مصورة فوتوغرافية لبنانية تبث الحياة في الآلات

تقدم صالة “أليس مغبغب” في العاصمة اللبنانية بيروت ثلاثين صورة فوتوغرافية حديثة للمصورة اللبنانية نانسي دبس الحاصلة على شهادة الماجيستر في التصوير الفوتوغرافي، وحمل المعرض عنوان “إتلاف”، ضم صورا تذكارية بكل ما تعني الكلمة من معنى لصفائح إلكترونية مُهملة انتقتها المصوّرة دون غيرها لألوانها أو لحيوية خطوطها وأسلاكها، أو لما أوحت لها من أفكار ووجوه بشرية استطاعت أن ترمز إلى مخازن الذاكرة الجماعية التي تم التخلّص منها بعد أن فاض بها الحال، أو تعطلت قدرتها على التقاط إشارات جديدة تحمل بصمات أيامنا وأحوالنا فتخزّنها إلكترونيا.
الجمعة 2017/12/08
أنسنة الآلة وأجزائها

بيروت – الصور الفوتوغرافية التي علّقتها المصوّرة الفوتوغرافية اللبنانية نانسي دبس على جدران صالة “أليس مغبغب” البيروتية من خلال معرضها المعنون بـ”إتلاف”، أو “تلف”، لم تلتقط فقط جوانب أو زوايا من الصفائح المعدنية التي تتألف منها “قلوب” أجهزة الكومبيوتر، بل تناولت أجزاء من أنواع مُختلفة من صفائح تمّ رميها بعد طول استخدام وتعود إلى أجهزة كالهاتف والغسالات والتلفزيونات وأجهزة الواي فاي، والآلات الحاسبة ورقائق الذاكرة الإلكترونية وكل ما احتضنه يوما ما جهاز صناعي اخترعه الإنسان لكي يسهل عليه حياته، أو لكي يخزّن فيه معلومات مهمة وذكريات على أنواعها، بصرية كانت أم سمعية.

وتقول الفنانة المصوّرة “منذ أن كنت صغيرة، كان العالم الذي يشمل تصميم وتنفيذ الإنسان الآلي والأجهزة الصناعية والإلكترونية المتطوّرة، عالما باهرا بالنسبة لي ومليئا بالإيحالات، أمضيت أوقاتا كثيرة في تأمل هذا العالم قبل أن أنتقل إلى تصويره وتصوير دقائقه، وكان تصوير هذا العالم أهم ما شغلني منذ بداية حياتي المهنية كمصورة فوتوغرافية”.

وبالفعل قدمت نانسي دبس العديد من المعارض التي وضعت فيها الآلة وأجزاءها نصب عدستها وأظهرتها من جوانب مختلفة بثت فيها حياة غرائبية مغلقة على أسراها وغير مستعدة للإفصاح عنها، ومن هذه المعارض نذكر المعرض الذي وضعت فيه إلى جانب صورها الفوتوغرافية أجزاء منتقاة من آلات بدت وكأنها كائنات حية لها تاريخ منفصل عمّا حققه المهندس/المُنفّذ لها.

وتضيف الفنانة المصوّرة في وصفها لهذا العالم الواسع كلمات قليلة كفيلة بأن تجعل المشاهد يُدرك تماما بأنها لم تتناول هذا العالم يوما بوصفه حيزا باردا يحمل مخاطر مستقبلية لفكرة الإنسانية، ولم تنظر إليه يوما بهذا الشغف إلاّ بعد أن “أنسنته”، إذا صحّ التعبير، فصار يستحق كل التفاتة وكل محاولة لإنقاذه من التلف الكامل، حيث تقول “أقوم بتصوير بورتريهات لهم”، لهم، أي للأجزاء التي لم تبق مجرد أجزاء معدنية لحظة دخولها إلى عالمها الفني الذي حول المادي إلى شعري.

أما التلف الكامل فأرادت المصوّرة أن تبعده عبر أخذ صور توثيقيّة مُكبّرة لدقة تلك الصفائح، أكّدت بأسلوبها الخاص أن هذه أو تلك الآلة التي استخرجت من “أرحامها”، تلك القطع هي آلة كانت مهمة في يوم من الأيام وستظل كذلك في التحوّلات التي يعيشها العالم المعاصر، لا سيما تلك التحوّلات التي تتعلق بتكنولوجيا المعلومات وعالم الروبوتيكس وتوسع العالم الافتراضي إلى حيّز مترامي الأطراف لا يعرف حدودا، ولا يمكن توقّع ما يُمكن أن يصبح في زمن قريب.

وتدخل المصوّرة عالم الفانتازيا من الباب العريض عندما تقدم لزائر المعرض مجموعة من الصور التي تبرز فيها دون غيرها من الصور ما يشبه وجوها بشرية إلكترونية، وتحضر في هذا السياق ثلاثة أعمال بالأسود والأبيض، ربما تكون من أجمل ما قدّمت في معرض “إتلاف”، ثلاثة صور تقلّ فيها التفاصيل وتُظهر وجوها طريفة ذات عيون ملؤها الاستغراب تذكّر كثيرا ببعض أعمال الفنان الإسباني خوان ميرو، لا سيما تلك التي تنتمي إلى مجموعته المُسماة بـ”الأجرام السماوية”.

نانسي دبس: صوري وجوه تعبر عن العالم الاستهلاكي وقد استحالت ذاكرته شظايا لا تموت

وتعلق نانسي دبس على أعمالها قائلة بأنها لم تضف أي عنصر بصري لكي تظهر وجوه شبه بشرية في صورها، كما أنها لم تضف أي ألوان، وأن “كل ما فعلته هو أنني اخترت زاوية محدّدة، أو كبّرت جانبا من الصورة لكي ألفت النظر إلى ما يشبه ملامح رجل آلي ينظر إلينا مُستغربا”، وتضيف المصوّرة “إنها وجوه تعبّر عن العالم الاستهلاكي وقد استحالت ذاكرته شظايا لا تموت”.

ربما لم ترد نانسي دبس أن تأخذ بمنطق هذه الصور إلى عوالم مُظلمة لا تصبح فيها هذه الشظايا بقايا ذاكرة أنقذتها من التلف، ولكن كائنات هجينة تأخذ أحيانا أشكال وجوه، وتظهر أحيانا أخرى كمشاهد لمساحات سكنية تجريدية لا تشبه إلاّ متاهات مُصمّمة بإتقان، هي لبرامج إلكترونية غير مُطمئنة تتكفل بتحييد مسار وأشكال حياتنا، برامج تطلعنا بأنّ وجوهنا البشرية ستكون عمّا قريب مجرّد تاريخ، وأن إنسانيتنا تحتضر لصالح كيانات أخرى يصعب حتى الآن تحديد ملامحها وخصائص وجوها، ولا سيما أهدافها.

وتسكن المصوّرة نانسي دبس في لبنان وهي تثابر على عرض أعمالها في المراكز الثقافية، نذكر منها المركز الثقافي الفرنسي ومتحف سرسق ومبنى اليونسكو، حيث حافظت في كل معارضها السابقة على منطق الصورة غير المُعدّلة ديجيتاليا، كما في معرضها الأخير هذا، وهي تؤكد أنها تسعى إلى التوثيق عبر صورها الفوتوغرافية لمصانع العالم المهددة بالدمار.

وتقول ذلك اقتناعا منها بأن الأشياء التي يصنعها الإنسان تحمل بصمات إنجازاته ونواة أفكاره وأحلامه وابتكاراته المستقبلية، ربما من هذا المنظار يمكن رؤية معرض نانسي دبس “إتلاف” على أنه تمجيد شعري لعقل الإنسان ورغبته في تنظيم مرافق حياته، غير أنه يشير أيضا إلى هلاك ما هو من صناعتنا، هلاك قد يتم وربما لن يكتب له ذلك، كما يرى بعض الفلاسفة المعاصرون، لأن ذلك يربط نهاية الوجود مع نهاية الإنسانية.

17