مصلحون ومفكرون أدمنوا الفضول فغيروا وجه العالم

الأربعاء 2015/04/22
الفضول يلعب دورا حيويا في تحقيق السعادة والرفاهية للأشخاص الذين يتمتعون به كموهبة

تتخذ سمة الفضول معاني متعددة، بعضها يفسر على أنه جانب سلبي للشخصية التي يمتلك صاحبها فضولا مبالغا فيه لمعرفة أسرار الناس والتدخل في خصوصياتهم، وهي سمة لطالما لازمت المرأة من وجهة نظر الأدبيات الدارسة، رغم أن الدراسات الحديثة أكدت على أن للرجال نصيبهم أيضا من عادة الفضول (السيئة)، بل إنهم يتفوقون على النساء في مستوى فضولهم في ما يتعلق ببعض الأمور، ومنها تلك التي تصب في مسار علاقاتهم بالجنس الآخر.

الفضول لا يمكن أن يمثل المعنى الضيّق من السلوك المرفوض، حيث أننا نرجع العديد من الاكتشافات والاختراعات في مجالات العلم المختلفة إلى ظاهرة الفضول المبالغ فيه عند بعض العلماء، الذي قوض أصول نظريات قديمة ورسم الخطوط العريضة لنظريات حديثة، كانت نتيجة طبيعية لتطور مفهوم الفضول بأبهى صوره، وتبيّن أن في فرحة الاكتشاف تكمن القوة الخفية التي تمثل الدافع الحقيقي وراء الرغبة في التعلم والتفكير الناقد والاستدلال، وهو ما يعرّف علميا بالفضول البنّاء.

وتتمثل أقرب صور هذا الفضول وأكثرها وضوحا في طريقة تعلم الطفل، مطالعته للكتب، استكشافه للبيئة، بحثه عن معاني الأشياء، سعيه إلى التواصل مع الأشخاص والخبرات الجديدة وأسئلته الكثيرة والغريبة.

وترى الدكتورة مارلين برايس ميتشل، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة ميتشغان الأميركية، وهي أحد مؤسسي رابطة تعنى بدور مؤسسات المجتمع في دعم تطور الطفل والشاب معرفيا وسلوكيا، أن معظم المعلمين يدركون بأن للفضول دورا مهما في تعلم الصغار، إلا أنهم يشاهدون من خلال تجربتهم اليومية بأن العديد من الطلبة يحققون تقدما دراسيا ملحوظا أيضا من دون أن يكونوا فضوليين، وذلك بوساطة فهمهم للنظام الدراسي ومتابعتهم للدروس وحرصهم على أداء واجباتهم.

كلمة "لماذا" هي العنصر الحاسم في رسم ملامح الطفل المستقبلية في ما يتعلق بالتحصيل العلمي

أما الأطفال الفضوليين فهم يقضون وقتا طويلا في القراءة والمتابعة خارج نطاق مناهجهم، لاستشعارهم بالفجوة الحاصلة بين ما يعرفونه وما ينبغي عليهم معرفته، وليس لأنهم يهدفون إلى تحقيق درجات دراسية عالية، وأكثر من هذا، فإن الأطفال الذين يقعون في قبضة الفضول غالبا ما يهملون أهدافهم المباشرة في التعلم بسبب طموحهم وانشغالهم بتوسيع مداركهم المعرفية.

على الرغم من ذلك، فإن علماء النفس يجدون في الفضول مصدر قوة في حياة الفرد ولأنه يعمل في منطقة الذكاء، فهو يلعب دورا حيويا في تحقيق السعادة والرفاهية للناس الذين يتمتعون به كموهبة أو ملكة، كما أنه مرتبط نوعا ما بمجموعة من الملكات الأخرى كالوعي الذاتي، النزاهة، المرونة، الإبداع، التعاطف وسعة الحيلة.

وتكمن أهمية الفضول في كونه دافعا مستمرا لدفع عملية التعلم إلى مجالات الحياة المختلفة، كالعمل والعلاقات الاجتماعية، فهو المسؤول عن توجيه الطلاب إلى ما يحتاجونه من معارف وخبرات وعلاقات جديدة في الحياة، الأمر الذي يوفر لهم التمتع بميزات تجربة حياة مختلفة عن الآخرين، متكاملة ومنتجة.

ويرى وارن برغر، الخبير والصحفي في كتابه "أكثر الأسئلة جمالا"، أن واحدة من أهم الأدوات الشخصية قوة في إحداث التطوير في مجال الأعمال هي قدرة الأفراد على طرح الأسئلة والخيال الواسع والفضول الذي يتمتع به البعض منذ مرحلة الطفولة، لاستقراء الواقع والبحث عن أجوبة والخروج بأفكار يمكنها أن تغيّر قواعد اللعبة الروتينية، كذلك خلق فرص جديدة في الحياة العملية، فلماذا يتردد البعض في طرح الأسئلة البناّءة التي تبحث عن أجوبة في أزمان أشمل وأعمق؟

في فرحة الاكتشاف تكمن القوة الخفية التي تمثل الدافع وراء الرغبة في التعلم والتفكير الناقد والاستدلال
ويكشف كتاب برغر حقائق تشير إلى أن الأطفال الذين يعتادون طرح الأسئلة سرعان ما يتوقفون عن ذلك حال التحاقهم بالمدرسة، حيث تبدو أسئلتهم وكأنها "سقطت في هاوية"، فالنظام التعليمي لا يعتمد على الإبداع بقدر اعتماده على الروتين، حيث يسبب الفضول والأسئلة المتوالية بعض الإزعاج، لأنها تعرقل انسيابية عملية التعليم من وجهة نظر القائمين عليها أو أغلبهم، كما لا يمكن إنكار استعداد بعض المعلمين إلى الاستماع ولكن على مضض وربما التغاضي عن الإجابة أو دعم التلميذ بمصادر تعينه على ذلك.

ومع ذلك، يؤكد بيرغر على أن أغلب الناجحين والمبدعين يتقنون (فن التحقيق) في الواقع وإثارة أسئلة لا أحد غيرهم يمكنه أو لديه الموهبة على طرحها، تلك الأسئلة التي لا تبحث عن أجوبة سريعة وآنية مثل، ماذا لو؟ وكيف؟ وأورد المؤلف أمثلة حية عن مجموعة من المبدعين في مجال الفن، التعليم، الأعمال والمفكرين والمصلحين الاجتماعيين الذين أسهموا في تغيير وجه هذا العالم من خلال فضولهم غير المتناهي.

ولهذا، يقع على عاتق الأهل والمعلمين مسؤولية تحفيز الطفل على طرح الأسئلة ومساعدته في الاستطلاع والبحث عن الإجابات، ووفقا لدراسات حديثة في مجال علم النفس التربوي، فإن كلمة "لماذا" هي العنصر الحاسم في رسم ملامح الطفل المستقبلية فيما يتعلق بالتحصيل العلمي وربما الحياة الاجتماعية؛ فالطريقة التي يعتمدها الطفل – الفرد في طرح السؤال الذي يتبعه بـ“وإذا لم” أو “كيف إذا” ومدى مهارته في استقراء البيئة المحيطة به ووسائله في البحث عن إجابات، قد تجعله شخصية قائمة بذاتها وعنصرا فاعلا في المجتمع يختلف عن الآخرين، هذا الاختلاف هو عينه الذي يصب في مصلحة المعرفة.

21