مصطفى تاج الدين الموسى: أتشظى وأظهر في شخصيات قصصي

الكتابة في ظل الحرب والترحال والنزوح، هي خوضُ جولاتِها المتعِبة عن قرب وبُعد، هكذا يقاتل مصطفى تاج الدين الموسى في مجاميعه القصصية، التي يمرّر من خلالها مراحل حياته ومواقفه الوجودية من كلّ شيء، مهما كان قريباً أو بعيداً، في هذا الحوار يقدِّم الموسى آلية اشتغاله على العبثية السحرية لإنتاج القصة القصيرة في ظل تشظي الهوية السورية.
الأحد 2016/11/27
كاتب عربي من طراز كافكاوي

يبدأ الحديث مع القاص مصطفى تاج الدين الموسى من الجغرافيا، حيث يقيم منذ سنوات في مواجهة الوطن ككاتب وطبيب سوري على الحدود التركية، عن نظرته اليوم إلى هذه التجربة على الصعيد الإنساني والأدبي، يقول إنَّه ثمّة أماكن، ثمّة بشر، ثمّة تفاصيل، عندما نبتعد عنها زمناً طويلاً، يصيرُ بإمكاننا فهمها بشكلٍ أفضل.

إعادة اكتشافها بهدوء، معرفة مدى أهميتها من عدمه، الوقوف عند كل تلك التفاصيل التي شكلتْ حياتنا سابقاً، وضعها تحت عدسة القلق البشري والتمعن بها، هل كانت تلك فعلاً حياتي؟ أم أنها حياة شخص آخر يشبهني؟ أم هي مجرد فيلم سينمائي داخل الرأس تم تخيّله بنجاح؟ هذه الأسئلة المركزية يثيرها مصطفى بحكم بعده عن حياته السابقة، يظن أنه صار شخصاً آخر، لا يهمّه أيهما أفضل، فالبحث في تفاصيلهما يولِّد القصص.

الحياة قصص

يتابع ضيفنا الحائز على جائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2015، متحدثاً بالضمير الجمعي، قائلاً “نحن –بوصفنا نازحين- كلّ ليلة، نخرج حياتنا السابقة من تحت وسائدنا، نداعبها بلطف نطويها بعناية نرتّبها بهدوء، نتأكد من أنها لا تزال جيدة، قد تنتهي الحرب في أيّ لحظة، ونرجع لحياتنا السابقة لهذا يجب أن تكون جاهزة، قبل الحرب، فداخل الوطن، كان لدينا شعور أن الوطن قاتل، علينا أن نتحاشاه قدر الإمكان، وأن نحبه دونما سبب، عندما هربنا إلى دول أخرى وراقبناه عن بعد، اكتشفنا أن الوطن هو أيضاً مقتولٌ مثلنا، ويحلم أن يعود يوما ما إلى حياته السابقة، حياته تلك التي قرأنا عنها في الكتب”، فالحياة لثلاث سنوات على حدود الوطن تعني عند ضيفنا ازدياد العمق في نظرته للأشياء، وإعادة اكتشاف للألم لكتابته.

بكثير من التجرد أسأله عن انعكاس ما يحدث في سوريا على نتاجه الأدبي، ليقول إنه لا تكاد تخلو قصة من قصصه من مواضيع الحرب، موت، نزوح، تشرد، فقر، تعذيب، اضطهاد، مجزرة، قتل، لكن بدرجات متفاوتة، لا يمكن أن تكون القصة هنا مشوارا رومانسيا يخرج به البطل من حارته المزدحمة بالمخاوف إلى حديقة بعيدة، إنما هي حمل كلّ هذا المكان بأهله ومخاوفه إلى الفضاء الأدبي.

العبثية السحرية

هذه المعالم التي اقتحمت بنية القصة عند مصطفى الموسى، تقودنا للحديث عن أبرز ملامح مشروعه القصصي الذي يشتغل عليه ضمن إطار “العبثية السحرية”، ليقول إنه مع استمرار القصص وتكاثرها وتفاعلها مع الحدث، مع هذه التراكمات وتطوّرها وتفاعلها مع ذاته الشخصية، قام بتأطير العبث ضمن النسيج المنطقي للقصة القصيرة، التي غالباً ما تكون نهايتها مدهشة، مفاجئة، صادمة، لتضيف -ضمن النسيج ذاته- سحراً على ما سبقها من القصة.

لا يحدد صاحب "نصف ساعة احتضار"، دوافع معينة للكتابة، فمحركات الكتابة لديه متناقضة للغاية كما يصفها، فولادة القصة كولادة الإنسان

يفصِّل ضيفنا بين “التفذلك” لخلق العبث من خلال إنجاز قصة ما، وبين آخرين يكتبون شعراً وقصصاً وروايات مكتملة فنياً عن الحرب التي عاشوها ونجوا منها، خارجياً لا داخلياً. هنا لا يظن أن الكاتب يختار العبث بوصفه مدرسة أدبية على أساس الخيارات، ليؤكد أن العبث كأسلوب كتابي هو الذي يهجم على كتاباته ليفرض نفسه دونما انتباه من المبدع أو افتعال مقصود تماماً، لأن العبث هو وحده القلم الذي تستطيع الحرب أن تكتب به نصوصها.

لهذا لا يحدد صاحب “نصف ساعة احتضار”، دوافع معينة للكتابة، فمحركات الكتابة لديه متناقضة للغاية كما يصفها، فولادة القصة كولادة الإنسان كما يراها، أحياناً تخضع لولادة طبيعية، وتأتي كلها تقريباً في حالة التدفّق، وأحياناً تحتاج لعملية قيصرية، يتدفق في الداخل مشهدها الرئيسي، ليلتقطه ويبدأ الحياكة والنسج حوله حتى يكتمل.

فنون متعددة

يمارس مصطفى تاج الدين الموسى كتابة مفتوحة على الأجناس الأدبية، فهو يكتب المسرح ويتعاطى القصة بمنطق شعري في إطار النص المفتوح، هنا أسأله عن رؤيته لهذا التداخل بين الفنون، ليقول إن لكلّ فن أدبي خصائص تميزه عن بقية الفنون الأدبية، فممازجة القصة مع ميزات الشعر أو السينما أو المسرح يأخذه إلى ضفة أكثر جمالاً مع الإصرار على عدم المبالغة في ذلك لأخذ النص خارج إطاره العام.

اكتمال القصة فنياً ومن ناحية العناصر، هو شرط الجودة الذي يتّبعه ضيفنا الذي يؤمن أنَّ أيّ تغيير مهمّ أو ثورة في أيّ فن أدبي تكون ضمن إطاره العام، في داخله، لا بكسر هذا الإطار العام والخروج بتهويمات يصعب تجنيسها لخلل في الثقافة أو ضعف في الموهبة، والاختباء خلف شعارات أدبية براقة. القضية تبدأ بالدرجة الأولى عنده بالقدرة على تناول المواد الأولية وكيفية التعامل معها.

كاتب العبث السحري

عن الذاتية ومساحتها في نصوصه القصصية، يقول صاحب “الخوف في منتصف حقل واسع”، إنه يعتقد أنَّ الذاتية تقع في أغلب القصص، لأنَّهُ يتكئ على مراحل حياته في الكتابة، أحياناً تتولّد الكتابة بقالب ذاتي مكثَّف، وأطواراً تأتي مخفَّفة، هذه النسبة والتناسب يحددها بمدى تشابك أو تداخل القصة مع حياته الشخصية، أو مدى قدرته على تقمص شخصياتها جيداً.

الهوية السورية

حديثه عن التشابك بين العام والخاص في البناء القصصي، يقودنا للحديث عن رؤيته لمفهوم “الهوية” في الأدب اليوم على الصعيد السوري، ليقول إنَّ هذه المرحلة مرتبكة للغاية، ومن الطبيعي أن ترتبك في ظلّها الهوية، خصوصاً أن الهوية السورية متعدّدة العناصر المتداخلة فيما بين بعضها، الظروف القاسية للحرب أدّت لتشابك بين هذه العناصر داخل الهوية، ممّا غلّب بعض عناصرها على عناصر أخرى لدى هذا أو ذاك.

يتابع ضيفنا أن كوارث مثل القتل والمجزرة والموت والتشرد والألم، قد تفلح في أن تدفع الواحد منا في هويته إلى النكوص لعناصر بدائية داخل الهوية بصورة عناصر مذهبية، قومية وعشائرية ودينية، بهدف أن يحمي الإنسان ذاته من الانهيار الكلي، وأن يحوّل الوهم إلى قناعة يتمسّك بها في ظل هذا الانهيار، وعلمياً يرى مصطفى أن هذا النكوص قد يكون مبررا، وأحياناً إنسانياً، لكن بهذا النكوص يقدم الإنسان خدمة كبيرة للمعتدي، ويأخذ نفسه دونما وعي لهزيمة رسمها له هذا المعتدي.

هنا يأتي دور المبدع كما يراه ضيفنا بهويته الخاصة في الارتقاء والسموّ قدر الإمكان في ظل هذا الانهيار، وهذا ما يفرض عليه مهما تميزت هويته عن محيطه الاجتماعي أن يكون جزءاً من بيئته، جزءاً من أحلامها وأحزانها وآلامها ومعاناتها وأفراحها، فمن المعيب كما يؤكد مصطفى، أن يعادي المبدع بيئته الرحم لكن دون الاستسلام لكل مفاهيمها، فدوره يكمن في التفاعل معها، بين الهوية الخاصة والعامة للوصول إلى صيغة إنسانية سليمة.

صناعة الهوية

في سبيل هذا يرى مصطفى أنَّ دور المكَنةِ الثقافية والإعلامية، تكمن في إعادة إنتاج هوية جديدة تنقذ ما تبقى من إنساننا، لا تكون هوية جامدة كالتي يفرضها دكتاتور، أو مظلومية ما، أو عقد سيكولوجية مرضيّة، أو نخبوية تشد على يد الظالم متجاهلة آلام المظلوم، إنها هوية إنسانية فيها فهم جيّد للإنسان وظروفه وحاجاته بتنوع معتقداته، فالقلق والخوف والموت والاغتراب النفسي، قد أسقطوا أوهاماً عدة غرست قسراً في الإنسان السوري كما يعتقد ضيفنا.

الرواية الأدبية تمنح صاحبها حرية هائلة ليتجول كيفما يشاء، عكس القصة فهي كالمنفردة في السجن، والرواية أشبه بالبيت الكبير المحاط بحديقة واسعة

إعادة صناعة الهوية في عالم متنوع ومتعدد، دفعني كذلك لسؤاله عن ترجمة قصصه إلى العديد من اللغات، وخصوصاً ثلاثيته الساخرة، “كم هم لطفاء” و”الخطة العظيمة” و”سبعة أشهر مع الساحرة”، عن تلقي الجمهور الآخر لهذه القصص يقول ضيفنا الفائز بجائزة دبي الثقافية، إن بعض الذين ترجموا قصصه إلى لغات أخرى نقلوا له انطباعات إيجابية عمّن اطلع على هذه الترجمات من أبناء هذه اللغة أو تلك، فأحد المترجمين قال له “ثمّة قارئ هنا، لا يعرف بلادكم ولا حربكم في سوريا، قرأ قصصك التي ترجمتها، عندما انتهى منها قال لي: لقد أشعل هذا القاص في غرفتي حرباً تعيسة، لم أستطع أن أنام بشكلٍ جيد”.

رغم العزوف الذي نراه اليوم عن الفن القصصي، والنزوح الكبير الذي نشهده من الشعراء والقصَّاصين العرب نحو كتابة الرواية، يغيب هاجس مصطفى تاج الدين الموسى في كتابة رواية، يترك الباب موارباً لذلك في المستقبل، فالرواية الأدبية عنده تمنح صاحبها حرية هائلة ليتجول كيفما يشاء، عكس القصة فهي كالمنفردة في السجن، والرواية أشبه بالبيت الكبير المحاط بحديقة واسعة.

ولد مصطفى تاج الدين الموسى في سوريا في العام 1981، درس الصحافة في كلية الآداب بجامعة دمشق، بدأ حياته الأدبية كممثل مسرحي في مسرح الهواة، ثم ما لبث أن اتجه إلى كتابة القصة القصيرة حيث نال في هذا المجال العديد من الجوائز المحلية والعربية، صدرت له مجاميع قصصية عديدة من أبرزها “قبو رطب لثلاثة رسامين”، “مزهرية من مجزرة”، “الخوف في منتصف حقل واسع”، “نصف ساعة احتضار”، كما ترجمت بعض قصصه إلى العديد من اللغات ومن بينها الإنكليزية، الفرنسية، الأسبانية، الفارسية، الألمانية، التركية، العبرية، البرتغالية، اليابانية والكوردية.

كاتب من سوريا

15