مصطفى بن تمسك: إذا انتهت الرأسمالية سينتهي المشروع الحداثي

كتاب “الحداثة الأوروبية مسارات التفكك ونهاية الريادة” يبحث في مسارات الحداثة الأوروبية ومختلف تحولاتها.
الاثنين 2020/06/22
الرأسمالية سيطرت على الحداثة

يبدو أن أكثر موضوع نال ما ناله من البحث والتفكير والتفكيك والمقاربة هو “الحداثة”، نظرا إلى أنه عنوان القرن العشرين وما يليه، والصانع الحقيقي للواقع الذي نعيشه اليوم، لكن الحداثة ليس لها وجه واحد، وإن كان هذا مصدر قوتها وتجددها وولادة مفاهيم أخرى من رحمها مثل ما بعد الحداثة، فإنه مثل أقنعة يتخفى خلفها رأس المال ويطوعها بشكل مذهل ما جعلهما مقترنين.

للحداثة وجوه متعدّدة ودلالات مترامية المدى. ولهذا هي تحتاج دوما إلى تأويلات متجددة تعيد إليها بهاءها وألقها، أو تعرّي مساوئها وفظاعاتها، وهذا الكتاب “الحداثة الأوروبية مسارات التفكك ونهاية الريادة” للباحث التونسي مصطفى بن تمسك تقصّد رصد مراحل تفكّك الحداثة الأوروبية تحديدا ومن داخل سياقاتها الذاتية.

ويتوقف بن تمسك عند المفارقة أنه بقدر ما تترسّخ أقدام الحداثة والتحديث في العالم الغربي برأسيه: الأوروبي والأنجلوسكسوني، تتسع بالتوازي رقعة الحروب وتتعمّق التفاوتات والفجوات التقنية والاقتصادية والرقمية بين “شعوب–المركز” و”شعوب–الأطراف”. ويكاد كلّ هذا التقدم الدوّار أن يؤول إلى عنوان واحد: السباق نحو التسلّح النووي والسيطرة على الفضاء.

انحراف المسار

ينبش كتاب “الحداثة الأوروبية مسارات التفكك ونهاية الريادة”، الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود في مسارات الحداثة الأوروبية، وتقليب أطوارها ومختلف تحولاتها، إذ يبحث بن تمسك عن الخيط الناظم الذي يصل بنا إلى الحاضر. مستهدفا “تشخيص وضعيّة الحداثة في الطور العولمي الراهن، والإجابة عن السؤال الآتي: هل ما زال من المشروع للغربيين أن يتكلّموا عن الحداثة بعد موجات التشكيك والتظنّن في أسسها؟ وهل ما زلنا -نحن العرب- نحلم باستزراع النموذج الحداثي المتهاوي هذا في تربتنا، بعد كلّ التجارب التعسفية الفاشلة؟ ثمّ هل من المشروع أن نتعامل مع الحداثة تعاملا انفصاميا، فنتقبّلها فكرا تنويريا وتحرريا بالمعنى الفلسفي، ونتبرّم منها نزعة مركزية – إمبراطورية – توسعية؟”.

الحداثة أضحت في قبضة سادة المال والأعمال حتى أنهم وضعوا أيديهم الطولى على مراكز العلم والعلماء
الحداثة أضحت في قبضة سادة المال والأعمال حتى أنهم وضعوا أيديهم الطولى على مراكز العلم والعلماء

يؤكد بن تمسك أنّ الحداثة في نسختها الغربية، لم تحقق ما وعدت به إنسانيتها الغربية أولا والكونية ثانيا من وعود في نيل السعادة الدنيوية، فبقدر ما تراكمت الأشياء والمصنوعات، تضاءل عالم الإنسان، حتى أنّ إنسان الحداثة المتأخرة، بعد أن اختبر خواء المعنى وفراغ المبنى في ما يتّصل بمنجزات الحداثة والتحديث، وبعد أن استبطن مدى اغترابه عن ذاته، وهو يلهو بآخر المصنوعات التكنولوجية، عاد يبحث عن المعنى في التعبيرات الروحانية والطقوسية والسحرية التي كان قد تخلّى عنها لقاء وعود الحداثة بالسعادة الدنيوية؛ إنّها حالة القنوط التي أصابت وعي الإنسان الحداثي بالانفصام، وكأنّ الحداثة لم تكن مشروعه؛ بل عدوّه. فكلّ منجزاتها كانت تنطلق من مركز الذات والذاتية لتعود إليهما. وهل كانت الحداثة ممكنة، دون اكتشاف الذاتية، وتنصيبها مركزا بديلا للوجود والميتافيزيقا والألوهية؟

ويضيف أن الذاتية حملت مشروع الحداثة على كاهلها بوصفها مركز العالم والحياة والموت، وتخلّت عن إحداثيات الأمان الأنطولوجية والماورائية، لقاء الظفر بذاتها، لكنّها سرعان ما ستستفيق من أوهام التمركز حول الذات، حين تكتشف أنّ مشروع الحداثة، الذي توهّم الفلاسفة المؤسسون أنّه مأثرة الذاتية بإطلاق، سينحرف عن مساره، ليتحالف مع السلطات الوضعية الجديدة، ويتخلّى نهائيا عن الذاتية.

ويقول بن تمسك إن ما حدث بهذه السرعة المباغتة من انزياح لمركزية الذات، وحلول مركزيات سلطوية ميكروفيزيائية “سلطة المؤسسات والقوانين والسوق والدولة-الأمة والهوية الوطنية… إلخ”، فجّر سيلا عارما من النقد والاحتجاجات الرافضة لهذا الانقلاب الداخلي الذي قادته البرجوازية الصناعية والمالية في منتصف القرن التاسع عشر. وبعد أن عبّد لها الفلاسفة المؤسسون الطريق للسيادة على العالم والطبيعة والمجتمع، من خلال تشكيل ملامح ذات مريدة ومفكرة ومقتدرة، يدور حولها العالم، تُدير البرجوازية الصاعدة لهم الظهر ولا تتوانى، في سبيل تنمية سلطانها وانتشارها، في اتخاذ الإنسان المفكّر ذاته وسيلة استعمالية لغاياتها الربحية.

ويلفت إلى أن الحداثة لقد أضحت في قبضة سادة المال والأعمال، حتى وضعوا أيديهم الطولى على مراكز العلم والعلماء؛ بل إنّ التقدم المذهل للعلم والتقنيات مدينٌ لأموال هؤلاء السادة، وتحويلهم المعرفة إلى استثمار ربحيّ غير محدود. وطالما أنّ الحداثة أضحت استثمارا محوره العلم والتقنية اللذان حرّرا الإنسان من عبادة القوى الطبيعية، فمناطها إذا سيكون المال بامتياز.

ولما كان المال مفرّقا غير جامع للأفراد والجماعات، فإنّ الأوفر حظا في تحصيله سيكون الأكثر قدرة على التحكّم في تكييف مسار الحداثة بحسب مخططاته النفعية. وهكذا، سيتولّد الصراع بين من سيوجهون الحداثة إلى وجهتهم، ومن سيتقبلون الأمر الواقع. والمحصّلة أن التطور المتسارع لعالم الأشياء أفرز منظورين للحداثة: الأول لا يرى في الحداثة سوى توسع في رقعة الأسواق، ولا يرى في القوانين والمؤسسات سوى ضامن وحام لهذا الانبساط. في حين يرى المنظور الثاني أنّ أصل الحداثة، مبتدأها ومنتهاها، هو مشروع الذات المفكرة والمريدة، بوصفها مركز العالم، ومن ثَمَّ، كل ما يُنجز يجب أن يكون مرجعه هذه الذات الظافرة.

ويتابع بن تمسك أنه جرّاء هذا التفكّك، أصيبت الحداثة بالانفصام بين الفاعلين الحقيقيين والأنظمة الأداتية المتحكمة في المجتمع. لذلك علينا ألّا ننخدع بشعارات وأحلام مُنظري العقد الاجتماعي، لأن واقع الحال الذي آل إليه المجتمع الغربي قد غرق في أتون تشكيلات لا حصر لها من الاغتراب والتغريب، انتهت كلّها إلى محاولتين عالميتين لإبادة العالم بأسره.

ولم يتوقف الأمر عند دمار كهذا؛ بل إنّ الحداثة في نسختها الأميركيّة والعولميّة تواصل التبشير بـ”حضارة الكارثة” ونهاية العالم، من خلال السعي المحموم إلى امتلاك الترسانة النووية، وتشكيل نادي الأقوياء، وتقسيم العالم وفق فائض قوة أعضاء النادي النووي، غير عابئة بالانفصام الذي بات صارخا ومخيفا بين لوائح حقوق الإنسان والشعوب التي ترعاها في أروقة المنظمات العالمية التي تؤويها على أراضيها، ومخططات وضع اليد على منابع الثروات النفطية والغازية أينما وُجِدت في بطن العالم.

الحداثة المحايدة

 نهاية الرأسمالية مقترنة عضويا بنهاية المشروع الحداثي
 نهاية الرأسمالية مقترنة عضويا بنهاية المشروع الحداثي

يخلص بن تمسك إلى أن آلة الدعاية الغربية نجحت، ولاسيّما الأيديولوجيات المدرسية والثقافية، في التسويق لنمطين من الحداثة: الأول يُعنى بالترويج لحداثة تحررية معادية للظلامية والاستبداد بمختلف أنواعه، ويتولّى هذه المهمة مثقفون واستراتيجيون يعملون في مراكز البحوث الرسمية ووحدات البحوث الجامعية. والثاني يُعنى بالترويج للتحديث الصناعي والتكنولوجي والمالي والمعلوماتي إلى مختلف أصقاع العالم.

وفي حين أنّ المشتغلين على النمط الأول يخترقون عقولنا وأرواحنا، يخترق خبراء النمط الثاني حواجزنا وسيادتنا واستقلاليتنا. وفي الوقت الذي تمكّنت فيه إنتاجات الحداثة الفكرية من ترسيخ المركزية الكونية للعقل الغربي، حقّق التراكم التحديثي مركزيّات وقطبيات اقتصادية عالمية تفوق قوّتُها قوةَ بعض الدول مجتمعة.

ويضيف أنه في العصر الموصوف بالعولمة، يعود قويا الصوت الواحد “حلف الناتو” والأيديولوجيا الأحادية المطلقة “أيديولوجيا السوق”، وتنتصر قيم النجاعة والسلعنة بشكل متوحش على قيم التضامن الإنساني. وهنا يحدونا تساؤل مقضّ: لماذا تستمر العقلية والثقافة والرأسمالية عموما، وتخترق كلّ الأنشطة الإنسانية بما في ذلك غير القابلة للسلعنة، على غرار الروحانيات وإنتاج الأفكار والآداب والثقافات، وتخضعها جميعا لنظام التأجير والرقابة؟ هل يمكن أن نجد تبريرا لهذا الميل الجارف نحو النفعانية في طبيعة الإنسان وغرائزه؟

ويقول بن تمسك إن قوة النظام الرأسمالي تكمن في قدرته الذاتية على تجاوز كلّ النكسات التي كانت تنذر بانهياره، وآخرها الأزمة المالية العالمية سنة 2008، في اقترانه العضوي بالحداثة والتحديث. وعليه، يعني القبول بانهياره بالضرورة انهيارَ المشروع الحداثي برمّته، وهو افتراض إمّا أن ينتهي بالإنسانية برمّتها، غربيّة كانت أو شرقية، إلى النكوص نحو الفوضى والمجهولية، وإما أن ينفتح على طور جديد من الوجود الكوكبي تقوده الإنسانية الثائرة والمتضامنة، وتعيد فيه ترتيب النظام الكوني بشكل يحقق العدل والإنصاف والمساواة المفقودة في الوضعية البائدة. وفي تقديرنا، سيكون السيناريو الأول هو الأقرب إلى الواقع والمنطق، باعتبار أنّ المخرج الثاني شبيه باليوتوبيا “السعيدة” التي لم تتهيّأ أسبابها بعد.

ويرى الباحث التونسي أن نهاية الرأسمالية ستكون مقترنة عضويا بنهاية المشروع الحداثي، لكنّ هذا القران قلّما يُشار إليه في التحليلات التي تبشّر بنهاية هذه التشكيلة الاقتصادية. وقد رصدنا، على امتداد هذا التحليل، ومن خلال موجات الحداثة وحقبها، مدى ارتباط كلّ حلقة منها بدرجة معيّنة من التطور الرأسمالي.

ويتساءل هل يمكن أن نأمل في حداثة محايدة، حداثة لا رأسمالية، ولا اشتراكية، ولا إسلامية، حداثة بمنأى عن التجاذبات والتوظيفات الأيديولوجية؛ ذلك أنّ تمثلاتنا للحداثة -نحن الذين عرفناها من خلال المتون المدرسية- هي جملة من المثل التنويرية والتحررية المناهضة لكلّ أنماط العبودية والاستبداد، المدافعة عن المساواة الكونية بين البشر بقطع النظر عن كلّ انتماءاتهم. وبهذا المعنى كنّا نظن أنها في عداء مع نظام الرق الرأسمالي ثمّ الاستعماري.

وينتهى بن تمسك إلى أن الحداثة لم تكن كما تمثّلتها أذهاننا، تلك التي مورست على أرض الواقع، فالأولى كانت معيارا منشودا، والثانية هي تلك التي رهنت مصيرها بمصير السياسات المتقلبة، فأضحت ظاهرة سياقية وجيو-سياسية معرّضة لكل الاحتمالات التي قد تصيب الأنظمة السياسية بالوهن، ثمّ الأفول. لهذا، نحن لا نستغرب أن تأفل الحداثة المتعولمة، بعد سلسلة النكسات والانهيارات التي تنذر بهذا المصير المحتوم، وهو ما يعني بالنسبة إلينا نهاية الهيمنة الغربية برأسيها القاري والأطلنطي، وليست “نهاية التاريخ والإنسان” بإطلاق كما يروّج البعض. وفي المقابل سنشهد ميلاد قوى صاعدة وحداثات بديلة قد تعيد الأمل إلى الإنسانية المعذبة وتنقذ عالمنا من الضياع المحدق.

15