مصنف "محمد.. الرسالة والرسول".. رؤية مستنيرة ضد التعصب الديني

الثلاثاء 2013/12/31
الرسول لم يقبل المساومة لحظة واحدة في موضوع رسالته

القاهرة – "محمد.. الرسول والرسالة" كتاب لمفكر مسيحي، وعلم من أعلام فترة المد الثقافي في منتصف القرن العشرين، هو نظمي لوقا الذي ربما لم يعرفه الشباب الآن، لكنه كان نموذجا في رحابة فكره، وسعة اطلاعه، وغزارة علمه، لم يترك في عقله أيّة مساحة لتعصب ديني ضد أو مع .

يقول في مقدمة كتابه، من يغلق عينيه دون النور يضير عينيه ولا يضير النور، ومن يغلق عقله دون الحق، يضير عقله وضميره، ولا يضير الحق. وما من آفة تهدر العقول البشرية كما يهدرها التعصب الذميم الذي يفرض على أذهان أصحابه وسرائرهم ما هو أسوأ من العمى لذوي البصر، ومن الصمم لذوي السمع، لأن الأعمى قد يبقى بعد فقد البصر إنسانا.

ويضيف: إني لأسأل من يستكثر الإنصاف على رسول أتى بغير دينه، أما استكثر على نفسه أن يظلمها إذ يحملها على الجحود والجوع. ولست أنكر أن بواعث كثيرة في صباي مرتبطة بيني وبين هذا الرسول، وليس في نيتي أن أنكر هذا الحب أو أتنكر له، بل إني لأتشرف به وأحمد له بوادره وعقباه.

ويقول المؤلف: إن موقف الناس من الوحي واحد ،أيًّا كانت الرسالة الموحى بها والرسول المخبر عنها، لم يطلب أحد من رسول قبل محمد برهانا عيانيا على وحيه كي يطالب به محمد، فمن اعترف بوحي السماء إلى رسول البشر، لزمته الحجة ألا ينكر نزول الوحي على محمد من حيث المبدأ، فوجه الامتناع هنا غير قائم بمبرر نزيه.

ومن هنا وجب النظر النزيه في رسالة محمد، والبحث في مضمونها، لنلتمس فيها آيات الصدق التي يصدق الناس بمثلها من سبقه من المرسلين، وليس فيها ما يدعو للريب، ويبرر دمغها بالزيف أو الدجل أو البطلان.

ويشير المؤلف إلى رسالة المسيحية، قائلا: كان الطور الطبيعي للإنسانية أن تتطلب الهداية، في رسالة المسيحية التي لا تدعو إلى التوحيد والتنزيه فحسب، بل تجعل الله المعشوق الأسمى الذي يتجه إليه وجدان كل إنسان، فيتلاشى من قلبه حب كل معشوق سواه، ولا يبقى للحس وجاهة سلطان على قلب ذلك المحب، ولا للطقوس قيمة، لأنه إذا حضر المحبوب لم يكن لتملي رسمه على الورق أو مناجاة طيفه معنى. وأعني بالمسيحية هنا ما جاء به المسيح من نصوص كلامه، لا ما ألحق بكلامه وسيرته من التأويل، فالمسيحية بهذا الاعتبار هي دين القلب الإنساني من حيث هو كذلك، بصرف النظر عن الفوارق الإقليمية والشعوبية.

ما من آفة تهدر العقول البشرية كما يهدرها التعصب الذميم الذي يفرض على أذهان أصحابه وسرائرهم ما هو أسوأ من العمى لذي البصر، ومن الصمم لذي السمع

ويرى المؤلف: أن أول مقياس يقاس به صدق صاحب رسالة هو مبلغ إيمانه حتى امتحنته الخطوب ولقي في سبيلها العنت والبلاء والاضطهاد. إن الرسالة التي تسير بصاحبها على مهاد من الود، ويكون هدفها الغم له أو لذويه لا تدل على إيمانه، بل على وصولية وطمع أو طموح.

كان النبي موفور الكرامة والمكانة بين قومه، من نسب رفيع، وحسب المنيع. لكنه كان وحيدًا أعزل أيام الرسالة لا أمل له في نصرة أحد على قومه، وهم أئمة الشرك، وحراس الكفر وأولياء عاصمته، كلا إن هذه نبوة وليست ملكًا، ولا وراثة في النبوة.

لم يساوم الرسول ولم يقبل المساومة لحظة واحدة في موضوع رسالته، على كثرة فنون المساومات، واشتداد المحن، وهناك موقف مشهور جداً من تلك المواقف هو موقفه من عمه أبي طالب حين قال له: إن قريشًا تشدد عليه النكير بسبب ما يبسطه عليه من حمايته. وإنه – على كبر سنه – مهدد باجتماعتهم على مقاطعته وعداوته، وقد قالوا له: “إنا والله لا نصير على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه أو تنازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين”.

وتقدم عمه إليه بقوله: “فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق”. وأطرق محمد وما أحسب هلاكه كان أهون لديه من تخييب رجاء عمه، فحق لمن في مثل نخوته وبره أن يطرق ويُتّهم وهو يتعرض إلى تهمة العقوق.

ثم كانت الكلمة التي لا تنطق إلا عن منتهى الشجاعة ورسوخ اليقين بما هو سبيله.. “يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر عن يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته”.

13