مصطفى نصر لـ"العرب": كلمة "الجيل" أصبحت الآن محيرة

لماذا يتجنّب الأدباء الكتابة للتلفزيون.
الاثنين 2021/07/12
البطل في عالمنا يهزمه واقعه (لوحة للفنان عمران يونس)

من يقرأ روايات الكاتب المصري مصطفى نصر، يتذكر على الفور أهم أعمال نجيب محفوظ المعروفة التي قدمتها السينما المصرية في الستينات مثل الثلاثية (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) وزقاق المدق والسمّان والخريف (وخاصة شخصية عيسى الدباغ التي قدمتها تلك الرواية) وأيضا اللص والكلاب وبداية ونهاية، بما فيها من عوالم مصرية أصيلة وتأثر بالأديب النوبلي. “العرب” كان لها هذا الحوار مع نصر حول عوالمه الروائية.

أحمد فضل شبلول

مصطفى نصر واحد من أهم المبدعين الروائيين في الإسكندرية. هكذا قال عنه بعض النقاد. أخرج لنا حتى الآن عددا من الروايات، يدور معظمها في بيئات شعبية سكندرية فقيرة أو هامشية، مثل “الصعود فوق جدار أملس”، “جبل ناعسة”، “الجهيني وليالي غربال”، “الهماميل”، “يهود الإسكندرية”.

وتتناول بعض روايات نصر فترات وأحدثا تاريخية، مثل “الهماميل” التي تحكي عن محاولة قتل السلطان حسين كامل عقب الحرب العالمية الأولى وهو ذاهب إلى صلاة الجمعة في مسجد أبي العباس المرسي، أو روايته “يهود الإسكندرية” التي تتعرض لحياة اليهود في مصر منذ حكم الوالي سعيد وحتى اتفاقية كامب دافيد.

ويمارس نصر كتابة القصة القصيرة والمسرحية إلى جانب إبداعاته الروائية.

محفوظ والتلفزيون

مصطفى نصر: عندما أكتب رواية لا أهتم بشيء سوى بالرواية نفسها، بمعنى أنني لا أفكر فيما سيحدث بعد ذلك
مصطفى نصر: عندما أكتب رواية لا أهتم بشيء سوى بالرواية نفسها، بمعنى أنني لا أفكر فيما سيحدث بعد ذلك

في بداية لقائنا مع مصطفى نصر كان لا بد أن نكشف النقاب عن مدى تأثره بأعمال نجيب محفوظ، لذا يجيء هذا السؤال قبل أن نرتشف فنجان الشاي في حجرة مكتبه بمنزله في حي غربال بالإسكندرية.

يقول نصر “كان نجيب محفوظ عملاقا في الرواية على المستويين الكمي والكيفي، فجعل الروائيين الذين أتوا بعده يتأثرون به شاؤوا ذلك أم لم يشاؤوا، فهم عندما يناقشون عملا لروائي جديد لا بد أن يقارنوا بينه وبين نجيب محفوظ، أو بين شخصياته وشخصيات نجيب محفوظ. ولكني أحاول في كل عمل أن أخرج عن الإطار التقليدي للرواية، كما أنني في رواياتي التي تتحدث عن الأحياء الشعبية في الإسكندرية، أكتب عن طبقة هامشية، تعرض لها نجيب محفوظ في رواية زقاق المدق، فأحاول أنا أن أقدمها في صورة مختلفة، متشبعة بجوّ سكندري يختلف عن جو الأحياء الشعبية في قاهرة نجيب محفوظ”.

شخصيات مصطفى نصر دائما منهزمة أو مهزومة، فإن كان هذا انعكاسا لما يدور في واقعنا المصري والعربي المعاصر. يقر الكاتب أن البطل في عالمنا بطل مهزوم يهزمه واقعه، والظروف التي تحيط به، بل إن البطل في البلاد النامية منهزم على مستوى العالم، تهزمه القوى الكبرى التي تفرض عليه إعلامها وأسعارها وسلعها، مضيفا “لو صورت في رواياتي بطلا منتصرا، حتما سأكون مغاليا وبعيدا تماما عن الصواب”.

وعن مشهدية أعماله للدرجة التي نتخيل معها أننا نشاهد فيلما سينمائيا ونحن نقرأها على الورق، يقول نصر “عندما أكتب رواية لا أهتم بشيء سوى الرواية نفسها، بمعنى أنني لا أفكر في ما سيحدث بعد ذلك، هل ستنشر أم لا، ستتحول إلى عمل درامي أم لا إلخ. إن مشكلاتي حينذاك تكون مشكلات فنية تتعلق بالفن الروائي فقط، ولكن ربما كان المجتمع الذي أكتب عنه مجهولا للكثيرين، وربما يكون أسلوبي في التناول يقترب من كتابة السيناريو، وربما ذلك يجعل القارئ يتذكر السينما أو التلفزيون حينذاك”.

 

 

ويتابع “عموما أنا أفكر كثيرا في الكتابة مباشرة إلى السينما دون اللجوء إلى الكتابة الروائية، ونحن نعرف أن هناك كتّابا كبارا كتبوا أعمالا سينمائية وتلفزيونية أمثال شتاينبك وآرثر ميللر وتينسي ويليامز وأروين شو في أميركا، وباتريك موديانو في فرنسا وغيرهم. بل إن الأعمال الدرامية في العالم المتقدم فرضت نفسها الآن، ويقدمها الكبار، والدليل على ذلك أن سلسلة ‘المسرح العالمي‘ في الكويت قدمت مجموعة من التمثيليات الإذاعية على أنها من الأعمال الجادة في العالم، وقدم أيضا سيناريو فيلم ‘الناشزون‘ لآرثر ميللر في نفس السلسلة”.

ويستدرك نصر “لكن في مصر لا يزال الكتّاب الكبار يعتبرون أن الكتابة للسينما أو التلفزيون عمل بعيد عن الجدية، حتى أنني في حديث مع الأستاذ نجيب محفوظ عن هذه المسألة قال -ما معناه- إنه يسقط تجربة الكتابة السينمائية من تاريخه الفني، وأنا مندهش من رأي أستاذنا نجيب محفوظ في ذلك، فرأيي أن فترة عمله في الكتابة للسينما واستفادته من مقابلة صلاح أبوسيف وتوفيق صالح والسيد بدير وغيرهم من صناع السينما، أفادته في فنه الروائي، فبعدها جاء إلينا وقد تخلصت رواياته من التطويل، وقدم تقنيات حديثه استقاها من الفن السينمائي“.

ويستذكر نصر أنه كذلك تحدث مرة مع روائي جيد يبذل مجهودا كبيرا قبل كتابة رواياته، ويعتمد على مصادر تاريخية ووثائق، بل وزيارة أماكن أثرية أحيانا، وقال له إنه يمكنه أن يفعل هذا مع مسلسل تلفزيوني، لكنه رفض هذا، واعتبر أن الكتابة للتلفزيون شيء بعيد عن الفن.

وفي رأيه فإن المسؤولين عن هذه الأجهزة هم السبب في ما يحدث لعدة أسباب منها أن هذه الأجهزة تتعامل مع مؤلفي الدراما، وكأنهم تجار وليسوا فنانين، فتحاسبهم بالحلقة أو بالمدى الذي استغرقه عملهم، مما يؤدي بالكاتب إلى أن يطيل، ويشير إلى أنه رأى مرة ممثلا غاضبا لأن دوره قد انتهى بعد حلقات قليلة من مسلسل إذاعي، ولكي يسترضيه المخرج قال للمؤلف وهم يجلسون في الأستوديو “اخرج واكتب له كلمتين”.

يضيف نصر “إن القائمين على هذه الأجهزة غير واعين بالفن الجديد، فهم يعجبون بالأعمال التي تثير العواطف وتدر الدموع، مما يجعلهم يقدرون كتّابا بعيدين تماما عن الفن الجيد”.

أما بالنسبة إلى الكتابة للسينما مباشرة دون اللجوء إلى الكتابة الروائية، فيقول “كتبت فعلا سيناريو فيلم تلفزيوني وقدمته للتلفزيون، كما أنني أحاول كتابة التمثيلية الإذاعية والتلفزيونية، وكل هذه المحاولات تفيدني ككاتب رواية في النهاية”.

النقد وفكرة الجيل

Thumbnail

عن القصة القصيرة يرى نصر أنها فن عظيم وراق جدا، إلى درجة أنه لم يخلد في تاريخه سوى عدد من كتابه لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة كبوكاشيو في إيطاليا، وتشيخوف في روسيا، وغي دي موباسان في فرنسا، وإدغار آلان بو في أميركا،     ويوسف إدريس في العربية.

ويضيف “لكن في بعض السنوات كانت كتابة القصة القصيرة ‘موضة‘، قبلها كان عدد من الوزراء والموظفين الكبار والكتاب الذين ليسوا بشعراء يكتبون الشعر، ثم أصبح كل من يريد أن يصبح فنانا أو أديبا يكتب القصة القصيرة، والغريب أنه يجد من ينشرها له، بل أستطيع أن أقول إن السيئ عادة هو الذي ينشر، لهذا فأنا لا أكتب القصة القصيرة إلا إذا لم أجد منها فكاكا، لا أكتبها إلا بعد أن تضنيني مطاردة الفكرة لي، وإذا كتبتها أتخوف من إرسالها للنشر”.

وعن كتابة المسرح يقول نصر “أحب المسرح كثيرا، لكنني بدأت الكتابة له متأخرا. إنني أقدم ما أريد أن أقوله -في المسرحية- في صورة كوميدية، وفي رأيي أن هذه هي أقرب طريقة لتقديم المضمون للمتفرج العربي”.

 

 

موقف النقد من أعمال مصطفى نصر الإبداعية موقف غريب ومتراجع ويعلل ذلك بقوله إنه غير متواجد وسط الحركة الثقافية الأرستقراطية في الإسكندرية، فهي تجتمع عادة في النوادي الكبيرة والمحلات العامة المشهورة بالإسكندرية. وعدم وجوده وسط هذه الحركة يجعل اتصاله واتصال عدد قليل من الكتاب الجادين في الإسكندرية بالنقاد والإعلام صعبا.

ويتهم مصطفى نصر الإعلام والنقاد بأنهم مقصرون في اكتشاف الكتّاب في هذه الأماكن، لذلك ظل لوقت ليس بعيدا غير معروف لنقاد كان يتمنى أن يقرأوا له، ولكنه يقول “كتب عني وعن أعمالي نقاد كبار أمثال صلاح فضل وعمّار علي حسن ومحمد عبدالحميد خليفة وهدارة وعبدالعزيز شرف، والسعيد الورقي ورشا سمير وعفاف عبدالمعطي وداليا فهمي وغيرهم، وكتب عني الأساتذة عادل حمودة وأحمد زكي عبدالحليم ومحمد جبريل وجلال العشري وأحمد محمد عطية وفاطمة عبدالله وإيمان الزيات ونضال ممدوح ومنى عارف وشوقي بدر يوسف وأحمد فضل شبلول وغيرهم”.

أعجب مصطفى نصر كثيرا بأعمال صبري موسى وجمال الغيطاني، وهو يعتبر أن تجربة الغيطاني في البحث عن التجديد من خلال التراث تجربة غنية وعظيمة، ولم تدرس دراسة كافية من باحثينا ونقادنا حتى الآن.

ويرى نصر أن كلمة “الجيل” أصبحت الآن محيرة، ويقول “أنا لا أعرف من هم أبناء جيلي، هل هم أدباء الستينات أم السبعينات أم الثمانينات؟ وعلى أي أساس يقاس ‘الجيل’؟ على أي حال أنا أعجب بعدد من الأدباء (قد يكونون من السعبينات) منهم: حسين عيد (وهو كاتب قصة قصيرة وروائي وكاتب مقال على مستوى جيد) وصلاح عبدالسيد، ومحمد عبدالمطلب ومحمد محمود عثمان من سوهاج، وسعيد بكر ورجب سعد السيد من الإسكندرية”.

ويختم مصطفى نصر الحوار بأن الرواية عشقه الأول، ولقد كتب الرواية أول ما كتبها وهو في الرابعة عشرة تقريبا (وكانت محاولات ساذجة) ولكن ذلك يدل على أنه مهتم بالرواية منذ زمن بعيد، ويلى ذلك المسرح ثم القصة القصيرة.

15