مصطفى خليفة يكتب تاريخا متخيلا للصراعات في سوريا

الأحد 2016/09/11
مصطفى خليفة: كتابة المسكوت عنه

يشكّل الخيال إحدى دعائم الكتابة الروائيّة، ليغدو سؤال المتخيل وعوالمه هاجسا روائيا، يمتد من خيارات الشخصيّات المتخيّلة ليصل إلى حد التاريخ وشخوصه، لتعيد الرواية إثر ذلك رسم الحقائق التاريخيّة وتبديل فروضها، ليسرح الخيال في إعادة تكوين ما عرفناه ضمن ظروف ومعطيات جديدة، تتيح طرح تساؤلات وشكوك حول العالم من حولنا بوصفه عرضة للانهيار، فما كان احتمالا مهمّشا في الواقع، يأخذ فعاليته القصوى في الخيال الروائي، ليكوّن سلسلة من الأحداث تستمد مرجعيتها من حياتنا لكنها تتطور لتبني تصورا جديدا لما نعرفه الآن.

ارتبط اسم الكاتب السوري مصطفى خليفة لسنوات برواية “القوقعة” التي يحكي فيها عن الفظائع التي شهدها في سجن تدمر في سوريا الذي بقي فيه ما يقارب ثلاثة عشر عاما، لكن هذا العام نشهد ولادة جديدة لمصطفى خليفة، في روايته الصادرة عن دار الآداب “رقصة القبور” نقرأ جهدا روائيا مغايرا عن ذاك الذي نراه في القوقعة، عملا ينتصر للمتخيّل والتقنية الروائيّة، بعيدا عن الوحشية المرتبطة بالسجن التي كانت في القوقعة والتي تشكل أساسها، لنرى أنفسنا أمام نص ملحميّ يكتب تاريخا بديلا لسوريا، يفترض فيه خليفة تصورات أخرى لمدنها وطبيعتها السياسيّة والاجتماعيّة.

إعادة إنتاج التاريخ

يحكي خليفة بلسان الراوي قصة عبدالسلام، المناضل الاشتراكي، الذي التقى به في المعتقل نتيجة نشاطه السياسيّ السريّ، لتبدأ بعدها حكاية التعرف على أسرة عريقة تعود أصولها إلى خالد بن الوليد، إذ تتوطد العلاقة بين الراوي وبين عبدالسلام، لنقرأ حكايات ثلاثة أجيال من آل الشيخ وطبيعة علاقاتهم ومدينتهم الخالديّة في حلب والكنوز التي يمتلكونها. إثر الصيغة الملحميّة للرواية من الصعب تلخيص حكايتها، إذ تتداخل فيها القصص التي تبدأ أحداثها من زمن الرسول محمد لتصل إلى حد مذابح الأرمن والتاريخ السوري البعثي المعاصر، لتبدو سيرة ملحميّة طويلة تتداخل فيها الأسطورة والسلالة المقدسّة مع السياق الواقعي، إذ نتلمس علاقة هذه الأسرة مع السلطة السياسيّة عبر التاريخ بوصفها سلالة مهمشة ومطاردة منذ بعثة محمد حتى الآن، كذلك نتلمس الظروف الاجتماعية التي نشأت ضمنها وطبيعة العلاقات الطائفية في سوريا قديما وحديثا وارتباطها بالسياسي والديني، ليرسم خليفة المتغيرات والآليات التاريخيّة التي ساهمت في صعود وانحدار هذه الأسرة، وصراعاتها ضد من يحاولون طمسها، إذ شهد أفرادها الإبادة الكليّة عدة مرات عبر التاريخ، ولم ينجُ منهم إلا القليلون الذين أعادوا بناء السلالة وفرض نفوذها.

نتحسس في الرواية حميمية الأسطورة الشعبية وغرائبيتها الجذابة، فمنها ما يمتلك المرجعية الدينية، كالهالة المحيطة بآل الشيخ الذين يمتلك كبيرهم قدرات خارقة أو الكنوز الهائلة الخاصة بهم والتي تنقل عبر الحدود لتخبأ في سراديب سرية، ومنها ما تحضر فيه المرجعية السياسية والمعاصرة

الأسطورة الشعبية

نتحسس في الرواية حميميّة الأسطورة الشعبية وغرائبيّتها الجذّابة، فمنها ما يمتلك المرجعية الدينيّة، كالهالة المحيطة بآل الشيخ الذين يمتلك كبيرهم قدرات خارقة أو الكنوز الهائلة الخاصة بهم والتي تنقل عبر الحدود لتخبأ في سراديب سريّة، ومنها ما تحضر فيه المرجعية السياسية والمعاصرة، كحالة الضابط النازي الذي ساعد “الدكتاتور” في الوصول إلى السلطة وتحكّم بالبلاد من خلف الكواليس، فخليفة يؤسس لعوالم متماسكة كل منها حسب سياقه التاريخي، ثم التبدلات التي تطرأ عليها، فإما تغوص هذه في النسيان وإما تحضر كمحرك لمخيّلة الشخوص والأفراد كحضور الشيخ في المعتقل بوصفه من أهل الخطوة وتنقلاته بين وعي وأحلام من حوله.

الأساطير الشعبية في الرواية أتاحت لخليفة مساحة لبناء حبكات فرعية وقصص هامشيّة لشخوص سيلعبون دورا محوريا لاحقا إما في دفع الحدث التاريخيّ، أو في بناء العلاقات الأسرية التي تمتد حتى بين الشعوب المختلفة، كزوج إحدى بنات الشيخ من ضابط عثماني بأمر من الرسول محمد الذي جاءها في الحلم، ليتسرب لنا لاحقا الرأي المضاد، ضد الأسطورة وتفسيرها العقلاني على ألسنة الغرباء عنها والمشككين بها، الذين ينفون القدسيّة عن هذه الحكايات للتشكيك في تاريخيتها وحقيقتها، كمعادل لموقف خليفة نفسه الذي يعيد تشكيل “سوريا” عبر تاريخ متخيّل.

طاغية جديد

موضوعات الطائفية والدكتاتورية تحضر في الرواية بوصفها جزءا تاريخيا من سوريا، إذ نقرأ عن آل الشيخ وصراعهم مع الأقليات التي تستلم سدّة الحكم، كذلك مع الأقليات الأخرى التي تصاهرها كحالة عبدالسلام ومارال، فالاختلاف الطائفي بينهما يشعل الخلاف الاجتماعي، الذي يصل إلى حد الأذى الجسدي الذي يطالهما من قبل المتعصبين، إذ نقرأ أن أحياء بأكملها مستعدة لقتلهم، بوصف الزواج المختلط “تابو” لا يمكن تجاوزه حتى في البناء المتخيّل لسوريا، كذلك نقرأ الصراع مع السلطة الدكتاتوريّة بقيادة حزب عبدالسلام الاشتراكي، والذي يصل إلى حد الكفاح المسلح ضدها بعد قمعها لثورة الإسلاميين، لكن هذا الكفاح ما يلبث أن يفشل نتيجة شدة قوة الدكتاتور، فالمرجعية الجديدة التي يرسمها خليفة لأصل الصراع مختلفة عن تلك الواقعيّة، بالرغم من أنها تشابه ما حصل في سوريا في الثمانينات من القرن الماضي، لكنه يفترض أساسا آخر يعود أيضا إلى تاريخ سحيق من المجازر والقمع والتهميش المرتبط بالعلاقة بين الأغلبيّة والأقليات، فهو يزيح عبر الخيال الأحداث عن واقعيتها ليفترض ظروفا جديدة وتاريخا جديدا، مؤسسا لميكانيكية جديدة لعمل التاريخ وتطوره، لنقرأ نتائج مشابهة لما عرفناه، وكأن المنطقة محكومة قدريا بالصراع، ببساطة لأنها أرض ثلاثة أنبياء كما قال عبدالسلام.

ملحمة روائية وليدة عوالم السجن

السجن كمختبر بشري

فضاء السجن في الرواية يقارب مختبرا للجسد البشري من جهة، وللطبيعة البشريّة من جهة أخرى، حيث يُعاد تكوين وتشكيل العلاقات في داخله، فكما الراوي وعبدالسلام تحوّلا إلى إخوة نتيجة ما حدث في السجن، نقرأ العكس في تجربة عبدالسلام وزوجته مارال حين سجنا، إذ خلقت تجربة السجن بينهما فجوة يصعب ردمها، وكأن السجن والقمع الذي فيه مختبران لمقياس شدّة التواصل بين الأفراد، حيث يعاد تكوين العلاقات الإنسانيّة وتختبر متانتها إلى الأقصى، وعلى النقيض، تحوي الرواية الفضاء المعاكس أو السجن الطوعيّ، وهو “الخلوة” التي يلجأ لها عبدالسلام ليتأمل ويقرأ، وكأن فضاءات “الحبس” تعيد التأسيس لحضور جديد مختلف عمّا قبله، عبر طرح التساؤلات من جهة، والمكاشفة مع الذات والآخر، لتتعرى فيها هذه الذات أمام نفسها وغيرها متلمسة مواطن القوة والضعف فيها، كأنّها تولد من جديد، ففي السجن قسوة القمع هي التي تشكّل الدافع للتشكيك والتفكّر، في حين أن قسوة الوحدة والانعزال في “الخلوة” هي التي تثير التساؤلات حول الكون والذات.

الجنس في “رقصة القبور” إلى جانب دوره الشبقي يحضر كمحرك للفعل التاريخي أحيانا أو مصدرا للأسطورة ، لنرى أنفسنا أمام بعض الشخصيات التي تتحول إلى كائنات شبقيّة، تنساق وراء اندفاعاتها، لتتحرك بتأثير سطوة اللّذة كعبدالسلام الذي يقع في حب مريم ويحاول اللحاق بها إلى يوغوسلافيا بوصفها حبه الأول، ما يدفعه في إحدى اللحظات إلى التشكيك في ولائه لمارال خطيبته، كذلك الراوي الذي يعشق لميس التي تأسره بألاعيبها وأفكارها التي تعادي مؤسسة الزواج والالتزام بكل أنواعه، كما نراه يأخذ شكلا آخر لدى الألماني الذي يبحث عن أجساد النساء الخالية من الشعر، إذ خسر زوجته وعمره وهو يسعى إلى معاينة أجساد نساء آل الشيخ، هوس أصله الجنون، إذ لم يفلح أبدا في تحقيق غايته، لتتحول حياته إلى فانتازم أيروتيكي في سبيل تلك الأجساد العارية.

الحميمة التي يكشف لنا الراوي تفاصيلها الأشد خصوصيّة، تجعله يتجاوز دوره كشخصيّة، ليضحي كليّ المعرفة بما يحدث وبما تمر به الشخصيات سواء تاريخيا أو حاليا، ليتبدلّ دوره بين شخصيّة تحاول التغلغل في عوالم أسرة آل الشيخ، وبين راو يعلم كلّ شيء، فمن كان في لحظة غريبا عن هذه السلالة، دخل في ما يشبه طقوس التعميد “المعاصر”، ليتآخى مع أبنائهم ويقاسمهم ثروتهم، ليتحول في ذات الوقت عبر فعل التدوين نفسه إلى راو عارف يتجاوز قدرات الشيخ “الخارقة”، ممارسا دور المؤرخ في مواجهة النقيض له، أصلان، الغريب الآخر، الذي يشكك في تاريخ الأسرة، بل ويشي بعبدالسلام الذي يسجن بسببه، فنحن أمام حكاية دخيلين في ظل أسرة آل الشيخ العجائبيّة.

يحكي مصطفى خليفة في بداية الرواية قصتها، كيف كتب الفصل الأول منها في السجن، ثم تمت مصادرته، ثم شكّه بقدرته على إعادة كتابة الرواية بعد مغادرته للسجن، كما يحكي عن تفاصيل إعادة كتابتها خارج المعتقل، ويشير إلى أن سؤال “ماذا لو؟” الذي اعتمده في تكوين عوالم الرواية، لنطرح نحن أيضا كقراء، ذات السؤال الذي طرحه خليفة، “ماذا لو لم يولد حافظ الأسد؟ ماذا لو مات صغيرا؟.

كاتب من سوريا

13