مصطفى لغتيري: الإبداع المغربي قادم بقوة

في مرحلة من تاريخ الأدب المغربي عرف المغرب بنقاده، وراجت أسماؤهم في المشهد الأدبي العربي، حتى أن بعضهم لقب المغرب ببلد النقاد، لما قدمه من أسماء لامعة على المستوى العربي، لكن الأمور تتغير الآن فقد أصبح الإبداع المغربي يحاول جاهدا كسب موطئ قدم في الساحة الأدبية العربية، والمتابع لما يُكتب اليوم في المغرب يلامس ملامح تجارب كتابية متنوعة في مختلف أجناس الكتابة، رغم أن الرواية هي الأكثر حظا من باقي الأجناس الأدبية في هذا الصدد. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب والروائي المغربي مصطفى لغتيري حول تجربته وواقع الثقافة في المغرب.
الأربعاء 2015/09/02
أعتبر أن تداخل الأجناس إفقار للأدب فالشعر شعر والقصة قصة والرواية رواية

مصطفى لغتيري قاص وروائي مغربي بارز، له العديد من المؤلفات في القصة والرواية والنقد، وهو رئيس الصالون الأدبي المغربي سابقا وعضو اتحاد كتاب المغرب، كما يعدّ من رواد الجيل الثالث من القصاصين المغاربة والعرب.

حصل على عدد من الجوائز منها جائزة النعمان الأدبية من لبنان، جائزة الثقافة بلا حدود من سوريا، جائزة دار الحرف للرواية من المغرب، يتميز بإنتاجه الأدبي الغزير الذي وصل إلى 12 رواية ومجموعة قصصية، من أبرزها “ليلة أفريقية”، “تراتيل أمازيغية”، “حب وبرتقال”، “أحلام النوارس”، فضلا عن عدد من الكتابات النقدية.

مؤخرا صدرت له عن دار الأدب رواية بعنوان “الأطلسي التائه”، التي يطرق فيها باب التصوف من خلال أحد أعلامه، القطب الصوفي “أبي يعزي الهسكوري”، والمعروف في المغرب بمولاي بوعزة، ومن خلالها تناول الفترة الانتقالية في تاريخ المغرب، والتي شهدت انتقال السلطة من يد دولة المرابطين إلى دولة الموحدين، عن روايته الجديدة ومشاريعه المستقبلية وقضايا أخرى كان لنا معه هذا الحوار.

الأطلسي التائه

يتحدث مصطفى لغتيري عن روايته الجديدة “الأطلسي التائه”، التي تناول فيها شخصية القطب الصوفي الشهير “أبي يعزى الهسكوري”، قائلا “لقد سكنتني هذه الرواية، لمدة أكثر من أربع سنوات، وأنا أقلبها في ذهني من شتى الجوانب، فمنذ أن اطلعت على كتاب حول مناقب الأولياء الصالحين في المغرب استوقفتني بكثير من الاهتمام شخصية “أبي يعزى الهسكوري” أو “أبي يعزى يلنور” أي صاحب النور، فأثار فضولي هذا الرجل المتصوف، فأخذت أبحث عن تفاصيل حياته، لكن للأسف لم أجد ما يستحق الاهتمام، عدا أنه كان أسود، وكان أمازيغيا ونباتيا أو أنه تنقل في البلاد ليتتلمذ على الفقهاء والمتصوفة، حينذاك راودتني فكرة إعادة بناء حياته بما ينسجم مع هذه المعطيات القليلة، فعدت إلى العصر الذي عاش فيه وقرأت عنه ما يكفيني لخلق الفضاء الذي سيتحرك فيه أبو يعزى الهسكوري، وهكذا ظللت لمدة طويلة أقلب حياته في ذهني حتى نضجت فصببتها متتالية على الورق”.

وعن الحفاظ على حبل التشويق في الرواية، يلفت لغتيري إلى أنه انشغل في الرواية بالإنسان وحكاياته، ولم يكن التاريخ سوى ذريعة لصوغ الحكاية، لذا كان التشويق على أشده مرتبطا بحكاية هذا الإنسان، الذي حارب النفس وأهواءها وأحب البشر من حوله، وسعى في دروب البحث عن الذات الإلهية دون تعصب ولا ادعاء، كاشفا عن ضعفه الإنساني، الذي أبرزت في الرواية أنه جزء أصيل منا وعلينا أن لا نخشاه، وأن التدين لا يتناقض أبدا مع حب الحياة بشكل لا يسيء إليها وإلينا.

لغتيري انشغل في الرواية بالانسان وحكاياته

ويضيف “إنها وإن كانت حكاية أبي يعزى الهسكوري، فهي في حقيقة الأمر حكاية الإنسان في كل زمان ومكان، لذا لا بدّ أن يشعر القارئ بانجذاب إليها وتعاطف مع شخصيتها”.

ويبيّن لغتيري بأن الكتابة عن العصر الذي انتقل فيه الحكم من الدولة المرابطية إلى الدولة الموحدية في رواية “الأطلسي التائه” فرضته الشخصية التي عاشت في تلك المرحلة الانتقالية.

وعن ميله الواضح لتناول الموضوعات التاريخية في أعماله الأدبية يوضح لغتيري أنها مسألة اختيار، فالكتابة الروائية تتألق حين تكتب عن الهامشي واللامفكر فيه، ما يجعله يحاول التنقيب في رواياته عن موضوعات غير مطروقة، لكنها تهم بشكل عميق الإنسان المغربي والعربي والإنسانية عامة، والجانب التاريخي جزء من هذا التناول.

ويتابع: في “تراتيل أمازيغية” مثلا كنت دائما أنظر بعين الغبطة إلى اعتزاز المصريين بتاريخهم القديم قبل الإسلام وأقصد تحديدا التاريخ الفرعوني، وإلى العراقيين بالحضارة البابلية والآشورية، فتملكني الطموح إلى الكشف عن حضارة المغرب الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ووجدت في مملكة أمازيغية ازدهرت بالمغرب قبل دخول العرب والإسلام إلى البلد ضالتي، وقد صورتها وهي تحارب الدخيل الأجنبي، المتمثل في الاحتلال الروماني، الذي بسط نفوذه على الثغور المغربية الشاطئية بالخصوص في ذلك الحين، ومما زاد الرواية ألقا في أعين القراء أن هذه الحرب التحريرية تمت بتحالف أمير أمازيغي مع أمير أفريقي، مما يؤشر على البعد الأفريقي للهوية المغربية وتعايش أبعاد عدة في ثقافتنا دون تنافر أو صراع.

ويعتبر لغتيري أن قضية الأدب الأولى هي الأدب نفسه، بمعنى أن ما يتعين على الأديب أن ينشغل به هو تقديم نص مقنع من الناحية الفنية أي من حيث تقنيات الكتابة، والأدب بطبيعة الحال حمال مضامين، مستطردا “نظرا لقناعاتي الفكرية والثقافية أحرص على أن تعبر كتاباتي عن بعض ما أومن به من قضايا، لكنني أحاول التعبير عن ذلك بشكل غير مباشر أي عبر التلميح لا التصريح”.

قصور الذاتية

وعن حرصه الدائب على سلاسة اللغة في أعماله الأدبية، يقول لغتيري “لقد وعيت منذ البداية أن الأجناس الأدبية تتميز بفروق دقيقة في ما بينها، وأن لغة كل جنس أدبي لها ما يميزها، وقد اتخذت موقفا من تداخل الأجناس، واعتبرته إفقارا للأدب، فالشعر -في رأيي المتواضع- شعر والقصة قصة والرواية رواية، لذا حين أكتب الرواية أحرص على توظيف لغة تحافظ على سرديتها وموضوعيتها وحيادها، دون أن تفرط في سلاستها وجماليتها ورشاقتها طبعا، ولعل هذا ما يجعلها تجد إقبالا لدى القارئ”.

وعن الأفق الذاتي في أعماله الأدبية يشير لغتيري إلى أنه من الكتاب الذين يعتبرون الذاتية عيبا في الكتابة، فانطلاقا من توجه معين يؤمن بأن الكتابة خفق، أي أن الكاتب الحقيقي هو الذي ينأى بنفسه عن البوح والتداعيات، ويجتهد بالمقابل في خلق عالم مستقل بشخوصه وفضاءاته وأحداثه المتخيلة، فمن الممكن للكاتب أن يوزع “أناه” على شخصياته، لكن دون أن يتفطن القارئ إلى ذلك.

الكاتب حين يغترف من ذاته يكرر نفسه في كتبه

ويتابع: الذات لن تعدم طريقة للتسرب إلى ما نكتبه، لكن علينا الحرص الدائم على إبعاد شبحها عن إبداعنا، فآخر ما يتمناه القارئ هو أن تستعرض عليه نفسك دون لزوم لذلك، فالكاتب حين يغترف من ذاته، سيكرر نفسه في كتبه، وسيأتي عليه حين من الدهر سينضب معينه، كما أنه يؤشر بكتابته عن الذات بأن خياله قاصر، ورأسمال الكاتب هو خياله.

وانتقالا للحديث عن اهتمامه بقضايا المرأة خاصة في عمليه “امرأة تخشى الحب”، و”حب وبرتقال” يوضح لغتيري أنه يؤمن بأن المرأة كائن مستقل، كائن مفكر، وقادر على القيادة، وقد يكون العالم أفضل إذا ما آلت أموره إلى نسائه، مضيفا: ربما أكون قد تأثرت في حكمي على المرأة من معايشتي وحبي والدتي التي كانت عاملة، وحرصت على تعليمي وتربيتي بشكل أرضاني كثيرا، وقد أشرت إلى كل ذلك في السيرة الروائية “حب وبرتقال “التي كتبت فيها عن أمي.

وردا على من يرى أن المرأة أقدر على الكتابة في قضاياها من الرجل يقول لغتيري “بالطبع تتميز المرأة الكاتبة، ولو نظريا، بالقدرة على الكتابة على مواضيع لا يستطيع الرجل ملامستها بنفس العمق، نظرا لتجربتها الحياتية المميزة، لكن تبقى الكتابة في نهاية المطاف تفعيلا للخيال المنتج، وقد يكتب الرجل عن المرأة بشكل مدهش، وغير متوقع، وهذا ما يقوله بعض القراء عن روايتي “امرأة تخشى الحب”.

السينما والأدب

رغم العلاقة القوية التي تربط بين السينما والأدب في كثير من البلدان العربية إلا أن الحال يختلف في المغرب، وعن هذا يقول لغتيري “للأسف ابتلينا في المغرب بسنيمائيين تنقصهم على العموم الاحترافية والضمير المهني، فالمخرج للأسف يسعى إلى القيام بكل شيء حتى لا يفرط في فلس من أموال الدعم، فيكتب السيناريو والحوار، بل ويسعى إلى أن يكون ممثلا في فيلمه كذلك، كما أن الجشع يحكم علاقته بباقي المتدخلين، ولك العبرة في ما حدث لي شخصيا، فقد كتبت رواية “أسلاك شائكة” تناولت فيها مشكل الحدود المغلقة بين المغرب والجزائر من الناحية الإنسانية، ونشرتها في المغرب وسوريا، وبعد ذلك عمد مخرج إلى تحويلها إلى فيلم سماه “الوشاح الأحمر” بعد توقيع عقد معي، أتوفر على نسخة منه، إلا أن هذا المخرج تنكر لمجهودي في كتابة الرواية، فقدمت شكاية في الموضوع للمركز السينمائي المغربي وراسلت وزير الاتصال المشرف على القطاع، خاصة وأن الفيلم استفاد من دعم مادي سخي، لكنني لم أتلق أي ردّ إلى حدّ الآن، بل تلقيت تهديدا عبر الهاتف من المخرج.. إنه فعلا وضع مخجل للغاية”.

وعن المشاريع المستقبلية لتحويل أحد أعماله إلى عمل درامي أو سينمائي، يشير لغتيري إلى أنه باقتراح من صديق سيناريست تم تحويل رواية جديدة اسمها “زنبقة المحيط” ستصدر قريبا وهي رواية بوليسية إلى دراما تلفزيونية، متمنيا أن يكون مصيرها أفضل من مصير “أسلاك شائكة”، وقد قدمت إحدى شركات الإنتاج المشروع لتلفزيون مغربي، وهو بانتظار نتيجة لجنة الموافقة على الأعمال التلفزيونية.

الإبداع المغربي

وعن مدى قدرة الرواية المغربية على تجاوز حدود المغرب يلفت لغتيري إلى أن المطلع على الجوائز الأدبية الخاصة بالرواية مثلا، سيلاحظ حتما أن الرواية المغربية تحقق نجاحا مطّردا، رغم أن جميع النصوص المغربية لا ترشح للجوائز العربية، خاصة تلك التي تطبع في المغرب. ويضيف “الإبداع المغربي قادم بقوة، وأتوقع أن يشكل مدرسة خاصة في الإبداعية العربية، لأن المجهود الكبير الذي بذله المغاربة في كتابة القصة القصيرة على الخصوص بدأ الآن يعطي أكله على مستوى الإبداع الروائي”.

المرأة كائن مستقل وقادر على القيادة

ويشدد لغتيري على أنه لا يعتقد بوجود أزمة إبداع في العالم العربي قائلا “في هذا المجال أجزم بأن هناك كثيرا من الأحكام المسبقة التي تحتاج إلى كثير من التمحيص، فالإبداع متوفر بكثرة مربكة عكس ما هو رائج لدى الناس من انطباع، حتى أن دور النشر لا تستطيع الاستجابة لكل ما ينتجه المبدعون، ففي المغرب مثلا أكبر عدد من الكتب يطبعه الكتاب على نفقاتهم الخاصة.

أما بخصوص القارئ فهو متوفر، فقط يتعين أن نوصل إليه الكتاب، فللأسف توزيع الكتب وثمنها غير مشجعين، وأظن أنه يجب إعادة النظر فيهما، فإذا أردنا أمة قارئة نفاخر بها باقي الأمم، فلا بديل عن الدخول في مشاريع ثقافية كبرى تطبع الكتب ملايين النسخ وتوزعها بأثمان رمزية، حتى تكون في متناول الجميع، فأمة لا تقرأ لا مستقبل لها، ومحاربة الفكر المتطرف لا تتمّ إلا بإشاعة الفكر المتنور، الذي تعدّ الروايات مصدرا من مصادره”.

وعن الحركة الثقافية في المغرب في الفترة الراهنة يؤكد لغتيري أن هناك حركة ثقافية ملفتة، وأن هناك جيلا شابا يأخذ الأمور على محمل الجد، يراكم ويكتب، ويناقش ويؤسس جمعيات ثقافية، كما أن هناك كذلك مجهودا دشنته وزارة الثقافة بخصوص النشر يتمنى أن يتم تطويره باطّراد، وأن يستعيد اتحاد كتاب المغرب حيويته وبريقه الذي فقده في الفترة الأخيرة، لكي يصبح بحق بيتا رمزيا لكل الكتاب المغاربة.

الحركة النقدية

وفي ما يتعلق بالحركة النقدية في المغرب يقول لغتيري “الحركة النقدية تعاني للأسف من نوع من الخمول، الذي طالها بعد فترة ازدهار ملحوظة، فتقريبا نفس الأسماء ظلت مهيمنة، مع ظهور نسبي لبعض الأقلام الجديدة، التي تحاول شق طريقها في درب صعب وشاق، أظن أن الحاجة أضحت ملحة لظهور هيئات نقدية، حتى تبتعد عن الفردانية والارتجال، فالمجهودات الشخصية لم تعد قادرة على إعطاء أكلها، فلا مناص من عمل مؤسساتي، يعيد للنقد بريقه، الذي ما فتئ يفقده تدريجيا.

وعن مشاريعه المستقبلية يقول “لديّ كتابان سيصدران قريبا، وهما عبارة عن روايتين، وكنت أخطط لكتابة رواية عن شخصية مغربية أثرت في تاريخ المغرب الحديث خاصة خلال فترة الاستعمار الفرنسي للبلد، وقد ساهمت بشكل فعال في حصول البلد على استقلالها، لكن ظروفا صعبة مررت بها خلال هذا الصيف جعلتني أؤجل المشروع إلى وقت لاحق”.

15