"مصلحة بلدنا" التراجيديا المسرحية لا تزال تطهّر المشاهد

الأحد 2015/10/25
مسرحية تستلهم أمثولة الربان كوك واستعمار أستراليا في القرن الثامن عشر

يذهب البعض إلى أن المسرح يستفز في نفس المتفرج ما لم يكن موجودا من أحاسيس الشفقة والخوف ثم يحيلها إلى نظام يلهج بالخير والتناسق أو يطردها تماما من سريرة المتفرج العاطفية. لكن الآراء اختفت بين نقاد أرسطو ومريديه، أكان يعني أن هذا التطهّر يتمّ في إطار مشاهد المسرحية فحسب، أم أن مَنْطقُه يطال جمهورا قد يتعرض لتلك التجربة التطهيرية؟

شهدت خشبة المسرح في لندن مؤخرا عرضا لمسرحية “مصلحة بلدنا” المكتوبة سنة (1988) للكاتبة البريطانية تيمبرليك ويرتنبيكر، مستوحاة من رواية الأسترالي توماس كينيلي “الكاتب المسرحي” (1987)، وقد اعتبر العرض خير معبّر أدبي وفني عن فكرة أن التراجيديا تطهّر المشاهد المسرحي، وقد درج المسرح منذ زمن أرسطو -صاحب هذه الفكرة- وإلى اليوم مرورا بأزمنة متعددة ومنها زمن فولتير. وكان أرسطو يعتبر أن التراجيديا تُفاقِم مشاعر الشفقة والخوف، دون أن تخلقها من العدم، حتى تعتمل في القلوب فتنقيها من الدنس والشوائب الأخلاقية.

مع المثال الأحدث للفكرة نرى التطهّر عبر التراجيديا يتحقق في إطار مسرح يستعيد لحظات من الزمن الكولونيالي.

فازت مسرحية “مصلحة بلدنا” بجائزة لورانس أوليفيه/ بي بي سي، وجائزة حلقة نقاد الدراما بنيويورك، وجائزة إيفنينج ستاندارد. وتنصبّ ثيمتها حول نشأة قارة بأكملها، إنه موضوع جاذب لأقلام مؤرخي الحضارات. وقد نبع أصلها الروائي تخليدا لذكرى مئتي سنة على تأسيس المستعمرة الإنكليزية (أستراليا) في عام 1788.

منبوذون ومشوهون

لمسرحية “مصلحة بلدنا” بذرة حقيقية في الواقع إلا أن مدى ما ورد فيها من صحة تاريخية لا يمكن تحديده بدقة. يعلمنا التاريخ بأن الربان كوك أرسى عام 1770 على ساحل أستراليا، بعد أن احتال على حكومته وأقنعها بأن أستراليا غنية بالكتان والخشب، طامحا إلى التخلص من المورّدين الأوروبيين. وكل دولة وطئتها القوات البريطانية ألفت فيها سلعة ذهبية للاستغلال، من كتان أستراليا وحتى بترول العراق.

وعقب سبعة عشر عاما، عزمت الحكومة البريطانية على إخلاء سجونها المكتظة بفعل قسوة قوانين الأراضي. والعرض يبدأ بمنظر لعابري المحيط، الأشرار منهم والأبرار، تحت إمرة الربان آرثر فيليب. الحمولة الأولى تغص بمنبوذي البلد ومشوّهيها. الأساطيل تشحن المجرمين كالقطعان إلى خليج بوتاني، فصارت بوتاني تطلق على أية بقعة أسترالية أرسلت بريطانيا إليها المنحرفين. ولأن البيئة قاحلة عديمة الرحمة، وأستراليا قوس قزح جغرافي، يهجرونها على الفور إلى جون سيدني ليغدو مستعمرة -أو جحيما- لإنزال العقاب.

معارك نهارا ودسائس ليلا

يتضوّر السجناء جوعا، ويتشاحنون أشدّ التشاحن. تدور المعارك نهارا، وتشتعل الدسائس ليلا. لا تشفق علينا المسرحية عندما ترمي في وجوهنا بألفاظ بذيئة شتى، وتصك أعيننا بمشاهد جنسية موبوءة بالقسوة. ولكن المخرجة البريطانية نادية فول تقنعنا بجدواها الدرامي، ولا يراودني شك في أن إقناع المسرح القومي بإنتاجها كان معضلتها الأولى.

التفرج على بروفات مسرحية داخل نص مسرحي لا يستدعي فقط الكوميديا الشكسبيرية، \'حلم ليلة في منتصف الصيف\'، وإنما يلحق بنا شعورا بالغرابة الممزوجة بالتلصص

والأدهى أن المذنبين ينشرون أمراضا مميتة بين السكان الأصليين أصحاب الأرض ممن رشقوهم على الشاطئ بنظرات مذهولة وصيحات معترضة، تستدعي إلى ذاكرتنا مشاهد من رواية “الأشياء تتداعى” للنيجيري تشنوا أتشيبي. وهكذا ولدت أستراليا المعاصرة.

وفي إشارة عابرة من حكايات المستعمرة الأولى جاء ذكر العجب العجاب. توغل مهمة تأديب الجانحين في الوحشية. قد ينال المدان سوطا، وقد ينال حبل المشنقة على مشهد من الرؤوس. ينخرط ضباط البحرية في نقاش جادّ في الظاهر، هزلي في الباطن، عن الجريمة والعقاب، “الأجدى أن نخترع طريقة متحضرة للترفيه عنهم!”.

ولأن الفرنسيين ينزلون أيضا على القارة الوليدة، ولرغبة البريطانيين في ترسيخ هوية قومية على تلك المسالك الوعرة، مثالا على هيمنتهم العسكرية، ينغمسون ما وسعهم الانغماس في مظاهر الخيلاء في محاولة لتأديب المجرمين وتهذيب أخلاقهم على طريقة أرسطو.

يحملون المساجين الجهلة على عمل بروفات مسرحية “ضابط التجنيد” (1706) للإنكليزي جورج فاركوير بمناسبة عيد ميلاد الملك عام 1789، ملك أنعمت عليه الطبيعة جنونا غير مسبوق. والمسرحية توحي بأن أوروبا بأسرها ارتعدت على شفا الخبل في ذلك العام.

إصلاح وتهذيب

في مقدمة المسرحية الكوميدية “المجيد” (1732) للكاتب المسرحي الفرنسي فيليب نيريكو ديتوش، يدافع ديتوش عن الكوميديا باعتبارها مدرسة للعادات الحميدة، واضعا الممارسة في قالب يسترسل استرسالا غير معهود وقتذاك في العاطفة. لطالما عدّها حقيقة لا تتسامح في الجدل، إذ مهما تسلينا بالكوميديا، فهي ناقصة، بل وخطرة، إن لم يسع الكاتب إلى إصلاح ما فسد من سلوك، وكشف السخيف، وشجب الرذيلة، وتنصيب الفضيلة في مكانة تجلب عليها التوقير الشعبي.

ومسرحية الهواة تلك، الممثَّلة داخل مسرحيتنا الأم، تتناول خداع ثلة كارهة من الفلاحين البلهاء كي ينضمّوا إلى الجيش. تطالعنا بدلالات كوميدية محمّلة بالفظاظة تسخر من عهد إعادة الملكيّـة الإنكليزية، فتعاند المجرمين ممن يخفقون حينا في تقدير روح الفكاهة، لذا يرنون إلى التجربة بعين العبث، يطيعون وقلوبهم تخشى البطش.

والتفرج على بروفات مسرحية داخل نص مسرحي لا يستدعي فقط الكوميديا الشكسبيرية، “حلم ليلة في منتصف الصيف”، وإنما يلحق بنا شعورا بالغرابة الممزوجة بالتلصص. وبالرغم من وقار المسرح الإنكليزي، ندّت ضحكات مكبوتة حين صرخ الضابط، في ثوب المخرج الناشئ، بلهجة إنجيلية تنمّ عن ترفع، “لا ينبغي لمن لا يقدر على الانتباه ارتياد المسرح”.

السكان الأصليون الأستراليون نموذج للضحية الجماعية

الفلكلورية والتراث

لا يقف سكان البلد الأصليون مكتوفي الأيدي والمساجين تتلبسهم روح التمثيل. يقوم أحدهم، ويلعب دوره جاري وود، بأداء شعائره الدينية بالتزامن مع بروفات تواصلت رغما عن أنفه. وكلما يبزغ على المسرح، يتفتق إيحاء بالخطر المحدق من خلال موسيقى الويلزية كيريس ماثيوز التي واءمت الأنغام الفلكلورية مع التراث الشعبي.

لا تطيق ليز،اللصة المتوحشة القادمة من ليفربول، الحياة غير أنها تعتمر هوية لم تعهدها من قبل عندما تتجرّع كأس التمثيل. والبادي أن محاولات المدانين إرضاء آسريهم “قوبلت بالتصفيق” في المسرحية المصغّرة.

وأخيرا يشدّ بين الجميع رابط غير الإجرام والمعاناة، في صورة مرمى جمعي يحدوه الأمل. دليل على رهان شوسيه وأقرانه على أن وجه الفن تنطبع عليه هدايا التوبة والخلاص، والأجدى التعبير عن الذات وإن عرقلها الشرّ أو نالت منها البدائية.

القوة الناعمة

الحق أن التباهي الثقافي في قوته المسرحية الناعمة كان كل ما تفتق عنه ذهن الملازم الثاني رالف كلارك، ويجيد دوره الممثل الويلزي جيسون هيوز، “سوف يعمِّر هؤلاء المجرمون القارة في المستقبل، ألا ينبغي أن نحثهم على التفكير بصورة حرة ومسؤولة؟”.

لا يكترث إن بثَّت فيهم المسرحية العصيان، فالثورة نائية عن أرض الإنكليز الآمنة. وما في ذلك إن أطاحوا بالسكان الأصليين وأشبعوهم سحلا وقتلا؟ ولعلّ هذه الإلماعة السياسية تحيلنا إلى افتقار كلارك إلى الهيمنة السلطوية على السجناء.

ولكن ما تلا من تحولات إنسانية في هذه الأيقونة التاريخية لم تخطر بباله قط. فعنابر السجن تدركها سكينة في النفوس، ويستحيل الشغب طاقة نشاط، “ما عادوا مجرد رقم داخل زنزانة”.

والمثالية الإصلاحية في سلوك كلارك، باعتباره رمزا مفترضا للقوة، تدافع عن نفسها حين تتصدّى لسادية ضباط آخرين، وهم أنسفهم شرذمة ممزقة. وليز تثير المشاكل يمينا ويسارا غير أنها تخلص حتى الموت لزملائها الممثلين.

ما هو الاستعمار؟

لا تتوخى المؤلفة الحذر وهي تطرق موضوع الأمبريالية في سردها لوقائع أهملها التاريخ أو رماها في حواشي كتبه. وبالإضافة إلى التشديد على قدرة الفن على إصلاح العوج في منفى للعُتَاة عبر نفخ الروح في نفوس تائهة تنهل من الرذيلة ويغيب عنها التوازن، تشحذ دراما الصراع الحضاري والثقافي بين المستعمِر والمستعمَر، وغزو البريطانيين لأرض مأهولة بالسكان بصفته احتلالا، متكلة على بطولة خالصة يعكسها هذا النص الكلاسيكي.

والأهم أن إحساسا لا يخامرنا بأنها مسرحية عفا عليها الزمن، إذ تقطّر التاريخ في قالب معاصر لتتساءل عن دلالات كلمة “الاستعمار” وكأنما تفتش في قاموس تاه منا منذ عقود، متحديّة التعريفات المضللة والقائمة على مصلحة المحتل.

هل غزو القوي للضعيف له ما يبرره أبدا؟ تناقش المسرحية ماهية الاحتلال وكيف يتقهقر الحق أمام سطوة الباطل، فنتساءل هل تدافع القوى العظمى على أرض ما له مسمّى آخر غير الغزو؟ تشتدّ القبيلة في مواجهة الوافد الأبيض، فهل مقاومته إرهاب؟ وهل هناك فرق بين مدنيّ وعسكريّ إن أغار أحدهما على مسكنك؟ أسئلة تجيب عنها المسرحية، من دون تواريخ أو أسماء، فتهبنا أرضية صلبة لتفنيد إجابات أخلاقية شافية تتبدّى، في رأي الآخرين، معجمية تنحو إلى السذاجة السياسية.

15