"مصل الحقيقة".. سلاح "سي.آي.أي" لاقتلاع اعترافات سجناء القاعدة

حقائق تكشف دور أطباء وكالة المخابرات المركزية الأميركية في التعذيب.
الأحد 2018/11/18
كل الأساليب ممكنة لاقتلاع الاعترافات

واشنطن - كشفت وثائق أميركية رفعت عنها السرية حديثا، أن محققي وكالة المخابرات المركزية “سي.آي.أي” سعوا للحصول على “مصل الحقيقة” لاستخدامه على سجناء تنظيم القاعدة بالإضافة إلى الإيهام بالغرق وأساليب تعذيب أخرى في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ونُشرت الوثائق التي جاءت ضمن تقرير يبلغ عدد صفحاته 90 صفحة عن مكتب الخدمات الطبية المسؤول عن التحقيقات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بعد معركة قضائية قادها الاتحاد الأميركي للحريات المدنية.

وقال الاتحاد الأميركي للحرية المدنية، إن التقرير بالكامل أوضح كيف كان للأطباء دور مهم في برنامج التعذيب وساعدوا على إضفاء الشرعية عليه.

وكتب درور لادين، المحامي في مشروع الأمن الوطني للاتحاد الأميركي للحريات المدنية “آكلو”، قائلا “بفضل النصر الذي حققه الاتحاد الأميركي للحريات المدنية في محكمة اتحادية، فنحن نعلم الكثير جدا عن أطباء كانوا يعملون في المخابرات المركزية الأميركية انتهكوا قسم الأطباء بعدم إيقاع الضرر”.

ويضيف لادين “والآن، فقد فزنا بالكشف عن رواية تتألف من تسعين صفحة عن الدور الذي لعبه مكتب الخدمات الطبية التابع لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في برنامج تعذيب الوكالة، وهو تاريخ سرّي كتبه مسؤول طبي رفيع في وكالة المخابرات المركزية ظلت هوّيته سرية”.

ويكشف التاريخ أن أطباء وكالة المخابرات المركزية كانوا يبحثون عن “مصل الحقيقة” لاستخدامه على السجناء كجزء من الجهود السرية السابقة التي أُطلق عليها برنامج الدواء.

درور لادين: فزنا بالكشف عن رواية تتألف من تسعين صفحة عن الدور الذي لعبه مكتب الخدمات الطبية التابع لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في برنامج الوكالة  لتعذيب السجناء
درور لادين: فزنا بالكشف عن رواية تتألف من تسعين صفحة عن الدور الذي لعبه مكتب الخدمات الطبية التابع لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في برنامج الوكالة  لتعذيب السجناء

ودرست وكالة المخابرات المركزية سجلات تجارب الأدوية السوفييتية بالإضافة إلى برنامج التجارب على البشر التابع لوكالة المخابرات المركزية “أم.كيه-ألترا” سيء السمعة والفاقد للمصداقية، والذي اشتمل على تجارب على البشر باستخدام عقاقير خطيرة على أفراد دون علمهم.

ويشير جوليان بورغر، مراسل صحيفة الغارديان في واشنطن، إلى أنه بعد اليأس في الحصول على معلومات عن هجمات مستقبلية محتملة من أحد كبار أعضاء تنظيم القاعدة أبوزبيدة، الفلسطيني الجنسية السعودي المولد، الذي يُعتقد أنه ساعد في التخطيط لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، عاد المحققون إلى عقود من الزمان إلى الوراء للتجارب التي أجرتها الوكالة في الخمسينات من القرن الماضي باستخدام عقاقير تسبب الهلوسة مثل ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك (أل.أس.دي) وإلى الاختبار الروسي لأمصال الحقيقة المزعومة في عقد الثمانينات من القرن الماضي.

وقال درور لادين “دون مشاركة الأطباء لم يكن ليحدث أي من هذا.. لقد كانوا مشاركين ضروريين ومتواطئين بصورة كاملة”. وكان أطباء وكالة المخابرات المركزية الذين شاركوا في برنامج الدواء يرغبون في استخدام فيرساد، وهو عقار له تأثير نفسي مماثل لتلك العقاقير المستخدمة في “أم.كيه-ألترا”، على السجناء.

وفي مشروع الدواء استخدم أطباء وكالة المخابرات المركزية الأميركية الباربيتورات مثل أميتال الصوديوم ومُحدث الذهان، الذي يتسبب في أعراض الذهان. وكانوا مهتمين بشكل خاص بعقار تجاري اسمه فيرسيد أو ميدازولام، وهو مهدّئ يمكن أن يتسبب بفقدان الذاكرة عندما يكون تأثيره ساريا.

وجاءت الفكرة لمسؤولي مكتب الخدمات الطبية بوكالة المخابرات المركزية وسط حالة اليأس الناتجة عن أن “يبدي أبوزبيدة مرونة ملحوظة” على الرغم من خضوعه لمعاملة وحشية اشتملت على مواقف تعرض فيها للضغط والحرمان من النوم.

وقال التقرير إن “حدة وفترة استجواب أبوزبيدة مثلتا مفاجأة لمكتب الخدمات الطبية ودفعتا إلى المزيد من الدراسة لما يبدو أنه بديل غير خطير بصورة أكبر من المقابلات المبنية على العقاقير”. لكنهم وجدوا افتقارا كاملا لوجود دليل تاريخي على أن العقاقير يمكنها أن تحث شخصا على الإدلاء بمعلومات. وقالت نشرة مخابراتية في عام 1961 “لا يوجد مثل هذا الشراب السحري كفكرة شهيرة لمصل الحقيقة”.

وأضافت “يبدو أنه من المرجح أن أي شخص استطاع المقاومة خلال التحقيق المكثف العادي يمكنه تحمّل المخدر”. ومازال المحققون يعتقدون أن العقاقير قد تخدع السجين ليفكر في أنه قد فعل ذلك.

ويرى المحققون أن “مثل هذه العقاقير، على الرغم من أنه يتم اعتبارها مصادر غير موثوقة لـ’الحقيقة’، فإنه يعتقد أنها يمكن أن تكون مفيدة كـ’حجة’ قد تتيح للشخص أن يكون أكثر استعدادا للمساعدة في تقديم المعلومات في حين مازال يحتفظ بماء وجهه”.

لكنهم واجهوا حظرا على البحث الطبي للوكالة على السجناء الذي جاء بعد برنامج أم.كيه.أتلرا في عقد الخمسينات من القرن الماضي الذي كانت تستخدم فيه عقاقير هلوسة على البشر. وانتحر أحد الأشخاص من الذين تم إعطاؤهم أل.أس.دي بصورة سرية في ما بعد.

وتجاهلت وكالة المخابرات المركزية الدروس ولم تتعلم من تاريخها. ويشير لادين إلى أن مدير الوكالة في عام 1977 شهد قائلا “إن التفكير في استخدام البشر مثل الخنازير الغينية لشيء بغيض بالنسبة إلي”. لكن بعد مرور عقود من الزمن، قررت الوكالة إجراء تجارب على البشر مرة أخرى، واختبرت نظريات علمية زائفة عن “العجز الذي يتم عمله” على سجنائها.

وفي حين أن برنامج الدواء لم يبدأ قط، فإن العاملين الطبيين ظلوا مشاركين بصورة حاسمة في التجارب على التعذيب. ومثلهم مثل محامي الحكومة الذين حاولوا إضفاء الطابع القانوني على التعذيب غير القانوني، فإن التاريخ السري يكشف عن أن أطباء وكالة المخابرات المركزية كان “لا غنى عنهم” للجهود المبذولة “لإضفاء الشرعية على البرنامج”.

وربما يكون العنصر الأكثر إثارة في الوثيقة، وفق لادين، هو غضّ أطباء وكالة المخابرات المركزية الطرف بصورة متعمّدة عن حقيقة ما كانوا يفعلونه. وقرر أطباء الوكالة أن الإيهام بالغرق “يقدم راحة مؤقتة” في الواقع للسجين لأنه كان يمثل راحة من البقاء واقفا لأيام مع حرمانه من النوم.

وبالمثل، فإن أطباء الوكالة قرروا أنه عندما يتم وضع سجين مختلف في صندوق يبلغ حجمه حجم النعش، فإن هذا يُقدم “ملاذا آمنا غير خطير” من طرق تعذيب أخرى. ووصف أطباء الوكالة سجينا آخر، بكى وتوسل ونزف وتقيّأ وطلب الإنعاش الطبي بعدما تعرض للإيهام بالغرق، بأنه “قاوم بصورة مثيرة للدهشة الإيهام بالغرق”.

ويقول لادين مستنكرا إنه “على نحو لا يُصدق، توصل أطباء الوكالة إلى أن برنامج التعذيب كان خاليا بصورة مطمئنة من التأثيرات النفسية أو البدنية الدائمة”.

وتذكر الغادريان أنه في قضية خالد شيخ محمد، العقل المدبر لتنظيم القاعدة الذي يقف وراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر والذي خضع للإيهام بالغرق 140 مرة، قال أحد العاملين الطبيين في وكالة المخابرات المركزية إن التعذيب، الذي يحاكي تجربة الغرق، “قدم راحة مؤقتة من الوقف مع الحرمان من النوم”.

وفي قضية أخرى من قضايا أبوزبيدة، تم وضعه في صناديق نعش بحجة أن ذلك “يساعد في الهرب من تدابير أكثر صرامة”.

تاريخ سري للتعذيب
تاريخ سري للتعذيب

وكان أبوزبيدة، الذي اعتُقل وأُصيب في فيصل أباد في شهر مارس من عام 2002، هو أول أهداف تدابير الاستجواب القاسية التي صرحت بها إدارة بوش. ولم يتم تعريف المعسكر الذي تعرض فيه للتعذيب في التقرير، لكن كُشف عنه بعد ذلك وهو “ديتنشن سايت جرين” في قاعدة عسكرية تايلاندية. وكانت جينا هاسبل، مديرة وكالة المخابرات المركزية الأميركية الحالية، هي التي تُدير المعسكر على الرغم من أنها وصلت بعد انتهاء أسوأ فترة لتعذيب أبوزبيدة.

وكان القرار قد اتخذ بأن أطباء وكالة المخابرات المركزية لن يقدموا رعاية طبّية عملية، لذا، فإن المعتقل “كان لديه شعور بأنه لا يمكنه الفرار نظرا للحاجة المزعومة للرعاية الطبية”. وكان يتم منح المعتقل ضمادات ومطهرا ويُترك ليتعامل بنفسه مع الجروح التي يعاني منها جراء إصابته بالرصاص.

وفي أول أيام استجوابه في الرابع من شهر أغسطس، تعرض أبوزبيدة للصفع والاندفاع في الحائط، وتم وضعه تدريجيا في صناديق أصغر، وفي النهاية تعرض للإيهام بالغرق. وكان يُفترض أن هذه المعاملة ستكسر مقاومته في غضون يومين، لكن الموظف الطبي في وكالة المخابرات المركزية لاحظ أنه “يبدو يقاوم الإيهام بالغرق بصورة مثيرة للدهشة” وأنه “أصبح معتادا على الصناديق”.

وقال التقرير إنه “على عكس التوقعات، فإن العملية كانت ستستغرق وقتا أطول”. وفي الثامن من أغسطس “تركت جلسة عدوانية أبوزبيدة مضطربا بصورة كبيرة وتأثر بعض العاملين في الموقع بشدة”.

وقرر الأميركيون في الموقع الأسود لوكالة المخابرات المركزية عدم المواصلة في ذلك  حتى تشهد القيادة في مركز مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة مباشرة. وتم عمل مؤتمر عبر الفيديو لكن صدرت لهم الأوامر بالاستمرار. وسيشتمل دور العاملين الطبيين في الوكالة من الآن فصاعدا على تقديم المشورة للموظفين.

وأدى التحقيق مع أبزبيدة إلى مناقشة “مزيل التثبيط” الطبي، وإلى مراجعة وكالة المخابرات المركزية استخدام “أمصال الحقيقة” التي تعود إلى تجارب أميركية وروسية وصينية قديمة. وفي مراجعة في نهاية عام 2003، والمعروفة بصورة غير رسمية باسم مشروع الدواء، كان العقار المفضل والموصى به هو عقار البنزوديازيبينات والذي يطلق عليه اسم ميدازولام، والمعروف أيضا باسم فيرسيد.

وطبقا للقانون الدولي، فإن هناك حظرا على إجراء التجارب الطبية على السجناء، كما أن هناك حظرا على استخدام “عقاقير مسببة للهلوسة”. وقال محامو وكالة المخابرات المركزية إن الوضع القانوني لـ”أمصال الحقيقة” لم يكن واضحا، لكن القضية أصبحت تمثل جدلا حيث أن القسم القانوني “لا يرغب في إثارة أي قضية أخرى مع وزارة العدل”.

كما أشار تقرير وكالة المخابرات المركزية أيضا إلى جانب سلبي آخر لاستخدام العقاقير. فخلال برامجها للاستجواب، كان يتم تصعيد استخدام تقنيات قاسية إذا وجد أن المعتقل قدم معلومات زائفة.

وقال التقرير إن “المعتقل الذي يتحدث تحت تأثير العقاقير، على الرغم من ذلك، يمكنه أن يدعي الجهل بصدق بأي شيء قاله”، وأضاف أن الفشل في مواصلة التحقيق بمساعدة العقاقير أبعد أطباء وكالة المخابرات المركزية عن “بعض المخاوف المهمة”.

ويخلص لادين قائلا “الحقيقة هي أن تعذيب وكالة المخابرات المركزية قد خلف إرثا من الأجساد المكسورة والعقول التي تعاني من صدمات. واليوم، ومع وجود رئيس أيّد التعذيب علنا ومع وجود مدير لوكالة المخابرات المركزية كان متواطئا بصورة كبيرة في تعذيب السجناء، فإن فضح جرائم الماضي أصبح أكثر أهمية من ذي قبل.  ومع إدراك الأدوار التي لعبها المحامون، والأطباء، والأطباء النفسيون الذين سمحوا بالتعذيب ضروري للتأكد من أن هذا لن يحدث مرة ثانية”.

7