مصطفى حجازي يتوق إلى تحرير مصر من استعمار الفساد

السبت 2013/09/07
رغبة للانتصار لمبدأ الشعب يريد..

يحمل د.مصطفى حجازي أفقا معرفيا وفكريا حداثيا ناضجا وواعيا، تنتمي مجمل رؤاه وأفكاره إلى المنظور الغربي الأميركي بحكم الدراسة والعمل، لكنه استطاع أن يمصره بفضل ارتباطه الإنساني والعملي بنسيج المجتمع المصري، وامتلك قدرة حرفية فائقة على تقديم خطاب واضح الرؤية ومحدد الدلالة عميقا تستوعبه النخبة وبسيطا في ذات الوقت تفهمه العامة، وذلك دون تعقيد أو تكلف أو تعال أسلوبي أو لغوي..

من يصغي إليه لا يملك إلا تصديقه والإيمان بأفكاره، فالرجل يشرح ويبسط دون أن تتوه منه أفكاره، رسالته لا تحتمل اللف والدوران، إذ يسمي الأشياء بمسمياتها، ويجلي مواقفه مما جرى ويجري على الساحة المصرية بشكل لا التباس فيه، الأمر الذي حقق معه إدهاشا شعبيا واسعا عقب توليه منصب مستشار الرئيس المصري عدلي منصور للشؤون السياسية والإستراتيجية في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013، ليصبح نجم الرأي العام في مصر وسط إشادات من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك وتويتر أو أحاديث الناس في الشارع والبيوت وعلى المقاهي وغيرها.

كان ذلك خاصة عقب المؤتمر الصحفي العالمي الذي عقدته الرئاسة المصرية لتوضيح حقيقة أحداث العنف والإرهاب، للرأي العام العربي والغربي الذي ينتهجه أعضاء جماعة الإخوان ضد أبناء الشعب المصري ومؤسسات الدولة عقب سقوط النظام وفض اعتصامي "رابعة العدوية والنهضة".

انتصر لحظتها للإرادة الشعبية التي رأت فيما ترتكبه الجماعة الإخوانية إرهابا يستهدف هدم الدولة، وأعلن بوضوح أن فرص الفاشية الدينية في مصر قد انتهت وأن ما تواجهه سلطات الأمن هو العنف باسم الدين.‏

لكن هذه الرؤية الحاسمة ليست بالأمر الجديد لحجازي، فالمتابع له يستطيع أن يرى بوضوح في محاضراته وكتاباته وحواراته وأحاديثه أن ثوابت وقيما ومبادئ فكرية تقوم عليها شخصيته، غرستها نشأته وتعليمه وقربه من حركة المجتمع المصري على اختلاف طوائفه وشرائحه الاجتماعية، وأكدتها وبلورتها مسيرة علمية وبحثية حافلة بالخبرات في مجال صناعة التفكير وأنسنة الإدارة "وهو أول من أصل معنى "أنسنة الإدارة" في الثقافة المؤسسية للشركات في منطقة الشرق الأوسط".

رفض دعم الإخوان

وعلى الرغم من حصوله على الدكتوراه في الفلسفة وفي الهندسة والإدارة الإستراتيجية للأزمات من جامعة جنوب كاليفورنيا وعمله بها أستاذا للإدارة والفكر الإستراتيجي والتطور المؤسسي، إلا أنه لم يناصر الموقف الأميركي والغربي الداعم للجماعة الإخوانية، كما فعل الكثير من زملائه ممن درسوا وعملوا بأميركا، بل خرج طاعنا في الموقف الأميركي والغربي باعتباره يعطي مبررا للجماعة لمواصلة عملياتها الإجرامية.

شارك حجازي في صناعة ثورة 25 يناير من خلال حضوره الأكاديمي والسياسي، فأفكاره لم تكن قصرا على قاعات الدرس والعمل المؤسسي، لكن كانت تمتد إلى مشاركاته في الندوات والمؤتمرات الفكرية والسياسية خلال السنوات العشر الأولى من الألفية الثالثة، محاولا تأصيل رؤيته للدولة المدنية التي تقوم على المواطنة والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية مؤكدا أن عامة المجتمع وغير المنتمين للقوى السياسية هم الذين حركوا الثورة، ولا يمكن أن يكون صاحب الشرعية مستبعدا عن منشأ الشرعية الجديدة بدعوى الفقر أو الجهل أو المرض أو صغر السن أو لأي سبب كان فالشرعية تكمن في يد هذا الإنسان الذي يزعم البعض أنه فاقد الأهلية". وهذه الشرعية هي التي تجعل هذا المجتمع مجتمعا إنسانيا عادلا، ودونها يصبح مجتمعنا "مجتمع بداوة" مرة أخرى.

وهنا خرجت أفكاره التي التف حولها الشباب مثل "الحركة الجماعية بلا قائد"، و"إعادة إحياء مؤسسة السياسة المصرية" وأخيرا أنسنة المجتمع ثم مأسسته التي كانت تستهدف استراتيجية إعادة المعايير للكيان المصري، والتي يترتب عليها نجاحه أو فشله، في أي مجتمع، سواء صغر أو كبر بما يحقق قدرا من الحرية والعدل والكرامة لأشخاصه، وكان عمله يتم عبر لقاءات متلاحقة مع فئات عمرية مختلفة واعية من الشباب.

وبالنظر في أحوالهم نرى وجود ثلاثة مستويات من الوعي، فمنهم من لا يعي كيف يهتم بالمجتمع ولا يعي ذلك ضرورة، ومنهم من يعي أنه يريد أن يفعل شيئا في المجتمع لكنه في النهاية لا يعلم أين تكون الوجهة، والبعض الآخر بدأ على الطريق الصحيح لكنه غير مدرك ما إذا كان فعليا على الطريق الصحيح أم لا.

وبدأ جهدا مستمرا مع كل هؤلاء عن طريق وضع الخطط الإستراتيجية، لمعرفة ما هي هويتك، وأين هي ولماذا تفعل ما تفعل، ودائما ما كنا نعلمهم قاعدة أنك لابد أن تجد هويتك، لأنك إن لم تجد هويتك فإنك في الغالب الأعم تفسد ولا تصلح، والمجتمع في حاجة إلى إصلاح لكن لا يتقدم لفعل الإصلاح فمنهم في الغالب من يختلط عليهم الأمر بين الأهلية والأحقية، فأنت لك الأحقية في أن تكون فاعلا في المجتمع المصري، لكن ليس لك الأحقية أو الكفاية في أن تتقدم لفعل بعينه إلا إذا كنت مؤهلا لذلك" ومن هؤلاء الشباب خرج الكثير من رموز 25 يناير.

ويقول حجازي "فى يوم 28 يناير 2011 كان المعني بـ "التحرير" هو من يحرر مصر من استعمار الفساد وقمت بما يشبه اختبارا بسيطا للناس، هل أن مصر محتلة الآن؟ وكانت الإجابة بها نوع من المراوحة سابقا لكن في هذه اللحظة كانت الإجابة قطعية "نعم مصر محتلة"، وبالتالي أصبحت فكرة النزول إلى الشارع وأصبح الثوار طرفا في صنع القرار، ولقد جاء حرص الشباب على النزول بالعلم دليلا على تأكيد الملكية، وهذا هو مطلب التحرير الأساسي "استعادة الملكية" وليس إسقاط رأس النظام، وكان ثالث مطلب هو أن يكون معك حلم البناء، لأن فكرة الثورة لن تمتد إلى الأبد، فالثائر الحقيقي معني بكامل مراحل ثورته، فإسقاطه للنظام إلى مرحلة التهاوي هذه مرحلة أولى لابد منها، لكن الهدف النهائي هو استعادة الملكية".

حماية مستقبل المصريين

هكذا كان حجازي يرى الأمر حين أسس في مايو 2011 "التيار الرئيسي المصري" تجسيدا لجملة "الشعب يريد" التي عبر الشعب المصري من خلالها عن إرادته في ثورة 25 يناير، "كيان واحد قائم ليحيا فيه الشعب المصري كله بغض النظر عن اختلاف العقيدة أو الإيديولوجيا دون الالتفات إلى فروق جنسية أو دينية أو سياسية"، وقد ركز وقتئذ على ثلاثة أنواع من الملفات: الأول الآني أو الإغاثي كملف الدستور على سبيل المثال، والإصلاحي كسبل التخلص من مشكلة البطالة والمستقبلي الذي يقدم رؤية مستقبلية لأحد الموضوعات كالتعليم مثلا. مطالبا بوثيقة إعلان استقلال إنساني أولا تسبق الدستور وانتخابات البرلمان والرئاسة، بل وتسبق تأسيس الدولة والنظام أيضا، وتظل القيم المؤسسة لهذه الوثيقة ثابتة مادام التوافق عليها قائما، وتمثل مرجعية للدستور والقانون والممارسات والعقائد السياسية المتباينة، وعند أي تغيير للدستور لابد أن يسعى إلى الحفاظ على هذه القواعد والقيم، وهذه القواعد المجتمعية لا يمكن الطعن فيها.

وحدد حجازي قيمة الوثيقة في كونها ستحدد ما سيلزم أن يحرص عليه المجتمع، وتحرس حياة المصريين في المستقبل، وتحميهم من الاستبداد، سواء كان استبداد الأغلبية للأقلية أو استبداد الأقلية للأغلبية، وكل أنواع الاستبداد الذي لا يشترط أن يكون سياسيا من حاكم إلى محكوم.

وقد واصل حجازي الدفع برؤاه وأفكاره دون يأس وسط مناخ سياسي واجتماعي مضطرب وطارد شوهته المصالح والتحالفات والمعارك الزائفة والوهمية وأجهزت عليه العمليات الإقصائية والاستعدائية لجماعات وتنظيمات الإسلام السياسي التي خرجت من سجونها وجحورها وكهوفها، فبعد استيلاء الإخوان والسلفيين على مجلس الشعب بأغلبية ساحقة وتكشف جهلهم وحماقتهم ورغبتهم في التنكيل بدولة القانون وتفريغ مؤسساتها، اعتبر أن مصر تخوض ضد هذه الطغمة الجاهلة والمتطرفة حرب استنزاف مؤكدا أن "حرب الاستنزاف العسكري ـ 1967 / 1973 ـ كانت حربا لاستعادة كرامة وطن قبل استعادة ترابه.. وحرب الاستنزاف التي يلزم أن نحياها الآن هي من أجل استعادة معنى الوطن قبل بناء مؤسساته، واستعادة إنسانية أبنائه قبل بناء قواعد مستقبلهم. عدونا في الحرب الأولى كانت رايته مغايرة وجيشه نظامي وأسلحته نيران تحرق وتدمر الأرض والبشر، أما في حرب استنزافنا الحالية عدونا منا وفينا، رايته هي راية الوطن وجيشه ميليشيات جهل وفساد وادعاء وانعدام كفاءة.. أسلحته هي التراجع الإداري والحمق السياسي والخطاب الجاهل والفكر الدغمائي، أسلحته تحرق وتدمر الوطن والإنسان وإن بدت رحيمة بالأرض والبشر".

وحين احتد النقاش واتسعت دائرة تسلط مجلس الشعب الإخواني والسلفي واستحوذ على الجمعية التأسيسية للدستور التي حلتها المحكمة الدستورية العليا مرة تلو الأخرى حتى جاء الحاكم الإخواني محمد مرسي فحصنها، أنذر حجازي الجماعة الإخوانية وحلفاءها إنذار الخبير الإستراتيجي بصناعة التفكير والإدارة، والمواطن والسياسي المصري الوطني، من الانزلاق نحو الهاوية، "ندعمكم في ممارسة حقوقكم تشريعا ورقابة وتشكيلا لحكومة واختيارا على بينة للمؤهل والأصلح لصياغة دستورنا- لا يمنعكم عاقل حقا أولاكم الشعب إياه في فترة ولايتكم، ولكن لا تحرموا شعبكم حقوقه الأصيلة، ولا تجوروا بأمانة أولاكم إياها شعبكم على مستقبله ومستقبلكم. وهنا نخص إخواننا وشركاء المصير في جماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي السياسي، نحسبكم تجتهدون بحسن النوايا لخدمة الوطن، ولكن نقول حسن النوايا لا يعفي من سوء التقدير ولا يمنعه، نحسبكم حسنتم نواياكم (والله هو الأعلم) ولكن ننصح في الوطن بأن الصواب قد جانب تقديركم في فهم دوركم في الجمعية التأسيسية وولايتكم عليها، وأن العودة إلى الحق فضيلة، قبل أن يسبق السيف العزل.

ونادى حجازي الإخوان والتيار السلفي السياسي محذرا ومستشرفا مستقبلا بدا له في الأفق" تسبب موقفكم من اللجنة التأسيسية في وضع مصر الآن في أجواء "حرب أهلية باردة"، لن تلبث- إن بقي العناد- أن تؤسس لطائفية بغيضة بين المصريين من أبناء الوطن الواحد أو الدين الواحد. بالمسؤولية التاريخية التي أوليتموها تتحملون القسط الأكبر في إخماد تلك الفتنة التي ستتطالنا جميعا ولن تستثني أحدا، لا تؤسسوا لاستبدادكم بقصد أو دون قصد، فتكونوا ونكون جميعا ضحايا استبداد أكبر منشؤه الفرقة والتصدع في الوطن الواحد، بل والتحارب بين أبناء الوطن الواحد. احفظوا الوطن ولا تبددوه.. واسمعوا لضمائركم قبل حسابات المصلحة والسياسة. الوطن في خطر محدق وأنتم أهل لكي تكونوا أهل رشد، لا تسقطوا في زعم مؤامرة تحاك ضدكم، لا تزيِّنوها لقواعدكم ولا تبرروا بها لأنفسكم، هذا الشعب يحبكم ويحب كل وطني مستقيم، فبادلوه حبا بحب، هذا الشعب احتضنكم ومازال، فلا تفضوه عنكم بالتعالي أو الوصاية".

وأنهى حجازي مقاله المنشور في أبريل 2012 بجملة "ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد"، لكن الجماعة وحلفاءها مضت في غيها وقد زاد من إصرارها على استكمال ما بدأته تولي محمد مرسي الرئاسة في الثلاثين من يونية من العام نفسه، ظنا منها أن سبل التمكين ـ مجلسا الشعب والشورى والرئاسة ـ قد صارت إلى قبضتها، فلم تعد تبالي بنصائح النخب السياسية والفكرية وبالإرادة الشعبية التي لم تتوقف مظاهراتها ومسيراتها واعتصاماتها ضد الجمعية التأسيسية للدستور والإعلان الدستوري الاستبدادي.

تسميات لا لبس فيها


إن آراء وأفكار حجازي قبل وبعد ثورة 30 يونيو وتوليه منصب مستشار الرئيس للشؤون السياسية لم تختلف، بل ازدادت وضوحا وحسما بحكم المسؤولية والمواجهة الكاملة لإرادة الشعب المصري، حيث صار يسمي الأشياء بمسمياتها، ففي المؤتمر الصحفي العالمي الذي عقدته الرئاسة ردا على الحملة الإعلامية الغربية ضد مصر عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، أعلن بوضوح أن ما ارتكبته الجماعة الإخوانية وحلفاؤها ضد الدولة المصرية "إرهاب" موضحا أن هذا الشعب الذي منح تفويضا للسلطة في 26 يوليو، موحد الآن ضد العدو المتطرف الذي يواجهه لتحقيق مستقبله، ويتابع مواقف كل الأطراف التي تعطي تبريرات أخلاقية لممارسة الإرهاب، ويدرك من الذي يقف بجوار الدولة المصرية الآن، ومن يقف ضدها.

ومن مجمل الأوراق والأحاديث والمحاضرات المتوفرة عن حجازي يمكن القول إنه الطرف الأكثر وضوحا في رؤيته لبناء استقلال سياسي واجتماعي وطني خالص من ميراث العهد الماضي وتحالفاته داخليا وخارجيا بين أعضاء النظام السياسي المنوط به إدارة المرحلة الانتقالية في أعقاب ثورة 30 يونيو، حيث حدد من اللحظة الأولى لقبوله منصب المستشار السياسي للرئيس أن مصر في مرحلة تأسيس، وليست مرحلة انتقالية، وقرر 4 محاور خاصة بالمرحلة، وهي وجود إطار إستراتيجي للحركة الإصلاحية في مصر، ووجود حكومة قادرة على محاصرة وإدارة الأزمة، والمحور الثالث هو ما يسمى تمكين قوى المجتمع التي استطاعت أن تشكل كفاءة للاحتجاج، وتزيح ما لا تريد، وأخيرا إيجاد قاعدة مصرية ثابتة للتعايش والسلم المجتمعي أساسها أن يحيا المجتمع حياة دائمة السلم، وغير قابلة لتهديد هذا السلم، وهو ما ستأتي من خلالها العدالة الانتقالية والمصالحة.

وبقي أن تتبلور هذه الرؤية في أجندة وطنية تتفق عليها ويلتف حولها أعضاء الرئاسة والحكومة وأجهزتها التنفيذية التي مازالت تبدو وكأنها تدور في حلقة مفرغة يصنعها أعداء الثورة.

13