مصطفى خليفة روائي رصد يوميات الإنسان في قيعان السجون

السبت 2015/08/01
مصطفى خليفة والحياة داخل "القوقعة"

قطعت الطريق إليه مرتين. من مدينة ستراسبورغ، في أقصى الشرق الفرنسي على الحدود الألمانية، انطلقت إلى باريس تلك المدينة الكثيفة. غادرتها مسرعا على متن قطار الضواحي إلى حيث يعيش. طوال الطريق الذي تجاوز الخمسمئة كيلومتر من مدينتي إلى حيث هو، أحاول تخيل شخصيته وتركيبته.

“القوقعة” لم تعطني إلا الغموض. هل هو هادئ وبارد وصامت؟، لا لا، إذن هو قلق ومترقب وحذر؟، لا لا، إذن هو مغرور وفخور بما كتب وأنجز؟ وصلنا أخيرا بلدته ولم نعرف السبيل إلى باب بيته. هاتفناه ليحاول جاهدا أن يدلنا دون فائدة فالأحياء في هذه البلاد شديدة الشبه كالتوائم، فنزل إلينا.

مصطفى خليفة، صاحب “القوقعة”، يجتاز الشارع بمعطف شتوي أسود يدخن ويسير بسلام. أخذنا من الشارع إلى البيت بكلمات ترحيبية وتوضيحية عن ملامح الطريق إلى منزله، وأنا أحاول أن أستمع حتى لأنفاسه كي أعرفه وأتوقع تركيبته ونفسيته. أعدّ لنا عشاء جميلا شهياً ككل الأطعمة الحلبية، جلسنا وتسامرنا وتحدثنا. كان مقلاّ في الكلام وكعادتي ثرثرت كثيرا ولم أترك له مساحة للتعبير.

زيارتي الثانية لم تتأخر، ولكن هذه المرة كنت قد عقدت العزم على ألا أكثر من الكلام وأن أنصت بصبر. جلسنا نجري حواراً صحفياً، وقبل الحوار أجرينا حوارا وحتى بعده كان لنا حوار، لا تملّ من سماع قصصه وتحليلاته للمسألة السورية خصوصا والإنسانية عموما.

“كنت هناك، في إحدى ساحات سجن تدمر، كنت هناك مصادفة، طلب مني السجانة والجلادون أن أغمض عينيّ كي لا أرى، ولكني لم أفعل، شخص لا أعرفه، يعاني شللا نصفياً يضربونه بقسوة ويضحكون ويطلبون منه الذهاب إلى مهجعه، يحاول أن يمثّل محاولاته بالذهاب إلى المهجع، يلوح بيديه في الهواء، يحاول ويحاول، وهم يضربونه وهو يصرخ ويهزّ جذعه كأنه يقول والله إني أحاول، وهم يضحكون أما أنا فبكيت ومازال هذا المشهد عالقا في ذاكرتي كلما تذكرته تطبق ضلوعي على قلبي فتعتصره”.

مشلول الذاكرة

ليست تلك إلا واحدة من قصص يخبرها خليفة خلال أحاديثه وحواراته، وهذه القصة التي أخبرني، هي المشهد الذي لا يغيب عن ذاكرته أبدا، فهي حادثة عالقة في ذهنه وإلى اليوم تدمع عيناه كلما تذكرها، ذاك المشلول ليس إلا واحداً من آلاف يتحدث عنهم خليفة في روايته “القوقعة” والتي حظيت باهتمام الجمهور العربي عموما والسوري خصوصاً عقب اندلاع الثورة السورية في مارس من العام 2011، ولكنها في رأي خليفة لا تغطي كل المشهد المأساوي الذي عايشه السوريون إبان حكم الأسد الأب، ويذهب خليفة إلى أبعد من ذلك معتبراً أن ما حدث في ثمانينات وسبعينات القرن المنصرم لا يشكل إلا جزءا بسيطا من المشهد الذي تعشه سوريا اليوم.

خليفة يعد من أبرز من شاركوا بالإشراف على فرز وتصنيف الخمسة وخمسين ألف صورة لمعتقلين سوريين قضوا تحت التعذيب بهدف اختيار المناسب قانونيا للإعلام. معتبرا أن السوريين في العصر الحديث هم أكثر من تعرض للأخطار حسب التصنيفات القانونية الدولية

بالطبع هو لا يعيش “القوقعة” في حياته كما قد يخيل للبعض، وإن كانت ذاكرة السجن ما تزال حاضرة إلا أن خليفة يتابع كل التفاصيل السياسية عن قرب، ولديه موقف داعم بشكل واضح للثورة السورية التي كانت بدايتها مع وقفة الاحتجاج أمام السفارة الليبية بحسب اعتقاده، وهي استمرار لما أطلق عليها اسم “اللا” العالية التي ارتفعت في سبعينات القرن الماضي لتقول “لا” للظلم والفساد والدكتاتورية، وفي تلك اللحظة ولكونه إنسانا سوريا وناشطا سياسياً زج بنفسه في معمعة ذاك الصراع لتتكشّف أمامه مساحة واسعة وشاسعة من المشاهد والانتهاكات الإنسانية سجّلها عبر عملية مراقبة غير قصدية، ولكنها “عملية بحكم الواقع الذي وجد نفسه داخله، فأنت تراقب ما تراه إن كنت تحت النار أو بالقرب منها وهذا ما حدث معي بشكل لا إرادي”، على حد تعبيره.

الكتابة الذهنية

كتب نص تلك الرواية في السجن وبالطبع كما يقول “الكتابة ليست فعلا فيزيائيا دقيقا كما نعرفه” ولكنها كانت نوعاً خاصاً من الكتابة المتمثلة بالحفظ والحفر للمعلومات والمشاهد في عمق الذاكرة. نُشرت “القوقعة” وترجمت فكانت صادمة للعشرات حتى من المعارضين لنظام الأسد ما قبل الثورة، ولكنها على حد تعبير صاحبها “لا تقدم صورة كاملة وشاملة عن فترة حكم حافظ الأسد”، ويعتقد أن رسم ملامح تلك المرحلة يحتاج لمشاركة مجموعة كبيرة جداً من أصحاب التجارب من السوريين الذين عاشوا ظروفاً قاهرة وقوية في ما يمكن تسميته بمملكة الصمت، تلك المملكة التي لم يُقلق سكينتها في العصر الحديث إلا تلك “اللا” التي صدرت يومها أي في سبعينات القرن الماضي، وكانت “لا” كبيرة ومكلفة جداً، وتجربة السجن في سوريا قاسية جداً ورادعة كما يريدها النظام. ردعٌ دفع بعض من عاشها إلى التزام الصمت، وبعضهم الآخر استمروا بالدفاع عن رفضهم وصاروا من نزلاء السجن المتكررين أي أن النظام لم يتمكن من إطفاء شعلة الحرية فيهم، وهؤلاء كانوا “كالقابضين على الجمر” بحسب تعبير خليفة.

في صحراء سوريا، قرب مدينة تدمر كان هناك مع رفاقه من القابضين على الجمر، يتلصص عبر مهجعه، يراقب التحركات ويسجل الأصوات، في سجن ضمّ آلاف المثقفين السوريين وقضى بين جدرانه آلاف آخرون، سبعة وثلاثون مهجعا موزعون على سبع ساحات والساحة صفر ومهاجع وزنازين أخرى لا يُعرف عددها.

الروائي السوري صاحب رواية "القوقعة"، يرى أن ما حدث في ثمانينات القرن الماضي يبدو ضئيلا قياسا بحاضر سوريا اليوم

مسيحي بين الإسلاميين

هناك في السجن الصحراوي حيث شهدت الإنسانية فاجعة كبرى يوماً ما، ولم تزل تفاصيلها الكاملة طيّ الكتمان، سجّلت ذاكرته حكاية الشاب المسيحي الذي كان يدرس الإخراج في فرنسا وعاد إلى الوطن ليعتقل بتهمة إسلامية ويرمى في قلب العاصفة هو المسيحي العلماني بين مجموعة من الإسلاميين المتشددين بمعظمهم، غالب من قرأ “القوقعة” ظن أن مصطفى خليفة هو ذاته البطل، ولكن البطل هو شخص يعرفه خليفة شاركه شخصيته مع مجموعة من تفاصيل شخصيات أخرى، لينتج ذاك المتلصص الصامت.

من عاش تجربة الاعتقال في السجون السورية يعرف معنى كلمات خليفة بدقة، وتلك التجربة تقاس بحسب رأيه بالسنوات وليس بالأسابيع أو الأشهر، و”أعتقد أن من عاشها مهما حاول لن يتخلص من أسر السجن الداخلي، ولكن تلك التجربة إذا أراد لها ألا تكون رادعة عليه أن يعيشها بوعي ويفهم من خلالها أن المراد هو كسر إرادته وعندها سيحاول ألا تكسر هذه الإرادة” على حد تعبير خليفة، الذي يرى أن مسألة إنتاج التطرف وعلاقتها بالسجون كلام يحتاج إلى بعض التفصيل.

ومن المنطقي أنك “إذا ما حاصرت إنسانا وصادرت منه كل شيء حتى دينه فإن لم يكن بمستوى وقدر كبير من الوعي ستكون ردات فعله قاسية وعنيفة وهذا تفسير لا تبرير فيه للعنف الديني، ولا يمكن قبول العنف من أيّ طرف ولذا يتوجب النظر إلى مسألة الإسلاميين بحياد وموضوعية ولا أقصد هنا تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من التنظيمات الجهادية التكفيرية” يختم خليفة.

لذا يرى خليفة أن “تجربة السجون السورية تحتاج ربما لألف رواية ومجموعات قصصية ودراسات كثيرة لتستوفي حقها برأي خليفة الذي يرى أن سبب ضعف مشاركة الإسلاميين في أدبيات الاعتقال رغم تجربتهم الكبيرة والواسعة يعود لسببين موضوعيين الأول يتعلق بمسألة أن اليسار السياسي هو نتاج حركة ثقافية، فغالب المعتقلين اليساريين جاؤوا إلى السياسة من خلفيات ثقافية ولذا فمن السهل عليهم ترجمة تلك التجارب إلى أدب إن كان شعرا أو رواية أو غيرها من طرائق الأدب، ولكن الإسلاميين بالغالب جاؤوا من خلفيات دينية بسيطة هي المسجد أو بأحسن الأحوال على خلفية نصوص دينية سلفية جامدة لا تسمح لهم بالتعاطي مع الأمور الإبداعية، والسبب الثاني وهو سبب بارز على حد قوله، إعدام النظام السوري للصفوف الأولى من الإسلاميين وهم الطبقة النخبة بينهم أي طبقة المثقفين والمتعلمين، وبقي في المعتقلات إما من هم رهائن أو معتقلون بالشبهة لأنهم كانوا على علاقة مثلا بأشخاص من الإخوان المسلمين أو أن أحد أقربائهم من الجماعة أو لأنهم ترددوا على هذا المسجد أكثر من مرة وهذه الفئة لا يمكن لك أن تطالبها بنقل التجربة من الحيز الفيزيائي إلى الحيز الأدبي.

تلك المسألة التي تتعلق بتكوين الانتماءات للمعتقلين داخل السجن تنسحب على المجتمع ككل، فلا يمكن “أن أتعامل مع أيّ شعب على أنه كتلة صماء ومتجانسة، فبطبيعته هناك كتل عديدة واختلافات وآراء عديدة والثورة السورية رغم كل الخلافات الاجتماعية كان الإجماع فيها على التغيير، وهذا المطلب مازال حاضرا وربما يكون الموضوع السلمي تراجع كثيرا وتقدم الموضوع المسلح، ولكن الهدف الرئيس من الثورة هو تغيير الوضع القائم طوال أربعين سنة من حكم آل الأسد” هكذا يربط خليفة بين المعتقل والحالة الثورية وبنية المجتمع التي خبرها في السجن والمجتمع السوري الثائر.

مصطفى خليفة يسجل في السجن الصحراوي حكاية الشاب المسيحي الذي كان يدرس الإخراج في فرنسا وعاد إلى الوطن ليعتقل بتهمة إسلامية ويرمى به في قلب العاصفة هو المسيحي العلماني بين مجموعة من الإسلاميين المتشددين بمعظمهم

جسد من الآلام

ويتابع خليفة تقييمه للمشهد ناظراً إلى السوريين في العصر الحديث على أنهم أكثر من تعرض للأخطار ومن حقهم على المجتمع الدولي حمايتهم ولكن الإرادة السياسية لم تتوفر لحماية المدنيين بعد، ويرى وهو الذي شارك بالإشراف على فرز وتصنيف الخمسة وخمسين ألف صورة لمعتقلين سوريين قضوا تحت التعذيب بهدف اختيار المناسب قانونيا للإعلام، بأن ما يحدث في سوريا من كوارث وآلام وعذابات تراكمت خلال تلك السنوات لو تحوّل إلى جسد مادي ملموس لغطّى كل سوريا.

فإذا ما كان صاحب “القوقعة”، الرواية المؤلمة يقول هذا فكم قوقعة نريد لنغطي ونوثق الحدث بكل ما فيه، يرد خليفة بأن “القوقعة” كانت مهمتها أن تثبت احتواء هذا النظام على بذرة الوحشية والهمجية، ولكن ما تكشّف من قتل وإجرام خلال الثورة جعل تجربة القرن الماضي تبدو ضئيلة ومتواضعة.

هذا القانوني والناشط السياسي منذ شبابه عندما ترك بلدته جرابلس ليعيش في حلب، يتابع مسيرته الاغترابية في فرنسا التي وصلها مؤخرا قادما من الإمارات التي وصلها عام 2006، بعد خروج نهائي من سوريا، يحاول اليوم أن يكمل مسيرة توثيق المشهد الإنساني والسياسي السوري، حيث أنهى كتابة روايته الجديدة التي تحمل في مسودّتها اسم “رقصة القبور”، ولكنها قد لا تشكل صدمة مثل القوقعة إلا أن خليفة يحب هذا الرواية أكثر من “القوقعة”، ويزعم أن أيّ شخص حتى لو كان أجنبياً ولا يعرف سوريا والشرق الأوسط وقرأ “القوقعة” و”رقصة القبور” فهما ستشكلان له مدخلا لفهم ما يجري في المنطقة.

اليوم يقطن خليفة في بيته الهادئ بضواحي باريس، ويتابع بنهم وانتظام تطورات المشهد السياسي السوري ويحلله بعقل بارد على حد تعبيره، ولكنه غير متفائل بالعودة إلى سوريا والعيش فيها ثانية إلا إذا حدثت معجزة، أما عن سجن تدمر والذي دمّر مؤخرا فلو حوّل إلى متحف لما عرف إن كان يملك القدرة على زيارته أم لا، إلا أن الفكرة الرومنسية هذه جالت بخاطره وخاطر زملائه أيام الاعتقال في ثمانينات القرن الماضي.

أما اليوم فكم من السجون علينا أن نحيلها إلى متاحف في بلاد تعج اليوم بعشرات الآلاف من المعتقلين ومن المغيبين قسرياً.

15