مصطفى بن جعفر.. رئيس البرلمان التونسي رمز لليساري الانهزامي والانتهازي

الأحد 2013/11/24
مصطفى بن جعفر.. خيب آمال القوى الديمقراطية وهرول نحو الإسلاميين

تونس - ترى الطبقة السياسية وغالبية التونسيين في مصطفى بن جعفر، رئيس المجلس التأسيسي، والأمين العام لحزب التكتل من أجل العمل والحريات، رمزا لليساري العلماني الانهزامي والانتهازي الذي استضعفته حركة النهضة الإسلامية الحاكمة على الرغم من أنه تحالف معها وارتمي في حضنها منذ انتخابات أكتوبر2011.

وتعتبر القوى السياسية العلمانية أن ابن جعفر، الذي كان واحدا من أبرز رموزها خلال نضالها مدة عقود ضد نظامي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، لم يتنكر لرفاقه فقط بل نسف ماضيه النضالي السياسي والحقوقي ليضع يده اليسارية تحت يد الإسلاميين الذين يسعون إلى تقويض الأسس المدنية للدولة والمجتمع من أجل أسلمته ومن ثمة بناء دولة الخلافة التي تطبق الشريعة الإسلامية.

ويبدو أن الرجل الذي تربطه علاقات وثيقة مع الأحزاب الاشتراكية الأوروبية وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي الفرنسي خسر الكثير من مصداقيته منذ أن اختار الاصطفاف إلى جانب رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وتنكر لرفاق دربه من اليساريين والعلمانيين حتى أنه بات اليوم محل تندر لضعف شخصيته التي هرسلتها الحركة الإسلامية الحاكمة وجعلت من حزبه مجرد ديكور كرتوني.


تحالف مع النهضة


ما يثير الاهتمام هو أن ابن جعفر (73 عاما) يملك رصيدا نضاليا يجعله في موقع أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، فقد بدأ نشاطه السياسي منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي ضمن الحزب الحر الدستوري الجديد الذي كان يتزعمه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، غير أن رفضه للحكم الفردي وتشبعه بالقيم الديمقراطية دفعه إلى الخروج عنه ليؤسس رفقة أحمد المستيري ومجموعة أخرى حركة الديمقراطيين الاشتراكيين عام 1978.

وكان ابن جعفر أحد أبرز قادة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان خلال عشريتي السبعينات والثمانينات وهي الجمعية التي كانت فضاء نضاليا بامتياز ومدرسة تخرج منها كبار المعارضين للحكم إذ شغل منصب نائب رئيس لها خلال الفترة 1986 – 1994.

وفي شهر نيسان عام 1994 أسس ابن جعفر حزب التكتل من أجل العمل الحريات معلنا معارضته للرئيس بن علي في خطوة اعتبرتها الأوساط السياسية اليسارية والعلمانية رافدا لنضالها.

لكن الرجل الذي أغرته السلطة، مثلما أغرت الرئيس منصف المرزوقي، خيب آمال القوى العلمانية والديمقراطية وهرول نحو حركة النهضة ليتحالف معها في انتخابات أكتوبر- تشرين الثاني 2011 لتتكرم عليه بفتات كعكة السلطة وترشحه لرئاسة المجلس التأسيسي.

غير أن رئاسته للمجلس الذي عهدت إليه مهمة إعداد دستور جديد للبلاد لم تكن سوى رئاسة صورية وشكلية إذ بات ابن جعفر عاجزا لا فقط على تمرير البعض من علمانيته بل على تسيير أشغال الجلسات في ظل هيمنة كتلة النهضة التي تحظى بالأغلبية ما جعله يبدو للتونسيين "دمية" تحركها أصابع راشد الغنوشي وفي مقدمة تلك الأصابع نائبة رئيس التأسيسي محرزية العبيدي ذات الشخصية القوية.

يقول المقربون من ابن جعفر إنه يهمس إليهم بأنه صبر كثيرا على اضطهاد النهضة له وأنه يعاني الأمرّين من استضعافها لشخصه ومن تجريده لصلاحياته نتيجة هيمنة نائبته القيادية في الحركة الإسلامية وتعسف كتلتها ونزعتها إلى السيطرة على أشغال المجلس وأنه عاجز عن اتخاذ قرارات تستجيب لمطالب المعارضة التي تنادي برحيل الحكومة والمجلس إن هو لم يف بتعهداته بخصوص التعجيل بكتابة الدستور ومن ثمة إنهاء المرحلة الانتقالية التي تسعى النهضة إلى تمديدها.

الرجل الذي أغرته السلطة، مثلما أغرت الرئيس منصف المرزوقي، خيب آمال القوى العلمانية والديمقراطية وهرول نحو الإسلاميين ليتحالف معهم


الرئيس "المستضعف"


وعلى الرغم من تزايد الغضب الشعبي جراء تفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لم يجرؤ "المستضعف" من قبل النهضة على اتخاذ موقف يرقى إلى مستوى تاريخه النضالي ويعيد إليه القليل من المصداقية، حيث تبدو شخصيته ضعيفة أمام شخصية راشد الغنوشي.

خلال تفجر الأزمة إثر اغتيال المناضل العلماني محمد البراهمي في تموز- يوليو الماضي حاول ابن جعفر ممارسة صلاحياته وأعلن تعليق أشغال المجلس، لكن قراره وُوجه بغضب حركة النهضة حتى أنها هددت بإقالته من منصبه وتعيين شخصية سياسية أخرى أكثر ولاء لها.

ولم تكتف الحركة الإسلامية بـ"التهديد" بل مارست ضغوطات كبيرة على حليفها من أجل استئناف المجلس لأشغاله ثم أوعزت إلى كتلتها بمعاقبته من خلال تجريده من صلاحياته في سيناريو يشبه كثيرا صلاحيات الرئيس منصف المرزوقي.

فقد أقر نواب حركة النهضة بالتأسيسي خلال الفترة القليلة الماضية بأغلبية الحاضرين، وعددهم 91 نائبا، بعد تغيب نواب المعارضة تعديل عدد من فصول النظام الداخلي للمجلس تمكن أعضاء مكتب رئاسة المجلس ونواب الأغلبية من الدعوة إلى جلسة عامة والمصادقة على القوانين حتى في حالة عدم موافقة رئيس المجلس مصطفى بن جعفر.

واعتبرت المعارضة تلك التعديلات "انقلابا" داخل المجلس وعلى آليات عمله من قبل النهضة وعلى عمل المجلس وعلى صلاحيات رئيسه نفسه، وشددت على أن الحركة الإسلامية تريد أن تعاقب بن جعفر على محاولاته ممارسة صلاحياته دون الرجوع إليها لأخذ الإذن منها.


ممارسة العنف


تحت ضغط المكتب السياسي لحزبه وتلويحه بالتصعيد اضطر ابن جعفر لإعلان "تعليق نشاط التكتل داخل المجلس" غير أن رفاقه من المعارضة العلمانية لم يروا في هكذا خطوة إلا لـ"حفظ ماء الوجه" ومحاولة يائسة لترميم الصورة المهزوزة بل المهشمة لمناضل يساري يئن تحت أقدام المشروع الإسلامي للنهضة التي سلبته إرادته.

وبلغ استضعاف الحركة الإسلامية الحاكمة لرئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر حد ممارسة العنف عليه إذ تم اقتحام مكتبه من قبل عدد من نواب النهضة في أكثر من مرة بحضوره وفي غيابه وهو ما يعد اعتداء صارخا على هيبة المؤسسة التشريعية.

وعلى الرغم من ذلك لم يصدر عن ابن جعفر لا بصفته رئيسا للتأسيسي ولا بصفته أمينا عاما لحزب التكتل موقف "يدين" ما يتعرض إليه من استضعاف بل على العكس من ذلك سعى في تصريحاته الشحيحة إلى استرضاء النهضة خوفا من أن تغضب عليه وتعزله من منصبه.

وخلال الأزمة الخانقة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من شهرين حرص ابن جعفر على أن يكون منتصرا إلى مواقف حركة النهضة على حساب مواقف المعارضة حتى أنه اعتبر حركات الاحتجاج لإسقاط الحكومة "لا مبرر لها" وأنها "ستعمق أزمة الثقة وتعكر الأجواء".

وخلافا لكل الأحزاب المعارضة، يعتقد ابن جعفر أن النهضة ستفي بوعودها وأن حكومة علي لعريض ستساهم في إنجاح الحوار الوطني.

ويقول السياسيون إن انهزامية ابن جعفر وانتهازيته ساهمت في "تلميع" صورة حركة النهضة وقدمتها كحركة "معتدلة" قابلة للتحالف مع العلمانيين والتعايش معهم على الرغم من أنها في الواقع حركة سلفية شأنها شأن حركات الإسلام السياسي لا تؤمن بالديمقراطية وتعادي القوى اليسارية والعلمانية.

الرجل الذي تربطه علاقات وثيقة مع الأحزاب الاشتراكية الأوروبية وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي الفرنسي خسر الكثير من مصداقيته منذ أن اختار الاصطفاف إلى جانب رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي

ويشدد السياسيون على أن "مستضعف النهضة" خذلهم وخذل المشروع الحداثي لتونس الذي ناضل من أجله مصلحون منذ منتصف القرن التاسع عشر من القرن الماضي بعد أن أعطى صورة، ولو نسبية، على أن اليساريين والعلمانيين التونسيين هم "نخبة من الانتهازيين" مستعدين للتنازل عن القيم التي يؤمنون بها وناضلوا من أجلها إذا ما أتيحت لهم الفرصة للوصول إلى السلطة. ولا يبدو رأي السياسيين مجانبا للواقع، فقد استفادت النهضة كثيرا من تحالفها مع الحزبين العلمانيين الضعيفين، "المؤتمر من أجل الجمهورية" الذي يتزعمه رئيس الجمهورية منصف المرزوقي، وحزب "التكتل من أجل العمل والحريات" الذي يتزعمه مصطفى بن جعفر، إذ روجت لنفسها على أنها حركة ليبرالية تختلف عن الحركات الإسلامية في البلدان العربية من خلال قبولها بـ"حق الاختلاف" وإبرام "ائتلاف" حاكم.

وفي لقاءاته مع المسؤولين الأوروبيين أو الأميركيين أو زيارته لبلدانهم يستثمر راشد الغنوشي تحالف حركته مع الحزبين العلمانيين ليروج صورة إيجابية ليبرالية للحركة الإسلامية الحاكمة على أن "اقتناعها" بالتعايش بين الإسلاميين والعلمانيين يؤهلها لقيادة مشروع ديمقراطي في تونس مهد الربيع العربي.

غير أن القوى الديمقراطية والعلمانية ترى في هكذا ترويج محاولة يائسة باعتبار أن تحالف النهضة مع "المؤتمر" و"التكتل" هو تحالف "هش" ينبني على معطيات انتهازية ما يجعله قابلا لـ"الانهيار" في أية لحظة نظرا للاختلافات الإيديولوجية العميقة. وتعتبر تلك القوى أن رئيس المجلس التأسيسي مصطفى ابن جعفر سيكون أولى ضحايا "الانهيار" الوشيك وفي هذه الحال ستقوده انهزاميته وانتهازيته إلى عزلة سياسية بعد أن يكون قد تخلت عنه النهضة وخسر مصداقيته لدى الأحزاب اليسارية والعلمانية.

9