مصممة أزياء فلسطينية تحطم نمط الأزياء الوقورة والجامدة لنساء غزة

تفرض المجتمعات المتشددة على المرأة لباسا محددا غالبا ما يكون فضفاضا وأسود يكرس فكرها السوداوي الذي لا يرى المرأة إلا جسدا، إلا أن ذلك لم يمنع هوس النساء بالموضة ومواكبتها، وسعيهن إلى كسر نمط الحياة الذي فرض عليهن، ومن خلال التمرد على واقعهن والتخصص في مجال الأزياء.
الجمعة 2016/08/26
تمرد على ملابس تتسم بالرتابة

غزة - تتجه النساء في قطاع غزة إلى ارتداء ثياب طويلة فضفاضة وأغطية للرأس، وعادة ما تكون كلها سوداء اللون. وتبدو فكرة ارتداء النساء ملابس قصيرة بهيجة الألوان، مثل تلك التي تسود عروض الأزياء في باريس وكأنهن ينتمين إلى عالم آخر بعيد.

غير أن مصممة الأزياء الفلسطينية نرمين الدمياطي تحاول تغيير هذا الاتجاه، فهي تسعى إلى المزج في خطوط الموضة بين الشرق والغرب، وبين التراث والتحديث، وبين الحرية وأعراف المجتمع الإسلامي.

وتقول نرمين التي تبلغ من العمر 29 عاما “تتمثل فكرتي في أن أصمم ملابس بسيطة فقط”، وتقوم طوال الأعوام الأربعة الماضية بتصميم قطعة واحدة من الملابس خاصة بكل زبونة، وهو أمر مختلف عن إنتاج الملابس على نطاق واسع، ويعد ذلك مشروعا نادرا في الأراضي الفلسطينية.

بينما يقول عادل الهولدالي، عضو رابطة المنسوجات في الضفة الغربية وغزة، “لا يكاد يوجد أحد في هذه الأيام يقوم بمثل هذا العمل”.

ويقدر الهولدالي عدد مصممي الأزياء المبتكرين مثل نرمين في جميع الأراضي الفلسطينية بنحو عشرة. ويوضح أن الجميع في الأراضي الفلسطينية يرتدي نفس النوعية والنمط من الثياب، لأن المجتمع محافظ للغاية في هذه المنطقة.

ويضيف “إن الملابس بالنسبة إلى البنات المسلمات أصبحت وكأنها زي رسمي موحد”، خاصة في قطاع غزة الذي يحكمه الإسلاميون.وتجلس نرمين في المشغل الخاص بها وهي ترتدي بلوزة طويلة لونها أزرق غامق وحذاء أحمر وساعة لها شريط جلدي أحمر اللون، كما تضع رباطا أحمر في شعرها، رغم أنها تضع فوقه غطاء رأس من الدانتيلة بلون الرمل، ملفوفا بعفوية حول عنقها.

وتتذكر نرمين قائلة “عندما كنت صغيرة في السن اعتدت تقصير ثيابي بالمقص، وكانت أمي تشعر بالاستياء الشديد من هذا التصرف”.

وكانت ترى أن الملابس التي تعطيها أمها لها تتسم بالرتابة وتثير الضجر بسبب طولها البالغ. وعندما شاهدت مقاطع فيديو على الإنترنت، اكتشفت أنها يمكنها أن تصبح بالفعل مصممة ملابس محترفة.

الأزياء الفلسطينية تتجه إلى تجريد الملابس التي ترتديها النساء في الحياة اليومية من أي زينة

وتقول “إنني شعرت بالدهشة البالغة عندما عرفت أن ملابسنا تبدأ بقلم وقطعة ورق بيضاء خالية”. وبعد دراسة تصميم الأزياء في كلية بغزة، ساعدها والدها على تأسيس المشغل الخاص بها. وتضيف “إنني كنت معجبة بمصممي الأزياء البريطانيين، وأيضا بكريستيان ديور وبمصممي الأزياء العرب”.

وهي تحب أسلوب الملكة رانيا الذي يتسم بالبساطة والأناقة في ارتداء الملابس، كما تعرب عن إعجابها بثياب الملكة اليزابيث الثانية. وعلى المستوى الشخصي تحب نرمين ارتداء الملابس التي تتسم بالأناقة وفي نفس الوقت بالبساطة، وتهوى الألوان الفاتحة والمحلاة بقطع إكسسوار رزينة.

وتقول نرمين إنه “بينما تتجه الأزياء الفلسطينية إلى تجريد الملابس التي ترتديها النساء في الحياة اليومية من أي زينة، نجد أنها تتجه في المناسبات الكبرى إلى المبالغة في التزين”.

وتضيف “عندما تنظر إلى فساتين الزفاف الغربية تجد أن العرائس يرتدين فساتين بسيطة التصميم مع إكسسوارات بسيطة، بينما نجد النساء هنا يخترن الفساتين المفرطة في الزخرفة”. وصممت نرمين فستانا أسود اللون وظهره محلى بحاشية وأحجار ذهبية، للفتاة شروق عبداللطيف البالغة من العمر 21 عاما، التي كانت تريد تصميم فستان خاص بها لحضور حفل زفاف شقيقتها في وقت سابق من العام الحالي.

وتعلق شروق على أناقة الفستان، وهي تتذكر حفل الزفاف، قائلة بحماس “كان هذا الفستان فريدا من نوعه وليس له مثيل في الحفل”، إلى درجة أن الجميع كانوا يسألونها من أين حصلت عليه؟ وكانت ترد على كل سؤال بأن تطلب منهن التوجه إلى مشغل نرمين الذي يحمل اسم “موضة المحجبات”.

ويمكن رؤية فستان أسود اللون مزدان بتطريز بالدانتيلة الشفافة معلق على مانيكان داخل مشغلها، بينما يوجد فستان آخر معلق بلون فيروزي ومزدان بخطوط متعرجة، وثالث جزء من ظهره عار، مما يعني أن النساء يتمتعن بحرية أكبر في ارتداء الملابس أثناء الحفلات العائلية.

ويبدأ سعر الفستان في مشغل نرمين بنحو 100 يورو (111 دولارا)، ويعمل لديها حاليا أربعة أشخاص. وتقول إن “المشروع يسدد نفقاته بالكاد، ولكنني لم أحقق ربحا منه بعد”.

ويوضح هاني مراد المدير السابق لمعهد الأزياء والمنسوجات ويقع مقره بالقرب من بيت لحم أن الاقتصاد المتعثر يمثل المشكلة الأساسية لنرمين. ويقول “إن تصميم الأزياء يعد نشاطا تجاريا ينتعش في أوقات ازدهار الأوضاع الاقتصادية”.

وفرضت السلطات الإسرائيلية سيطرة صارمة على الصادرات والواردات، كما يحتاج أي شخص يريد مغادرة غزة إلى تصريح. وتشير نرمين إلى أن هذا الحصار يعني صعوبة الحصول على بعض المواد والإكسسوارات اللازمة لتفصيل الملابس مثل الأزرار ودبابيس الزينة.

وتقول إنها تود السفر إلى تركيا وباريس لدراسة الأزياء فيهما، وتضيف “إنني لم أسافر إلى أوروبا على الإطلاق”، ولكن من غزة تبدو أوروبا حلما بعيد المنال.

21