مصطلحات الفقه التقليدي أثرت سلبا على الوعي الديني في حاضرنا

عدم تنقية كتب الفقه التقليدية مما لحقها من تشدد في التأويلات وخروج عن صحيح النصوص في التفسير أدى إلى ظهور جماعات الإسلام السياسي وأفكارها العنفية، ذلك أن المرجعية الفكرية والعقائدية التي نشأت قبل ألف عام أو يزيد لم يتم تنقيحها وإعادة قراءتها فبقيت متوارثة في الوعي الديني الإسلامي، وظلت عاجزة عن التفاعل مع واقعها.
الأربعاء 2015/07/15
تجديد الخطاب الديني يمنع انتشار أفكار الجماعات الجهادية المتطرفة

إذا تصفّحنا صفحات التاريخ فقد لا نجد لحظة أشبه بحالنا من لحظة غزو المغول. غير أنّ مغول الأمس جاؤوا من الخارج غزاة ومحتلين، أمّا مغول اليوم فقد نبعوا من الدّاخل.

مغول اليوم جاؤوا منّا وطلعوا علينا بمظهرين قاتمين: الغلوّ الذي يُسمّى اليوم بالتطرّف الديني؛ والفتنة التي تسمّى اليوم بالحرب الأهلية. ولأنّ الأمر يتعلق بمعركة علينا البدء بتحديد نقاط ضعفنا ونقاط قوتنا. ولنبدأ بنقاط الضعف، فثمّة ثلاث ثغرات كبرى في جدار الأمن الرّوحي.

أولاها تتمثل في الموروث الفقهي التقليدي الذي لا يزال يؤثث خطابنا الديني في المساجد والمدارس والإعلام، والذي لا يمكن التعويل عليه قصد مجابهة الغلو أو درء الفتنة.

فمن حيث الغلو، فإنّ آليات ومفاهيم الفقه التقليدي تشكلت في سياق المواجهة مع أعداء الخارج، أعداء لا يتكلمون لغة الإسلام ولا يحملون راية الإسلام ولا يرددون عبارة لا إله إلا الله، بدءا من كفار قريش ويهود بني قريظة وصولا إلى الإمبراطوريات الفارسية والبيزنطية والرومانية أو الإفرنج إلخ.

جاءت مفاهيم الفقه التقليدي انعكاسا لعصر التوسعات الإمبراطورية: دار الحرب ودار الإسلام، والولاء والبراء، ولزوم الجماعة والطاعة، والسّبي والغزو وأهل الذمة، مفاهيم لها أثر بليغ على اتجاهات الوعي الديني للناس. فهل يمكن التعويل على هكذا موروث فقهي حتى نحمي الدولة الوطنية من الانهيار؟

ظل الجيل الأول للإسلام السياسي عاجزا عن درء مخاطر الغلو والفتنة، لأن آلياته النظرية موجهة للرد على العدو الخارجي

أما من حيث الفتنة، فيقوم المنطق السياسي للفقه التقليدي على معادلة بسيطة ومريبة وهي “إذا خرج أحدهم على السلطان نسحقه فورا، وإذا انتصر على السلطان نبايعه فورا”. غير أن المعضلة تبرز في لحظة التوازن بين السلطان والخروج على السلطان. هنا لا وجود لآليات فقهية أو أخلاقية لغاية درء الفتنة.

والرّأي الغالب على الفقهاء هو الانتظار، انتظار أن تنتهي الحرب الأهلية للصلاة خلف من غلب. فهل تنفع مثل هذه الآلية في درء الفتنة أم أنها تضعنا أمام فرضية مخيفة وممكنة هي أن هناك من ينتظر لحظة التوازن بين التطرف الديني والدول القائمة حتى يعلن مبايعة التطرف بدعوى أنه الغالب؟

ثاني الثغرات هي الخطاب الديني للمؤسّسات الرّسمية وشبه الرّسمية، سواء تعلق الأمر بخطب الجمعة، أو برامج الفضائيات، أو منهاج المواد الدينية، فإنّنا أمام خطاب قائم على مزاعم تعيق قيم المواطنة ودولة الحق والقانون، هذه بعضها:

* جعل الأخوّة قائمة على الدين ومن ثمة الطائفة والمذهب، وطبعا بإمكان أي واحد منا أن يتصور التداعيات الممكنة حين يرى المسلم المصري مثلا بأن مسلما في آخر الأرض أقرب إليه من القبطي الذي قد يكون جاره وزميله. وقس على ذلك بالنسبة إلى قضايا المواطنة ومسائل التنوع المذهبي والطائفي.

* عدم قبول مبدأ المساواة بين الأديان، حيث ينتظر المسلم أن يُعامَل دينه بالأفضلية باعتباره الدين الأعلى والأصح. ولنتصور أثر مثل هذا التصور في عالم أصبحت فيه العدالة تعني المساواة الكاملة بين الأديان أيضا.

* ربط الدين بالغرائز بدل العقل، عبر مفاهيم الغيرة والحميّة والردّة، مفاهيم تنمّي الغرائز البدائية وتهدد الأمن والاستقرار.

الإسلام السياسيأدخلنافي منعطف فقهي غير مسبوق، إذ لأوّل مرّة في تاريخ أمتنا يتم تكفير الناس ليس على أساس الموقف من العقيدة

ثالث الثغرات تتمثل في خطاب الإسلام السياسي، فلقد مرّ الإسلام السياسي بثلاثة أجيال متتالية: جيل الإخوان المسلمين الذي ظهر كرد فعل على سقوط الخلافة ووجّه طاقته العدوانية لمحاربة الشيوعية المتهمة بالإلحاد إبان سنوات الحرب الباردة، ولهذه الغاية رُحّب به دوليا وإقليميا. على أنّ الأفق النظري لمحاربة الشيوعية قاد إلى حقبة الجهاد الأفغاني وما رافق ذلك من اندماج بين الأيديولوجية القطبية والأيديولوجية الوهابية. في سياق هذا الاندماج تشكل الجيل الثاني، جيل القاعدة فكانت بداية المشاكل. وصولا إلى الجيل الثالث الذي بدأ يبتلع كل الأجيال السابقة، جيل “الدولة الإسلامية”.

ظل الجيل الأول للإسلام السياسي عاجزا عن درء مخاطر الغلو والفتنة، لأنّ آلياته النظرية موجّهة للرد على العدو الخارجي: الشيوعية، الصهيوأميركية، العلمانية، الداروينية، الفلسفة الغربية، ولذلك نراه يقف مشلولا أمام عدو نابع من داخل دائرة الإسلام ولا يملك آليات لمواجهته. وأما الجيل الثاني للإسلام السياسي فإنه لا يقف عاجزا وحسب بل يعدّ جزءا من المشكلة. وأما الجيل الثالث فإنه الخطر عينه الذي نواجهه في معركة شاقة.

أدخلنا الإسلام السياسي في منعطف فقهي غير مسبوق. إذ لأوّل مرّة في تاريخ أمتنا يتم تكفير الناس ليس على أساس الموقف من العقيدة، وإنما على أساس الموقف من الشريعة. لم يعد يتم تكفير الإنسان على أساس إنكار الخلق أو الوحي أو البعث، وإنما على أساس الموقف من مسائل تشريعية وتقديرية، من قبيل البيعة والجهاد والموقف من هذا الحزب أو ذاك.

تكلمنا عن نقاط الضعف فماذا عن نقاط القوة؟ هي أربع: أولها الخطاب القرآني المرتبط بأسباب النزول، ذلك أن السياق التنزيلي يضع الحكم في إطاره التاريخي. ومثلا، حين تأمرنا إحدى الآيات بالقتال وضرب الرقاب، فإن تجريد الأمر عن ظروف الحرب التي تمثل سياق التنزيل، قد يقودنا إلى اعتبار الحكم فريضة في كل الظروف. وهذا مصدر من مصادر الإرهاب.

ثاني النقاط هو الخطاب القرآني كمصدر للقيم بدل الأحكام، فإذا ركزنا على استنباط القيم القرآنية بدل الأحكام، سنكتشف كيف تناقض تلك القيم أحكام الموروث الفقهي وأحكام الإسلام السياسي على حد سواء.

آليات ومفاهيم الفقه التقليدي تشكلت في سياق المواجهة مع أعداء الخارج، أعداء لا يتكلمون لغة الإسلام ولا يحملون راية الإسلام

وبوسعي أن أقدم مثالين: الأول يصدّع البعض رؤوسنا بالشعارات حول الطعام الحلال والذبيحة الحلال وما إلى ذلك من عناوين تسويقية، غير أنها تهدد قدرة المسلمين على العيش المشترك مع غيرهم لا سيما داخل المجتمعات الغربية. وهذا ليس بسبب لحم الخنزير الذي يبقى مجرّد استثناء، وإنّما بسبب تحريم كل ذبائح غير المسلمين. في حين أن الخطاب القرآني واضح: “اليوم أحلّ لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم”.

المثال الثاني، مقابل خطاب ديني تسيطر عليه مفاهيم الثأر والانتقام فإنّ الخطاب القرآني واضح حين يقول على لسان هابيل “لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين”، هذا في الوقت الذي تقول فيه وصية الرسول، “كن كخير ابني آدم”، يقصد هابيل. وصية يغضّون عنها البصر، ولا غرابة في ذلك.

ثالث نقاط القوة فهو خطاب التصوف لأنه يعلّمنا كيف نؤسس علاقتنا مع الله ليس على أساس الخوف والذي يكسبنا الحقد والكره، وإنما على أساس مبدأ الحب. وكم نحتاج إلى هذا الحب الإلهي في مواجهة ثقافة الكراهية.

رابع النقاط أنه لا كهنوت في الإسلام، وحين نقول لا كهنوت في الإسلام، فهذا يعني لا سلطة دينية في الإسلام، لا دولة دينية في الإسلام، لا حكومة دينية في الإسلام، وبالأحرى والأولى لا معارضة دينية في الإسلام.

13