مصطفى مدبولي رئيس حكومة مصرية جديد مهمته بناء الحجر والبشر

مدبولي تنتظره ملفات شائكة، منها ما أكده السيسي أمام البرلمان مؤخرا، تتعلق بخطة بناء الإنسان. كيف يتم بناء الإنسان ولا تلتزم الدولة بتخصيص النسب التي أقرها الدستور لمخصصات التعليم والصحة في موازنتها العامة؟
السبت 2018/06/09
مدبولي شخصية تتسم بالهدوء

تشير الكثير من الملامح الحالية في مصر إلى أن البلاد قد بدأت تستعد لدخول مرحلة جديدة، بعد أداء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي اليمين الدستورية أمام مجلس النواب، في 2 يونيو الجاري، لولاية ثانية مدتها أربع سنوات، أعقبتها تصريحات مهمة له تفيد بأن فترة رئاسته الثانية سوف تشهد تحولا نوعيا في الأولويات، يتمثل في التركيز على بناء الإنسان المصري.

ووسط استنتاجات مختلفة، جميعها تشير إلى عدم الرغبة في التغيير على المستوى الإداري، جرى يوم الخميس الماضي تكليف المهندس مصطفى مدبولي وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية في حكومة شريف إسماعيل التي قدمت استقالتها، بتشكيل حكومة تقود المرحلة المقبلة، والتي تقع على عاتقها مهمة تنفيذ طموحات السيسي الجديدة.

تنتظر مدبولي ملفات شائكة، منها ما أكده السيسي أمام البرلمان مؤخرا، تتعلق بخطة بناء الإنسان. كيف يتم بناء الإنسان ولا تلتزم الدولة بتخصيص النسب التي أقرها الدستور لمخصصات التعليم والصحة في موازنتها العامة؟

جدوى وشكوك

يحتاج بناء الإنسان إلى الحفاظ على مستوى دخل يعزز قدرته الشرائية لتلبية احتياجاته، في الوقت الذي يحبس الناس أنفاسهم لاستقبال موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، وهو التحدي الذي يسعى مدبولي لموازنته، كي لا يزداد سخط المواطنين على حكومته نتيجة ما تم اتخاذه من قرارات اقتصادية صعبة قبل تشكيل حكومته.

اختيار مدبولي الذي برع كمهندس معماري، كشف أن بناء الحجر سيستمر، لكن سيضاف إليه وبالتوازي العمل على بناء الإنسان، من خلال الاهتمام بمجالات الصحة والتعليم والثقافة.

من حسن حظ مدبولي أن جميع مشروعات السيسي ركزت على الجانب العقاري وتطوير البنى الأساسية، وبناء عاصمة إدارية على بعد 40 كيلومترا شرق القاهرة، والشروع في بناء ما يسمى بمدن الجيل الرابع، وبينها مدينة العلمين الجديدة على البحر المتوسط، وشرق بورسعيد والاسماعيلية الجديدة وأسيوط الجديدة في الصعيد وطيبة الجديدة بالأقصر، وغيرها من المشروعات القومية ذات الصبغة العمرانية.

جميع مشروعات السيسي، من حسن حظ مدبولي، تركز على الجانب العقاري وتطوير البنى الأساسية، وبناء عاصمة إدارية على بعد 40 كيلومترا شرق القاهرة، والشروع في بناء ما يسمى بمدن الجيل الرابع، ومنها مدينة العلمين الجديدة على البحر المتوسط
جميع مشروعات السيسي، من حسن حظ مدبولي، تركز على الجانب العقاري وتطوير البنى الأساسية، وبناء عاصمة إدارية على بعد 40 كيلومترا شرق القاهرة، والشروع في بناء ما يسمى بمدن الجيل الرابع، ومنها مدينة العلمين الجديدة على البحر المتوسط

لامست جميع المشروعات السابقة اهتمامات مدبولي، ما عزز الثقة في اختياره رئيسا للحكومة، أملا في أن يتم افتتاح عدد معتبر منها في فترة ولاية السيسي الثانية.

بدا تكليف مدبولي برئاسة الحكومة وكأن النظام الحالي لا يريد مفاجآت ولا يفضل مقترحات أو اجتهادات خارج الصندوق من رأس الحكومة الجديدة، ربما تقوض مسيرة استكمال المشروعات المفتوحة في كل مكان، أو طرح روشتة علاج بديلة تربك الخطط التي يتم تنفيذها حاليا، ويبدو استكمالها بنجاح أو تعظيم جدواها محل شكوك من قبل قوى معارضة.

أشار الرئيس المصري إلى تلك النقطة صراحة خلال مؤتمر الشباب الأخير الذي عقد أواخر الشهر الماضي، وقال “إنني لا أرغب في تأجيل أيّة إجراءات خاصة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي لمن يخلفني”، في إشارة إلى إصراره على تنفيذ برنامج الإصلاح الذي قدمته القاهرة لصندوق النقد الدولي.

ودلل المراقبون على ذلك بأن خطاب التكليف لم يحمل رؤية إصلاحية محددة، على اعتبار أن الأوضاع الراهنة استمرار للسير في نفس الدروب السابقة، لذلك تشير التوقعات إلى أن تعديلات الحقائب الوزارية في حكومة مدبولي ربما تكون محدودة للغاية.

قدرات عمرانية

في كل الأحوال، رئيس الحكومة في مصر مسؤول ظاهريا فقط عن الجهاز التنفيذي في الدولة وتحريك أبوابها المختلفة، بناء على تعليمات رئيس الجمهورية، الذي منحته الأعراف مفاتيح الحل والعقد، مع أن الدستور الجديد وفر لرئيس الحكومة ضمانات تجعله سيد قراره.

في بلد مثل مصر، تتقدم فيه العادات والتقاليد والأعراف على القوانين والدساتير، وتتضخم بعض مراكز القوى، من جيش وشرطة وقضاء وإعلام، يصبح من الصعب لأي رئيس حكومة اختراق الكثير من الحواجز الإدارية، لأن رئيس الجمهورية هو الوحيد (تقريبا) الذي يمسك بجميع الخيوط. بالتالي مهما بلغت إبداعات مدبولي أو غيره، سوف تظل أسيرة لمعادلة تضع حزمة كبيرة من العقبات.

انتهى في مصر منذ قيام ثورة يوليو 1952 عهد رئيس الحكومة السياسي، بعد أن جرى تجريف معظم الكوادر، وتجفيف منابع الجهات والمؤسسات التي تفرخ قيادات سياسية، لذلك من المتوقع أن يسير مدبولي على درب سابقيه، منفّذا لسياسات ورؤى الرئيس بدرجة رئيس حكومة.

رغم الطفرة التي شهدتها مصر في بناء المساكن الاجتماعية والشروع في تطوير العشوائيات خلال فترة الرئاسة الأولى للسيسي، والتي أشرف على تنفيذ معظمها مدبولي نفسه، إلا أن ذلك لا يعكس قدرة الرجل الخارقة على مواجهة الأزمات الاجتماعية الأخرى، لأن غالبية عمليات التطوير والبناء تتم تحت سمع وبصر الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة، المنوط بها الإشراف على غالبية المشروعات التنموية في مصر.

شخصية رئيس الحكومة السياسي تعتبر أمرا قديما منتهيا في مصر. فمنذ قيام ثورة يوليو 1952 جرى تجريف معظم الكوادر، وتجفيف منابع الجهات والمؤسسات التي تفرخ قيادات سياسية، لذلك من المتوقع أن يسير مدبولي على درب سابقيه، منفذا لسياسات ورؤى الرئيس بدرجة رئيس حكومة

كان مدبولي همزة وصل مباشرة مع الهيئة الهندسية التي يثق بها السيسي ويسند إليها المهام الصعبة، ما جعله محل ثقة المؤسسة العسكرية، صاحبة اليد الطولى في الكثير من المشروعات التي تتم في مصر، ويتقاطع دورها مع أدوار الكثير من الوزراء، بالتالي فالحاجة إلى وجود رئيس حكومة يجيد التعاون والتنسيق بين الجانبين كانت مسألة ضرورية.

ولأن مدبولي اجتاز الاختبارات التي مر بها خلال السنوات الماضية بتفوق، ولم يظهر عليه تململ أو امتعاض، وقع عليه الاختيار لتشكيل الحكومة. وكان دوره التنسيقي واضحا في مشروعات، من نوعية حفر تفريعة أخرى لقناة السويس، وبناء العاصمة الإدارية الجديدة.

هذه الطريقة تمثل صيغة مريحة للسيسي، فهي تجمع بين الشق المدني والعسكري، وقد تنفي عن رئيس الجمهورية اتهامه بالانحياز التام للمؤسسة العسكرية التي خرج منها. وترى دوائر كثيرة أن مدبولي مرتاح لهذه الصيغة، التي تضمن له الاستمرار أو الخروج بسلام. فهو رجل لديه خبرة في معرفة الدهاليز المتحكمة في صناعة القرار في الدولة المصرية.

نجاح مدبولي في أداء مهامه وفقا للطريقة التي ترضي السيسي وتميل إلى تنفيذ التعليمات والأوامر بدقة، جعله محل ثقة كبيرة، أهلته ليكون قائما بأعمال رئيس الوزراء في ظل غياب رئيس الحكومة شريف إسماعيل لتلقيه العلاج في ألمانيا. وإدارته للحكومة بصورة جيدة أثناء هذه الفترة، فتحت أمامه الطريق ليكون رئيسا رسميا للحكومة.

بزغ نجمه بشكل قوي في أعقاب أزمة شركة “أرابتك” الإماراتية عندما تراجعت عن مشروع بناء المليون وحدة سكنية، ووصلت جميع المحاولات معها إلى طريق مسدود في نهاية 2014، وأعلنت وزارة الإسكان آنذاك أنها ستقوم بالتعاون مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بتنفيذ المشروع بأموال مصرية خالصة.

هل سيكون كبش فداء

تكرر السيناريو نفسه عندما انسحبت شركة إعمار العقارية من بناء مشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذي يراهن عليه السيسي ويعتبره من أهم إنجازاته التنموية والنموذج لبناء عاصمة بمواصفات عالمية، تدخل معها مصر عصر المدن الذكية.

دخلت الحكومة في مفاوضات مع بكين لتمويل وتنفيذ المشروع، وكان تدخل وزارة الإسكان، وعلى رأسها مدبولي، بالتعاون مع الهيئة الهندسية، حاسماً في وضع اللبنة الأولى للمشروع الذي صدر له قرار وزاري في آخر اجتماع لحكومة شريف إسماعيل يوم الأربعاء الماضي باعتباره مشروعا قوميا.

يرى بعض الخبراء أنه من الصعب أن تكون الطفرة التنموية دليلا قاطعا على نجاح رئيس الوزراء الجديد في إدارة ملفات غاية في الصعوبة، تتشابك فيها الحكومة مع فئات مختلفة من المواطنين، تمس الطبقات المهمشة، وهم السواد الأعظم من المواطنين، ومعهم طبقات كادحة على المحك، وقد تتهاوى إلى طبقة الفقراء بقرارات مرتقبة تخص خفض دعم الوقود، الذي يلهب الأسعار ويأتي على ما تبقى من نقود في جيوب البسطاء، في سوق تفتقد إلى معاقبة المحتكرين الكبار، وهو أحد التحديات الصعبة التي سيواجهها مدبولي، فالنظام برمته لم يفلح حتى الآن في اختراق هذه الحلقة.

أرخت أحداث الأردن بشأن ارتفاع الأسعار وارتفاع وتيرة احتجاجات المواطنين، بظلالها على مصر لتشابه الظروف الاقتصادية من ناحية تطبيق روشتة صندوق النقد الدولي. وتزايدت حدة المخاوف من خطط الاستمرار في رفع الدعم عن الكثير من السلع الأساسية.

مدبولي يعرف أنه كان همزة وصل مباشرة مع الهيئة الهندسية التي يثق بها السيسي ويسند إليها المهام الصعبة، ما جعله محل ثقة المؤسسة العسكرية، صاحبة اليد الطولى
مدبولي يعرف أنه كان همزة وصل مباشرة مع الهيئة الهندسية التي يثق بها السيسي ويسند إليها المهام الصعبة، ما جعله محل ثقة المؤسسة العسكرية، صاحبة اليد الطولى

تخشى بعض الدوائر أن يكون مدبولي “كبش فداء” لأي احتجاجات شعبية ضد الغلاء، وقد تتم التضحية به إذا انفلتت الأمور وخرجت من حيزها الساكت ودخلت نطاقا صاخبا. نعم معروف أن قرارات رفع الدعم وخطة الإصلاح الاقتصادي يقرها رئيس الجمهورية، لكن رئيس الحكومة هو الذي يتحمل عادة تبعاتها السياسية السلبية.

تدخل قدرة مدبولي الفائقة في بناء المشروعات اختبارا جديا، في ظل تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع درجة التكلفة الواقعة على عاتق المواطنين جراء برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تتولاه الحكومة. فإدارة ملف وزارة الإسكان تختلف عن إدارة العديد من الملفات في مجالات مختلفة.

 المصريون ينتظرون من الحكومة خطة إنقاذ متكاملة، يترقبونها ممن في هذا المنصب، بعد أن بات الجميع يتحدث بتلك اللغة، تزامناً مع تصريحات وتسريبات رسمية تعمدت التركيز على اقتراب جني ثمار الإصلاح الاقتصادي في البلاد، وأن رفع أسعار المحروقات عملية مهمة سوف تؤدي إلى تحقيق فوائد ومردودات إيجابية للفقراء ومحدودي الدخل.

احتواء المشكلات

يمتلك مدبولي شخصية تتسم بالهدوء، ما عزز قدرته على احتواء المشكلات واتخاذ القرارات الرشيدة، كما أن علاقته الجيدة بجميع الوزراء ظهرت أثناء قيامه بتسيير أعمال الحكومة خلال فترة غياب رئيسها السابق، ومكنه ذلك من فهم طبيعة كل وزارة، بما يساعده في مهامه الجديدة.

عكست طبيعة دراسته بعض سمات شخصيته، فهو حاصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من كلية الهندسة جامعة القاهرة، ثم ماجستير الفلسفة في الهندسة المعمارية تخصص تخطيط مدن من نفس الكلية، ونال درجة الدكتوراه في نفس التخصص بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني بكلية العمارة جامعة كارلسروه بألمانيا.

كان مدبولي، ولا يزال، تلميذا نجيبا من تلاميذ المهندس إبراهيم محلب الذي كان وزيراً للإسكان ثم رئيسا للوزراء في عهد رئيس مصر الأسبق عدلي منصور، واستمر رئيساً للوزراء أيضاً لنحو عام خلال فترة حكم السيسي الأولى، ثم أصبح مساعدا له للمشروعات القومية.

بعد تكليف محلب برئاسة الوزراء عام 2014 أسند حقيبة الإسكان لمدبولي، ولم تشفع له حالة النشاط التي كان يوصف بها محلب بالاستمرار في رئاسة الوزراء. كان يطلق عليه رئيس وزراء الشارع، لأنه كان دائما في جولات وزيارات ميدانية لمختلف المواقع والهيئات الحكومية، في محاولة للإيحاء بأنه قريب من طريقة عمل السيسي، الأمر الذي سار عليه مدبولي، وأفاده في تفاعل الكيمياء الشخصية بينهما، وجعله ذلك محل ثقته.

12