هجومَهُ على العرب يشمُل أيضاً مُقدَّساتِهِم التي يؤمنون بها دينياً من حيث العقيدة.

العرب الذين تستهدفهم سياسة إيران الثقافية وترمي إلى هدم وجودهم هم أولئك المقيمون في الامتداد الجغرافي للدول العربية أو أولئك القابعون تحت سلطة الاحتلال الإيراني في الأهواز

وكان بادكوبيه الذي درس في حوزة قم وكان يعمل في صحيفة خراسان الإيرانية، قد طالب الشعب الإيراني بأن “يترك الحج”، في إشارة غير مباشرة إلى عدم طهارة الكعبة حيث أمطر بادكوبيه العرب بوابل من الشتائم والعبارات المسيئة في إحدى قصائده، وقال “إترك هذا الجهل والكسل، ولا تدعم الشيخ السعودي، إن الله ليس في كعبة العرب".

شاعر إيران الأول

وُلِدَ مصطفى بادكوبيه في العام 1328 حسب التقويم الفارسي في مدينة آراك التي تقعُ إلى الغرب من وسط إيران وتتكوَّن من خليطٍ بين الفُرسِ والأرمن، وتلقَّى تعليمَهُ فيها حيث يوصَف كصحفيٍّ وبأنه “شاعر إيران الأول”، وقد ألقى قصيدتَهُ التي هاجمَ فيها العرب في مؤسَّسةٍ ثقافيَّةٍ حكوميَّةٍ في همدان غربيّ البلاد حيث خاطب الله ربَّ العالمين قائلاً “خذني إلى أسفل السافلين أيُّها الإله العربي، شريطةَ أن لا أجدَ عربيَّاً هناك”، ليكمِلَ وصلتَهُ الشعريَّةَ وسط تصفيق حضورٍ كبير قائلاً “أنا لست بحاجةٍ لجنَّةِ الفردوس لأنِّي وليدُ الحب، فجنَّةُ حورِ العين والغلمان هديَّةُ العرب، ألم تقُل أنت إنَّ الأعراب أشدُّ كفراً ونفاقاً، فلماذا يُثني السفهاء على العرب”.

القصيدةُ قالهَا على منبرٍ حكوميٍّ إيراني بدأ بها بتمجيد الدولة الفارسيَّة قبل الإسلام ناقماً على السلالة الساسانيَّة التي دخلَت في الإسلام فكانت سبباً في قبول الفرس للإسلام ليتبعَ ذلكَ كلَّهُ بالثناء على ركائز الحضارة الفارسية الأدبية والعلمية ذاهباً بذلك إلى حدِّ اعتبار كلامه أهم ممَّا أسماهُ القصص العربية في إشارةٍ خبيثةٍ لقصص القرآن الكريم الذي يدينُ بهِ الإيرانيّون كما العرب المسلمون.

لا بدَّ قبل استكمال هذا الحديث من الاتفاق على أنَّ العروبةَ سابقةٌ على الإسلامِ بزمنٍ طويل وأن العرب، لا يجوز حصرهم بالإسلام وتاريخه ومعتنقيه، بينما مزجَ الشاعر الإيراني ومعهُ من صفَّقَ لهُ بين المفهومَين بطريقةٍ تنمُّ عن عدم معرفةٍ بالسياقات التاريخيَّة للعالم المحيط بهم، وربَّما ينبع ذلك من معضلة الاغتيال الكبير الذي نفّذهُ أبو لؤلؤة في الخليفة المسلم العادل عمر بن الخطَّاب بالمدينة المنوَّرة، فكانت تلك اللحظة فارقةً عند الفرس عموماً رغم دخولِهِم في الإسلام، بعد أن دخل جيشُ الفتح القصور البيضاء في المدائن وغيرها وأنهى حكمَ امبراطوريَّة كسرى.

نحن أمام صوتٍ فارسيٍّ إيرانيٍّ له حضور واضح، وهذا الصوتُ ليس جديداً في إيران، بل هناك تيَّارٌ فارسيٌّ متواصل يتهكَّم على العرب منذ زمن طويل، ربَّما بدا واضحاً بعد إرهاصاتٍ عدَّة في عصر الشاهِ الإيراني، حيثُ سادَ شعورٌ عارمٌ بين أوساط النخبةِ في الاندفاع نحو التهكُّم على العرب ظاهريا والإسلام على وجه الخصوص. وهذا ليس مُستَغرَباً من دولةٍ كانت تلعبُ دور الشرطيِّ في منطقةِ الخليج.

مصطفى بادكوبيه يتحدر من مدينة آراك التي تقع إلى الغرب من وسط إيران وتتكون من خليط بين الفرس والأرمن، حيث تلقى تعليمه فيها حتى بات يوصف بأنه "شاعر إيران الأول"

ولكنَّ الأكثر استفزازاً أن يتمَّ ذلك اليوم تحت أنظار الدولة الإيرانية التي تدّعي حمل اسمَ الاسلام في مُسمَّاها العام، وتدعمُ تيَّارات وميليشيات تُقاتِلُ باسمِ الإسلام في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وتحكُمُها حوزاتٌ دينيَّةٌ يتمتَّعُ فيها المرشدُ العام لما يُعرَفُ بالثورة الإيرانية حيث يتمتَّعُ بسلطاتٍ أكبر من سلطاتِ الرئيس المنتخَب.

السؤال الأهم هنا، هل عندما هاجم مصطفى بادكوبيه العربَ عموماً كان ساهياً مع المُصفِّقين لهُ عن أنَّ النبي الكريم محمد بن عبدالله من قُريش العربية؟ فهو عربيٌّ نقيٌ في العرق والشكل والمنبت والجذر فكيفَ يدينُ بدينه ملايين الفُرس ويهاجمون أصله وعرقَهُ، وهنا لا بدَّ من الانتباهِ إلى تركيبةِ المجتمع الإيرانيِّ المتعدِّد المنابت بين فرس وآذريين وأتراك وعرب وأكراد وبُلوش وجماعات أخرى، هذه التركيبةُ التي يحتلُّ فيها الفرس ما يقارب أقل من ثلث عدد السكان تقريباً، أو أقل من ذلك بقليل أو أكثر فلا إحصائيَّات واضحة تحدِّد هذه

التركيبة التي يحكُمُها المذهب الشيعي الذي يدين بهِ الفرس، فهل نسيَ أيضاً مصطفى بادكوبيه أنَّهُ يهاجِم مواطنيه العرب الذين يقيمون في الأهواز والتي تشهدُ اليوم انتفاضةً ضدَّ نظام التمييز العنصريِّ الذي يحكمُ في طهران.

عرب وفرس

الصلات التاريخية بين الفُرس والعرب ترجعُ إلى العصور التي عاشت فيها الأساطير، حيثُ تذكُر الأسطورة الفارسيَّةُ علاقات المصاهرة والتزاوج والنسب بين العرب والفرس عموماً، لكنَّها ما تلبثُ أن تنقلِبَ إلى علاقات نزاع ورغبة بالسيطرة، وهذا واضح بشكل كبير في الشاهنامة التي يبصُق فيها الفردوسي على الزمان الذي سمحَ للعربي آكلِ الجراد وشارب أبوال الإبل كما يصفُهُ بالقدوم إلى فارس، فما نطَقَ بهِ مصطفى بادكوبيه في همَدان الإيرانية هو استمرار لخطٍّ طويل ومسار عميق من الكراهية العرقية يُعاني منها الفارسي تجاه العربي، بما ينسجم بشكل كبير مع السياسة الإيرانية تجاه الدول العربية، ولن يأخذ منكَ عزيزي القارئ زمناً طويلاً في البحث ضمن وكالات الأنباء الإيرانية لترى كيف يتحدَّثون عن العرب.

إنَّ المتتبِّع للسياسة الثقافية الإيرانية تجاه العرب عموماً، المقيميين في الامتداد الجغرافي للدول العربية أو أولئكِ القابعين تحت سلطة الاحتلال الايراني في الأهواز، الذي سكنتهُ القبائل العربية وحكَمَهُ الشيخ خزعل قبل الاحتلال الفارسي له، أو أولئكَ الساكنون في طنب الكبرى والصغرى وجزيرة أبو موسى الإماراتية التي تقع أمام سواحل إمارة الشارقة، يجد أنَّها انتهجت آليةً واضحةً في محاولةِ تهديم جذور الوجود العربي أو لنقل عمل فارسي ممنهج لتناول الثقافة العربية، فمعاداة العرب والثقافة العربية عموماً هي اليوم سمة واضحة من معالم الدولة الإيرانية الحديثة لاعتبارها أنَّ العربي نقيض للفارسي.

الشاعر الإيراني يطلب من الله في إحدى أشهر قصائده أن يضعه في جهنم كي لا يسمع كلمة واحدة بالعربية، ما دامت اللغة العربية ستكون لغة أهل الجنة كما ورد في الحديث الشريف

بعد كل هذا نسأل: هل كان مصطفى بادكوبيه حالةً شاذَّةً من المجتمع الفارسي في هجومِهِ على العرب، وهل كان حادثاً عارضاً لا جذور له؟ لتواجهنا مباشرةً السرديَّاتُ التاريخيَّةُ للحقد الفارسي على العرب، إنَّهُ حقدٌ متأصِّلٌ في السيكولوجيَّة الفارسية يقوم على عقدة مجتمعيَّة راسخة تاريخية قديمة نرى نتائجَها اليوم سواء أدبياً في أمثال بادكوبيه أو عسكريَّاً في التمدُّد عبر الميليشيَّات الطائفية في العراق أو عبر الحرس الجمهوري في سوريا أو سياسيَّاً من خلال الدعم الإيراني لكل ما من إمكانِهِ تهديد الاستقرار في المجتمع العربي أينما كان.

دين فارس

ما يميز الإرث الفارسي أنَّ المنافحين عنهُ والشاتمين للعرب بذات الوقت يُغدِقون على أنفسِهِم كل القيَم العالية ويجمعون معها كما يصفون أنفسَهُم دين العرب، في إشارةٍ خفيَّةٍ إلى أنَّ الدين الاسلامي ليس دين فارس بل هو دين أتى مع العرب الذين أنهوا حكم الامبراطورية التي كانت تعبُد النار، وهذا ما يُمكِن مُلاحظَته عند بادكوبيه ومهيار الديلمي أيضاً ولكن النعرة عند مصطفى بادكوبيه قد تكون الأعنف في العصر الحديث.

هذا التخريب لم يتوقَّف سواء لتقويض العروبة أو القضاء على الإسلام الذي أنهى الامبراطورية السالفة، وهنا لا بدَّ أن نتوقَّف عند القرامطة وبابك الخُرَّمي وأبو مسلم الخراساني وجميع الحركات الشعبوية التي لم تتوقَّف الماكينةُ الإيرانية عن توليدها لضرب النواة العربية والإسلامية على حدٍّ سواء. ومشهد العراق عقب الاحتلال الأميركي في العام 2003 وتسليمِهِ على طبقٍ من ذهب لطهران، ليس بعيداً، لينضم إليه المشهد السوري واليمني والبحريني، وكل ما يشي ويكشف بوضوح الدور الإيراني في المنطقة العربية عموماً.

13