مصطفى عيسى تعبيري يرسم ما لم نره

كل ما يصوره التشكيلي المصري من وقائع يومية يبدو بمثابة ذريعة للرسم، فما يهمه فعلا أن يصل إخلاصه لتجليات المادة إلى المستوى الذي يؤهله لاقتناص فرص تصويرية ليست متاحة.
الأحد 2019/06/09
مصطفى عيسى يبحث عن وجوهه الضائعة

 كما لو أنه قرر أن تستأنف كائناته حياتها من لحظة غياب يمزج مصطفى عيسى طريقته المتأملة في النظر إلى السطح بما ينبعث من أعماق ذلك السطح الخشن من ذكريات، هناك حيث يمكن لكائناته النافرة أن تقيم.

يبدو كل ما يصوره من وقائع يومية بمثابة ذريعة للرسم. ما يهمه فعلا أن يصل إخلاصه لتجليات المادة إلى المستوى الذي يؤهله لاقتناص فرص تصويرية ليست متاحة. لذلك نراه يستجيب طوعا لسلوك المادة، وهنا بالضبط يكمن مبدأ حريته رساما. إنه يتحرر من المعنى الجاهز لمفهوم الرسم ليصل إلى الينابيع التي تنبعث منها أبخرة الأشكال الحيوية، وهي الأشكال التي تشير إلى تمسكه بتشخيصية غائمة تشف عن نزعة تجريدية متأصلة.

شقاء الرسم والصورة

ولأن الرسم لديه يبدأ من الممارسة المباشرة من غير وصفات مسبقة فإن مصطفى لا يراهن على نتيجة بعينها. فهو لا ينتظر وصفا لحالته الشعورية وهو لا ينتظر أيضا أن يتطابق الشكل الحيوي الذي يظهر حييا بين طبقات السطح مع شبحه التصويري الذي لم يكن إلا إلهاما.

الصورة لدى هذا الرسام هي ما تبقى منها بعد تجربة علاجها المختبري. الصورة هي الأخرى تشقى مثلما يشقى الرسام تماما. لا يشفى أحدهما من الآخر إلا حين يكتمل السطح بطريقة مجازية.

ذلك لأن العناية بالسطح هي آخر ما يفكر به عيسى. وهي عناية يمكن أن تمارسها المواد بطريقة عفوية، كأن تسيل الصبغة أو يتجمد الصمغ أو يكف الإسمنت عن الامتصاص.

الطبيعة تملي شروطها على يد الرسام التي لا تكف عن تخيل مصائر الأشياء في ذروة تخليها عن ماضيها.

في هذه النقطة بالذات تتاح للرسام المصري أن يستذكر ماضيه رسام مشاهد طبيعية وبيئية وشخصيات، لم يكن حريصا على شبهها إلا بطريقة استفهامية. كأن يتحدى الرسام موهبته ليحول بينها وبين ما يمكن أن تنجزه تعبيريا. كان هناك دائما شيء من الصمت يقف بين الشيء وصورته، بين الصورة وبين ما تمثله، بين الشبه الذي تظهره المرآة وما يقع من خيال ذلك الشبه على العين.

يمتحن عيسى من خلال الرسم قدرته على الانحراف بإلهامه عن طريقه. هذا رسام لا يهوى المشي على الطرق المعبدة.

ولد عيسى عام 1955 في كفر الدوار بمحافظة البحيرة بمصر. أنهى عام 1979 دراسة الرسم في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان. نال عام 1993 شهادة الماجستير من جامعة الإسكندرية وكان موضوع أطروحته “العلاقة بين المصور والمتلقي في فن التصوير المصري المعاصر”. حصل على شهادة دكتوراه في فلسفة الفن وكان موضوعها “استلهام رمزية الحلم في فن التصوير المصري المعاصر”. أقام أول معرض شخصي لرسومه عام 1994 وذلك في كلية التربية بدمنهور. ما بين عامي 2002 و2015 عمل في مركز الفنون البصرية في قطر باحثا ومنشطا فنيا.

فنان بمزاجين

عيسى وهو يرسم وجوهه بمهارة مدرسية فائقة يرغب في أن يزاوج بين عالمين يعيش فيهما بالقوة نفسها. وهي قوة معرفية وحدسية في الآن نفسه.
عيسى وهو يرسم وجوهه بمهارة مدرسية فائقة يرغب في أن يزاوج بين عالمين يعيش فيهما بالقوة نفسها. وهي قوة معرفية وحدسية في الآن نفسه

أقام أكثر من 15 معرضا شخصيا في مصر كما شارك في عشرات المعارض الجماعية داخل مصر وخارجها. وباعتباره باحثا جماليا فقد أشرف على تنظيم عشرات الندوات الفنية ووضع محاور النقاش فيها. صدر له عام 2001 كتاب “الحلم في التصوير المعاصر” ضمن سلسلة “آفاق الفن المعاصر” التي تصدر عن وزارة الثقافة. كتب عشرات المقالات عن فنانين مصريين رواد وفنانين عرب معاصرين ونشرها في كتب ذات طابع جماعي أو في مجلات فنية.

عيسى هو رسام وناقد. ما الذي يعنيه ذلك؟ سبقه إلى تلك الصفة المزدوجة السعودي عبدالرحمن السليمان والسوري أسعد عرابي والبحريني عباس يوسف والمصري عزالدين نجيب والتونسي خليل قويعة وآخرون. وهي صفة تضع المرء في مكان غير مريح. ذلك لأنها تُكسبه مزاجين متناقضين؛ مزاج الرسام ومزاج الناقد. بالنسبة لعيسى وهو أكاديمي محترف فقد كانت الحدود واضحة. البحث الفني كان مهنة، لها شروطها المحددة وقوانينها الواضحة أما الرسم فإنه مغامرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها أو معرفة إلى أين تقود. كان عيسى واضحا مع نفسه وهو يتنقل بصدق وإخلاص بين الرسم والكتابة. فالكاتب لا يعرف الرسام والعكس صحيح أيضا.  

لا يكفي وصف عيسى برسام وجوه للتعبير عن الفكرة. وجوهه التي تظهر بطريقة واضحة ليست الهدف، وهو ما حاول الرسام أحيانا أن يصرح به حين كان يبعدها عن مركز اللوحة من غير أن يكون مضطرا إلى القيام بذلك.

ربما فكر في أن يحتفي بالوجوه التي يرسمها بطريقته الخاصة. وهي طريقة تقدم الرسم على كل شيء سواه. فمن خلاله يمكن أن يكون الوجه واحدة من مفردات الصنيع الفني. لنقل إنها المفردة التي استدعت المفردات الأخرى لتشارك في حفلة، لم تقم إلا من أجل الوجه المرسوم.

خبرة الرسم

الطبيعة تملي شروطها على يد الرسام التي لا تكف عن تخيل مصائر الأشياء في ذروة تخليها عن ماضيها
الطبيعة تملي شروطها على يد الرسام التي لا تكف عن تخيل مصائر الأشياء في ذروة تخليها عن ماضيها

يجتهد الرسام في حفرياته بحثا عما هو ضروري ليؤكد من خلاله أهمية فكرته عن الوجه الذي يقوم برسمه. سيكون هناك الكثير من الحواشي والهوامش والتعليقات ولكنها جميعا تقع في جوهر التعبير عما رآه الرسام في أعماق الوجه. وهنا يتماهى عيسى مع تجريدياته تعبيريا.

هل ينقب الرسام في طبقات السطح بحثا عن وجه ضائع أم أنه يتخذ من وجه يعرفه مرآة تعينه على النظر إلى يده وهي ترتجل على السطح أشكالها؟

كما أرى فإن عيسى وهو يرسم وجوهه بمهارة مدرسية فائقة يرغب في أن يزاوج بين عالمين يعيش فيهما بالقوة نفسها. وهي قوة معرفية وحدسية في الآن نفسه. عالم ما قبل الرسم، حيث يكون الوجه هو الشيء المدرك الوحيد بصريا وعالم ما بعد الرسم، هناك تتآمر العناصر من أجل الإطاحة بالوجه لتشق طريقها في اتجاه عالم ثالث، يتخلى الوجه فيه عن قوة مركزيته.

في خضم ذلك الصراع، يبدو الرسام منصفا في توزيعه الأدوار بين ما رآه وبين ما لم يره بعد. سيحفظ للوجه ملامحه كما هي. يعمل بضنى على أن يصنع قالبا من ذلك الوجه ليهبه مساحة من سطح اللوحة، غير أنه في ما بعد سينساه منشغلا بإيحاءاته، التي قد لا تكون انعكاسا فوريا لما أوحى به الوجه فعلا.

في حقيقته فإن الرسام يترك الوجه جانبا ليرسم. الرسم يبدأ بعد الوجه. سيحق للرسام أن يقول “لقد رسمت ما رأيته” غير أنه في حالة مصطفى عيسى لن يقول تلك الجملة إلا من أجل الهروب من لغة ما لا يُفهم. لقد رسم عيسى ما لم يره.

كما لو أن المنسيات حقائق

الصورة لدى مصطفى عيسى هي ما تبقى منها بعد تجربة علاجها المختبري
الصورة لدى مصطفى عيسى هي ما تبقى منها بعد تجربة علاجها المختبري

يقيم في حلمه ليرسم. هو صنيعة أحلامه. في الرسم يعيد صياغة أحلامه. يحلمها مرة أخرى، وهو يمر بها على شاشة يقظته. تساعده الأحلام على ابتكار تقنية، تتداخل من خلالها المرئيات كما لو أنها حين تنفصل وتتصل تفعل الشيء نفسه.

أشكاله الطالعة من الأحلام لا تخفي رغبتها في الانغماس في الحياة الواقعية. وهو ما يدفعه إلى تجزئة الصورة عموديا، وهو ما يعينه أيضا على القبض على ما يتسلل من تلك الأشكال من لاوعيه إلى وعيه. وهو في ذلك إنما يسعى إلى استدراج أحلامه إلى عالم، يكون من اليسير فيه أن تتحول تلك الأحلام إلى مادة مرئية، يعتد بها في عملية تغيير طريقة النظر إلى الأشياء.

شيء من لذة الرسم أن يكون أخلاقيا
شيء من لذة الرسم أن يكون أخلاقيا

من وجهة نظري فإن الرسام الذي يهمه أن يرى العالم بطريقة مختلفة، طريقة تذكر به إنما يسعى إلى تكريس الجانب الشخصي في عملية الرسم، وهو الجانب الذي يسخر من أجله كل ما يقيم في أعماقه من رؤى، هي خلاصة حياته السرية. أما كان في الإمكان أن يجره تشريح حياته داخل الحلم إلى أن يكشف عن نزعة سريالية، كان دائما يعبر عن إعجابه بروادها في مصر؟

أعتقد أن عيسى وهو الذي مارس الكتابة ناقدا فنيا يعرف أكثر من سواه من الرسامين أن اختراق الحدود بين الأساليب الفنية ممكن، لكن بشرط توفر القاعدة التي يمكن أن تقف عليها تلك الأساليب بطريقة متوازنة. وهو ما لا يمكن التحقق منه بيسر.

غير أن إخلاص مصطفى لنهجه التعبيري وقف دائما أمام انتقاله إلى أسلوب آخر، لن يجد فيه ما يؤثث فضاءه النفسي بما يشبع رغباته، وهي رغبات لا يطغى عليها طابع الانقلاب، بقدر ما تتبع بهدوء انفعالا حزينا لن يقوى الرسام نفسه على مقاومته.

في الرسم كما في الحياة يبدو مصطفى عيسى متكتما.

هناك حيوية يسعد بها غير أنها تظل مقيمة في الحدائق الخلفية للمشهد. لذلك فإن ما يظهر على سطوح لوحاته، إن كان مستلا من عالم اليقظة أو مستلهما من عالم الحلم لا يمكنه أن يحرج أحدا. بالنسبة لمصطفى فإن الرسم لا يقع في الفضيحة بل في المغامرة التي تمنع وقوع تلك الفضيحة.

شيء من لذة الرسم أن يكون أخلاقيا.

Thumbnail
9