مصطفى بيومي: المثقف العربي يقف في صف الأدب النخبوي

يتداول الكثيرون في الساحة الأدبية العربية اليوم مسألة غياب نقد عربي خاص، يهتم بالأدب العربي الذي يكتب اليوم، وما إن كانت مسألة تذبذب علاقة النقد بالأدب قضية إشكالية، خاصة من حيث التخصيص القومي الذي يذهب إليه البعض في النقد والأدب، بينما هما إنسانيان أولا. “العرب” التقت الناقد المصري مصطفى بيومي، فكان لنا حوار حول النقد العربي بين الماضي والحاضر.
الاثنين 2016/10/31
انتهى زمن الأدب النخبوي

في مسيرة حافلة تنقل الناقد والمترجم المصري مصطفى بيومي بين مصر والولايات المتحدة الأميركية، ليكون في ما بعد إحدى أهم التجارب النقدية المصرية التي تمتلك انفتاحا مهما على حاضرها وماضيها. ويعتبر كتابه “دوائر الاختلاف: قراءات التراث النقدي”، الذي صدر سنة 2015 في طبعته الثانية بالجزائر عن دار ميم للنشر أهم مؤلفاته النقدية.

الأصالة والمعاصرة

عن مشروعه النقدي “دوائر الاختلاف: قراءات التراث النقدي” ومحاولات تقديم نظرية في قراءة التراث النقدي العربي، يقول بيومي “ينطلق كتاب دوائر الاختلاف من فكرة تأسيسية وهي انشغال الخطاب العربي الحديث والمعاصر بإشكالية قراءة التراث، وكان الدافع التي يكمن وراء هذا الانشغال هو وعي الذات العربية بمشكلات التحول الحادة أو الصدمات الجذرية، التي تضع الذات على عتبات مرحلة جديدة”.

غياب الجدل الفاعل مع التراث والآخر أو بالأحرى فقدان الذات العربية لفاعليتها، هو ما يجعلها تلجأ إما إلى التراث وإما إلى التبعية

ويستطرد ضيفنا “إن إعادة النظر في الماضي/ التراث أو محاولة قراءته وتأويله لم توجد إلا من أجل الحاجة الملحة إلى مجاوزة الحاضر المتخلف في جميع القطاعات وعلى جميع المستويات أملا في المستقبل. والحاجة إلى إعادة النظر في التراث أملتها حاجات وضرورات اجتماعية وسياسية وفكرية. ولم يكن الخطاب النقدي بوصفه جزءا من الخطاب العام للذات العربية بعيدا عن تلك الإشكالية، وإنما كان مشغولا بها أيضا، فقدّم محاولات قراءة مختلفة ومتنوعة للتراث النقدي”.

يشير بيومي إلى أن مؤلَّف دوائر الاختلاف مثلما انطلق من فكرة تأسيسية، فإنه أيضا حاول أن يجيب على تساؤل أساسي وهو: كيف قرأ الناقد العربي الحديث والمعاصر تراثه النقدي؟ لقد اختلفت الكيفيات بطبيعة الحال، ولكن رصد هذا الاختلاف وتصنيفه ومحاولة تقييم هذه الكيفيات تدفعنا كلها من غير شك إلى أن نراجع ونفحص عمليات قراءتنا أو تأويلنا للنص النقدي القديم، حتى يصبح المنتج القرائي أو التأويلي إضافة معرفية جديدة ضمن حقل النقد العربي.

إن التراث، كما يتصور ضيفنا، كان إنتاجه في فترة زمنية معينة، وهو مجموع النصوص التي أنتجت في فترة تاريخية محددة، وقد مارست هذه النصوص سلطة معرفية على عقل وارثها، فأصبحت جزءا من وعيه ومن بنية تفكيره؛ وإذا كان التراث كذلك، يتساءل الناقد، كيف تقرأ الذات العربية تراثها في ظل التحولات المعرفية المعاصرة؟

ويؤكد بيومي أن غياب الجدل الفاعل مع التراث والآخر أو بالأحرى فقدان الذات العربية لفاعليتها هو ما يجعلها تلجأ إلى أحد الطريقين: إما الاعتصام والاحتماء بالتراث، وإما التقليد والتبعية والاستهلاك للمنتج المعرفي الغربي. وفي تقديره إن المشكلة ليست مشكلة أصالة ومعاصرة، أو أنها تراث وحداثة أو شرق متخلف وغرب متقدم، وإنما المشكلة تكمن في عدم القدرة على تحويل المعرفة بالتراث من معرفة ميتة إلى معرفة حية، كما تتجلى أيضا في عدم القدرة على إنتاج حقائق جديدة حول وقائع العالم المعاصر.

حركة النقد

من أهم المؤلفات النقدية

وعن حركة النقد العربي، وهل هي حركة موازية للإبداع أم أنها صارت متكلسة نتيجة لغياب وضعف وهشاشة ما يتم إنتاجه من إبداع عربي؟ يجيب ضيفنا “باستعادة مقولات لوسيان غولدمان حول الأنساق المتوازية ورؤية العالم، فالكلام عن حركة النقد العربي والإبداع العربي يتوازى مع حركات أخرى مثل حركة التعليم والترجمة والبحث العلمي والاقتصاد والسياسة والحراك الاجتماعي والفهم والتأويلات الدينية، فإن كانت هناك حالة من الرضا عن تلك الحركات المتنوعة فسيكون هناك رضا عن النقد والإبداع. ربما أتصور أن هناك نقدا في العالم العربي يقدمه نقاد يستحقون التقدير والاحترام، وهناك العكس، وهناك بالتوازي إبداع يستحق الجهد النقدي وهناك أيضا إنتاج أدبي لا يرقى أن يكون أدبا”.

ويتابع موضحا “المشكلة في ما أتصور، أن هناك موجة هادرة من الإبداع الأدبي لم يتمكن النقد العربي بعد من فحصها وتفسيرها أو تأويلها، أو حتى يقوم بدوره التقييمي لها. والوجه الآخر من المشكلة هو ظهور «نقاد الشنطة»، إن صحّ لي أن أستخدم هذا الوصف، أو النقاد الهواة الذين أدركتهم حرفة النقد، ويظهرون في كل مكان وفي كل محفل يرددون أفكارا قديمة ومستهلكة وبالية”.

ويرى ضيفنا أنه على الرغم ممّا بذله النقاد العرب المعاصرون من جهود مخلصة في مجال النقد الشارح أو الميتانقد، فإنه لم يقدم أحد منهم بحثا أو أبحاثا قائمة بذاتها، تحاول أن ترصد وأن تحلل وأن تقيّم الاتجاهات القرائية المختلفة للتراث النقدي في الكتابات العربية الحديثة. وقد سبق أن بيّن مصطفى بيومي هذا الكلام في كتابه “دوائر الاختلاف: قراءات التراث النقدي” الذي اشتغل عليه أكثر من ست سنوات، وذلك في ما بين 1994 و2000، حينذاك لم تكن بالفعل قد تمت دراسات ترصد وتحلل وتقيّم الاتجاهات القرائية المتنوعة للتراث النقدي، ربما تكون قد ظهرت الآن دراسات تنحو ناحية النقد الشارح.

وعمّا إن كان يرى أن المشهد الثقافي العربي يعاني من غياب نظرية نقدية عربية، وأن أغلب ما يتمّ تصديره من دراسات وأفكار نقدية يدور في فلك ما تمّ طرحه من نظريات وأفكار غربية. يلفت ضيفنا إلى أنه في البداية ليس من المتحمسين لوصف النظرية النقدية بصفة قومية، كأن تقول مثلا نظرية نقدية عربية ونظرية نقدية أميركية ونظرية نقدية فرنسية. هناك نظرية نقدية تؤدّي دورا فاعلا في وجود التقرير التنظيمي الذي يبحث في طبيعة الأدب وفي مناهج دراسته وتأويله، هذه النظرية النقدية يسهم فيها كل من ينتمي إلى المعمورة الإنسانية بداية بأفلاطون وأرسطو ومرورا بالنقاد العرب القدماء وانتهاء بالنقاد المعاصرين.

إعادة النظر في التراث أو محاولة قراءته وتأويله لم توجد إلا من أجل الحاجة الملحة إلى مجاوزة الحاضر المتخلف

المسألة ليست متعلقة بنظرية عربية أو غربية ولكن متعلقة بالكيفية التي تمارسها النظريات من أجل تأويلات جديدة للأدب. وربما استخدام النقاد العرب لفكرة خصوصية النصوص العربية التي تحتاج إلى نظرية خاصة توازيها يبعث على الدهشة، فهذه فكرة ليست صحيحة مطلقا، فالنصوص في كل اللغات تمتلك خصوصيات نصية متشابهة، ومهمة النظرية النقدية في تلك الحالة هي فحص هذه الخصوصيات ومحاولة تأويلها. وعمّا شهدته جائزة نوبل في الآداب من تحولات حقيقية بإعطاء الجائزة للكاتبة الصحافية الروسية ثمّ للمغني الأميركي بوب ديلان، عن تلك التحولات والتفاعل السلبي والرافض لها من قبل المثقف العربي يجيبنا بيومي بأن ما حدث مع المثقف العربي من رفض لمنح جائزة نوبل إلى المغني الأميركي بوب ديلان هو عينه ما حدث مع مذيع نشرة الأحوال الجوية حين أمطرت السماء عليه في نزهته الخلوية؛ لا بدّ أن نضحك بشيء من السخرية.

يقول “لا يزال المثقف العربي قابعا في تهويماته النخبوية التي تهتمّ فقط بالآداب والفنون الرفيعة، إنه لم يدرك بعد أن ميلتون المنتمي إلى الأدب الرفيع يقف على قدر المساواة مع مادونا، وأصبح ينظر إلى شكسبير العظيم وموسيقى الراب بوصفهما ممارسات ثقافية دالة. وأن أساتذة الأدب الفرنسي قد هجروا الكتابة عن الأدب الفرنسي الرفيع مهتمين بالكتابة عن مسلسلات الحياة العائلية المنزلية. لا يزال المثقف العربي يقف في صفوف الأدب النخبوي. لا بدّ أن ننظر إلى المسألة من زاوية التأثير ومن زاوية الممارسات الثقافية المتنوعة التي تضع الرفيع والراقي إلى جوار الشعبي والجماهيري؛ نحن لا نتكلم عن درجة التقبل، ولكن نتكلم عن الوجود الفاعل في الممارسة الثقافية”.

15