مصطفى حجازي لبناني أرسى منهج إنسانية الإنسان

الأحد 2015/04/26
لبناني طالب بـ"نظرية للتخلف" في المجتمعات العربية

عالم نفس وأكاديمي لبناني يكاد يكون من أهم المفكرين العرب الذين لهم إسهام كبير في التنمية المجتمعية الشاملة، وتعتبر مؤلفاته من أهم الكتابات التي قَرأت وحلَلت المآزق التي وقع فيها الإنسان العربي. ولعل ما جعل أعماله العلمية تتميز عن غيرها هو تسخيره لمعارفه النفسية في فهم أسباب قهر الإنسان العربي، وتفنيد العوائق التي تضعها الأنظمة المستبدة في وجه الشعوب لكي تجبرها على العيش بمناخ اجتماعي وثقافي معين تنعدم فيه الحرية والعدالة، ويصبح فيه إرضاء الحاجة البيولوجية الهم الشاغل. لغُته العلمية الرشيقة والبسيطة غير المتكلفة جعلت أعماله سهلة الفهم للجميع حتى لغير المختصين بعلم النفس. حينما تقرأ أعمال مصطفى حجازي فإن ثمة محرضاً داخلياً يدعوك لتكتب وأنت تتابع القراءة، وتحلل وتُعدّل وتنتقد وهذا هو الهدف الحقيقي الذي يسعى إليه، أن نعمل على تحسين واقعنا الاجتماعي وننخرط جميعنا بعملية تنمية شاملة.

كيف يفهم العرب علم النفس

لعل أبرز ما يميز دراسات ومؤلفات مصطفى حجازي هو اهتمامها بتوظيف علم النفس في خدمة قضايا التنمية البشرية، وينطلق من رؤيته في أن علم النفس في العالم العربي لازال مقصّرا -بشكل وصفه بالفادح- في تناول القضايا الكبرى في المجتمعات العربية. وهو هنا لا ينكر أن علم النفس قدم خدمات جلية في القطاعات كافة إلا أنه لازال في المقاعد الخلفية في تناول موضوعات مثل الاستبداد والفقر والقهر والهدر.

ويرى حجازي أن من أبرز مشكلات علم النفس في العالم العربي الاستيراد لمعطيات تكوين الإنسان الغربي ودراسة قواه ودينامياته وتوجهاته ليتم تطبيقها بشكل آلي على الإنسان العربي وهذا خطأ فادح لأنه يهمل أهم عناصر تكوين الشخصية وهو الظروف التاريخية والثقافية والاجتماعية لكل مجتمع.

الأمر الآخر هو نأي كثير من علماء النفس أنفسهم عن تناول مواضيع تنموية حساسة تعتبر حلقة في حل مجمل المشاكل التي يعاني منها الإنسان العربي، والسبب هو سيطرة المحظورات التي تجعل من أيّ عِلم رهينة الحكم بالتحريم لمجرد اقترابه من كشف عورة التخلف. مما يجعل الكثيرين يؤثرون السلامة الشخصية على تناول هذه القضايا.

كان همّ حجازي كما أشار بنفسه في مؤلفيه “الإنسان المقهور” و”الإنسان المهدور” يتمركز حول ضرورة خروج علم النفس من المخابر إلى المجتمع من خلال الالتحام بالعلوم الأخرى مثل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة والإعلام ليتمكن لاحقاً من المشاركة في رسم السياسات الاجتماعية، ويقول حجازي بشيء من الأسى “أمام علم النفس خيار آخر مطروح هو أن يبقى في موقع هامشي مفيد بالطبع، ولكنه غير مؤثر ولا فاعل استراتيجيا”.

الكل من حول الإنسان المقهور ذئاب، فإما أن يكون فريسة أو ذئبا، وكي يكون الفرد ذئبا في مجتمع الهدر عليه أن يتقرب من السلطة ويتذلل لها كي يتسلط باسمها. أما حينما يريد معاقبتها فإنه لن يتوانى حتى عن تخريب الممتلكات العامة لأن الإنسان المقهور في المجتمع المتخلف يحس بالغربة في بلده ويشعر بأنه لا يملك شيئا

التخلف وسيكولوجية الإنسان

في “سيكولوجية الإنسان المقهور” يقُدم حجازي رؤية تحدت الجُمود والسكون الذي كان سبباً في انزلاق معظم باحثي علم الاجتماع حينما وحدوا بين التخلف والتقليد. في حين يرى هو أنه ما من مجتمع ساكن بغالبيته حتى وإن بدا لنا مُغرقاً في التقليد، والسبب يعود إلى أنه لا وجود لمجتمع لم يشهد انتفاضات حتى في أقل البنى دينامية. وبناء على هذا نرى أن حجازي اتخذ منحى مغايراً كلياً في ربطه بين السكون والتخلف.

فنحن حينما نتحدث عن بلدان العالم الثالث فإن الكلمة الأكثر توارداً إلى الأذهان هي كلمة “تخلف”، فتلك الكلمة يعتبر حجازي أنه على الرغم من ورودها في آلاف المقالات والأبحاث فإن العرب لم يفلحوا في وضع نظرية عامة تولِّف كل هذه التعريفات لها. ويُرجِح أن يكون السبب عائدا إلى كون هذه الدراسات كانت حكراً على علم الاقتصاد ثم تبعها سيل من التخصصات وسط غياب مُقلق لعلماء النفس في وضع نظرية للتخلف الاجتماعي، ومن هنا فإن نظريته تقوم على وضع سيكولوجية خاصة بالتخلف تُكمِل اقتصاده واجتماعه.

فلا الطريقة السطحية الأقدم لدراسة التخلف التي تربط متوسط دخل الفرد بنوع تغذيته وتعليمه باتت مقنعة لتفسير مظاهر التخلف المجتمعي، ولا الطريقة الاقتصادية كذلك والسبب يعود إلى أن مؤشر الدخل القومي مقسماً على عدد السكان مُضلل جداً عدا عن كون الطريقة السطحية في تشخيص التخلف تنظر للمجتمع المتخلف نظرة دونية أساساً.

على الرغم من أن المنطلقات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية ركزت على نوعية البُنى المتخلفة إلا أنها أهملت البُنى الفوقية النفسية والعقلية المُوجِهة للوجود والتي تترافق عادة مع البُنى الاجتماعية والاقتصادية وتُكملها، ولا يمكن أن تستقيم نظرية عن التخلف إلا إذا أعطيت البُنى الفوقية أهميتها. ويعطي حجازي مثالا عن البنى الفوقية وهو واقع المرأة في البلدان النامية، فهذا الكائن المسلوب الوجود والمُستلب اقتصادياً وجنسياً لازال يعاني من استلاب أخطر وهو الاستلاب العقائدي، أي تبَنّي المرأة لقيم سلوكية تتماشى مع القهر المفروض عليها. هذا القهر لاحقاً تنقله عبر التربية لأولادها وبناتها خاصة وتفرض عليهن عملية تشريط من أجل الرضوخ للرجل.

فما التخلف بنظر الدكتور حجازي في المحصلة إلا استلاب اقتصادي واجتماعي يولد استلاباً نفسياً على المستوى الذاتي للأفراد، ولذلك فهو يرى أن أيّ عملية تغيير لا تنطلق من الخوض في الاستلاب الفردي لا يعُول عليها لأننا إن نجحنا في السيطرة على الاستلاب الفردي فإننا سنُحقق أول شروط التغيير. ولكن السؤال الذي سيطرحه كُل منا هل بالفعل إن استطعتُ أن أستكشف جوانب الاستلاب النفسي في ذاتي يمكنني أن أصبح جزءاً من عملية تغيير كبيرة؟ هذه العملية ليست بهذه السهولة لأن استجلاء التخلف الوجودي ليس بالأمر السهل على الإطلاق. فكيف يمكن التعرف على التخلف الوجودي؟

كلمة (التخلف) يعتبر حجازي أنها على الرغم من ورودها في آلاف المقالات والأبحاث فإن العرب لم يفلحوا في وضع نظرية عامة تولف كل هذه التعريفات لها. ويرجح أن يكون السبب عائدا إلى كون هذه الدراسات كانت حكرا على علم الاقتصاد

التخلف الوجودي هو نمط من الوجود يتمثل بكل أشكال سلوكياتنا ونشاطاتنا، ميولنا، توجهاتنا، منظومة القيم التي نحملها، العقائد، نظرتنا إلى أنفسنا، إنه باختصار موقفنا من العالم المادي وظواهره.

ولا بد من التنويه إلى أن الوجود المتخلف يُولِد آلاماً معنوية تُهدد التوازن النفسي، ومن أجل تسكين هذه الآلام تنشط بعض الميكانيزمات الدفاعية. للأسف بعض هذه الميكانيزمات تعتمد على آليات نفسية تجعل تَحمُل الاستلاب ممكناً. وهذا الاستلاب بدوره ينقل الإنسان إلى مرحلة العدمية مما يولد هدراً نفسياً كبيراً.

يعيدنا حجازي في قراءته لأسباب الاستكانة للاستلاب إلى ما ذكره لوبون حينما حمّل المسؤولية لعملية التعليم التلقيني، حيث أكد الدكتور حجازي بدوره على النقطة ذاتها معتبراً أن هذا النوع من التعليم يساهم بجعل الاستلاب أمراً مقبولاً لأنه لن يمُكِّن الفرد من استثمار معارفه لحل مشكلاته.

مجتمعات الهدر

قبل فترة انتشر فيديو قصير جداً يصور حياة رجل منذ لحظة استيقاظه حتى خروجه إلى عمله، ونرى في هذا الفيديو أدق تفاصيل المنزل تحولت إلى أشخاص مهمتهم لعب دور قطع أثاث معينة، على سبيل المثال يقف شخص متخذا وضعية علاّقةَ الملابس. وآخر يحمل إبريق الشاي وثلاثة يركعون ليشكلوا ما يشبه طاولة الطعام، آخر يتخذ وضعية علاّقة المناشف بجانب الحمام، وهكذا. باختصار فإن كل ما يقوم به الرجل هو استخدام هؤلاء الأشخاص كأدوات إلى أن يخرج من بيته دون اكتراث بالآخر.

نرى في نهاية الفيديو كيف أن الرجل حينما يصل إلى عمله ينزع عنه معطفه وينبطح أرضاً أمام باب مكتب متخذاً وضعية السجادة الصغيرة التي تُوضع أمام مدخل البيت ليتم تنظيف الأحذية عليها. نرى أخيراً رئيسه في العمل يتقدم باتجاه باب مكتبه يجفف حذاءه بالسجادة، ويدخل مكتبه أيضاً دون اكتراث. كذلك يحدثنا حجازي عن عالم القهر التسلطي الذي يبدأ عبر سلطة تفرض هيمنتها على المجتمع بتحالفها مع قوى استعمارية صريحة أو مقنّعة، عبر علاقة ثنائية من التسلط والرضوخ يُمارَس فيها شتى أنواع العنف وتتغلغل هذه العلاقة التسلطية في نسيج الذهنية المتخلفة لتكوِن فيما بعد شبكة اجتماعية للتخلف. ولهذا فلا وجود في هذه المجتمعات لمفردة الإقناع بل الإخضاع.
كتابا حجازي (الإنسان المقهور) و(الإنسان المهدور) يتمركزان حول ضرورة خروج علم النفس من المخابر إلى المجتمع، من خلال الالتحام بالعلوم الأخرى مثل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة والإعلام ليتمكن لاحقا من المشاركة في رسم السياسات الاجتماعية

هناك على الدوام، سلطة وسيطرة من طرف، ورضوخ وتبعية من طرف آخر، تبدأ من الحاكم إلى المرؤوسين مروراً بالرجل تجاه المرأة وليس انتهاء بالأخ الأكبر تجاه الأخوة الصغار. في المجتمع المتخلف الكل يكذب على الكل الحاكم يكذب على الشعب ويعدهم بالإصلاح والإنسان المقهور يكذب على الحاكم ويدّعي الولاء، وانطلاقاً من هذا القهر المستديم أمكن لحجازي أن يعطي البعد العدواني لشخصية الإنسان المقهور حقه، فهو الإنسان الذي تُرِك وحيداً كي يتدبر نفسه بنفسه. هو الإنسان المشحون بشحنات العدوان والكراهية تجاه معنّفيه وكل ما يجُيد فعله هو التُحمل وقبول القهر كأمر واقع، الكل من حوله ذئاب فإما أن يكون فريسة أو ذئبا، وكي يكون الفرد ذئبا في مجتمع الهدر عليه أن يتقرب من السلطة ويتذلل لها كي يتسلط باسمها. أما حينما يريد معاقبتها فإنه لن يتوانى حتى عن تخريب الممتلكات العامة ويفسر هذه الظاهرة الدكتور حجازي بقوله “إن الإنسان المقهور في المجتمع المتخلف يحس بالغربة في بلده، يشعر بأنه لا يملك شيئًا، حتى المرافق العامة يحس أنها ملك للسلطة، وليست مسألة تسهيلات حياتية له هو. ذلك أن الهوة كبيرة جدا ًبينه وبينها وأن ما يستحقه من خدمات وتقديرات تُقدم له، إذا قدمت، كمنّة أو فضل، لا كواجب مستحق له، ولهذا عندما يُخرِّب المرافق العامة فهو يعبر عن عدوانيته تجاه المتسلط.

الحياة في البيولوجيا

خصص حجازي دراستين متكاملتين لتناول مفردتي “القهر” و”الهدر” واللتين قد تبدوان لنا على أنهما تحملان ذات المعنى ولكنهما في الحقيقة على غير ذلك. ففي حين أن القهر يشير إلى استلاب الإنسان حقوقه دون رضاه وبممارسة السلطة والقمع، يعتبر الهدر الشكل المتطور من القهر حيث أن الأول يصبح أحد حالات الثاني وتصبح المواطنة مَكْرُمة من السلطة للفرد.

إن الهدر في جوهره هو إصابة وجود الإنسان في مقتل حيث لا تبقى ثمة قيمة للوجود، في حين أن القهر يحدث كنتيجة للاستبداد والتسلط إلا أنه يترسخ شيئاً فشيئاً ويعيد إنتاج الهدر من خلال إنتاج آليات دفاعية يلجأ إليها المهدور في قهره ومن أبرزها التماهي مع المتسلط حتى في سلوكه.

ومن هنا يمكننا أن نفهم الخط العام الذي يسير عليه معظم الطغاة في تجهيل شعوبهم وتضليلهم وجعل جُلّ همومهم تنحصر في الحصول على لقمة عيشهم و إرضاء غرائزهم البيولوجية. وتصبح المطالبة بالحرية والديمقراطية ترفاً. يقول حجازي في ذلك: إنَّ إبقاءَ الإنسان في الحيّز البيولوجي المحض من حاجاته وحياته، سيؤدّي إلى تعطيل نسبة كبيرة من خلايا دماغه ولن يعمل دماغه إلا في أدنى مستوى له، وهذا الجزء من الدماغ هو ما يسمى علمياً ‘الهيبوتلاموس’، وهو كتلةٌ في وسط الدماغ لا يزيد وزنها على خمسة غرامات، و’الهيبوتلاموس′ هي التي تضبط وظائفَ الأكل والنوم والجنس والانفعال، فكم من حالات من الناس ذوي التفكير المهدور تُعطَّل طاقاتهم الدماغية ويُحجر عليها ويدفعون للعيش على مستوى ‘الهيبوتلاموس’؟

وانطلاقاً من هذا يرى حجازي أن التخلف بالمنظور النفسي يتجاوز بشكل كبير جداً ما يصفه كثيرون بالتخلف التكنولوجي والإنتاجي والصناعي إنه هدر للكرامة البشرية والدوس عليها وتحويلها إلى أداة تخلف، وهذا هو المعيار الحقيقي لتخلف المجتمعات وليس التقدم المادي الذي لا يشكل سوى جزء بسيط لا يجب بحال من الأحوال أن يجعلنا نُغْفل أعماق المشكلة الحقيقية.

ورغم أن حجازي يشير دوماً إلى أن ما يرد في أعماله لا ينطبق بالتأكيد على كل العرب، وأن ثمة خصائص نوعية في كل إنسان ولكنها لا تمنع محاولات النظر في إمكانية التعميم، إلا أنك حينما تقرأ لحجازي فإنك ستجد ربما نفسك أو أحداً من معارفك ومحيطك وأقرب الناس إليك، ستجد الكثيرين ممن عرفتهم تنطبق عليهم تلك المواصفات بحذافيرها.

9