مصور اغتيال السادات يدفع ثمن أفول المجد الصحافي

مكرم جادالكريم رجل مجتهد اعتبرته مجلة "باري ماتش" الفرنسية يوما من أفضل عشرة مصورين في العالم.
الأربعاء 2019/07/31
المصور حقق ثروة جيدة بسبب بيع تلك الصور للصحف العالمية، كما فاز بفضلها بعدة جـوائز عالمية

وفاة مصور حادثة اغتيال الرئيس المصري أنور السادات تفتح دفاتر التاريخ ليتبين أن الرجل تعامل مع القصة المصورة على أنها أساس الصحافة، فالناس تحب الحكايات غالبا، والصور ضرورية للحكاية، لأن العين تُرسل رسائلها الذهنية إلى المخ ليستوعب قبل القراءة.

القاهرة - يفعل الزمن بأدواته القاسية ما لا ننتظر. تلك باختصار حكاية المصور الصحافي المصري مكرم جادالكريم، الذي غيّبه الموت في 4 يوليو الجاري، ليتساءل شباب صغار ما زالوا في خطواتهم الأولى على بلاط الصحافة عن ذلك الشخص الذي أحزن شيوخ المهنة أن يسمعوا نبأ رحيله، بينما هم لا يعرفون عنه الكثير.

على محرك البحث غوغل يتكشف مكرم جادالكريم رويدا، عندما نعرف أنه المصور العربي الأول الذي نال مجدا دوليا في التصوير الصحافي، وحاز جائزة “وورلد برس فوتو” العالمية، لأنه وثّق بكاميراته لحظات اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات في 6 أكتوبر 1981.

كان الرجل قبل ما يقرب من أربعة عقود، ملء السمع والبصر، فهو مصور مغامر من طراز فريد، تلهث خلفه الوكالات العالمية، وتدفع له مبالغ خيالية نظير صور مستحيلة، وتكرمه منظمات ومؤسسات في الداخل والخارج، وتتعلم منه أجيال.

بين ذلك المجد والنهاية الحزينة، التي أكدت أن الناس تنسى، والقمم لا تدوم، تتوهج حكاية إنسانية فريدة لمبدع احترف الخطر، وحاز المال والشهرة، ثم تبدل به الحال فصار مأساة تمشي على قدمين.

المشهد الأكثر قسوة لمن عرفوا الرجل جيدا في يونيو 2018. كان يحيى مرسي، أحد مصوري مؤسسة أخبار اليوم المصرية من الشباب، يمضي في طريقه اليومي نحو بيته في حي الهرم، بجنوب غرب القاهرة، عندما لفت نظره وقوف رجل مُسن بملابس رثة ومُتسخة، له شعر كثيف، ولحية كثة، وعينين زائغتين على ناصية الطريق.

لم يكن المشهد غريبا على يحيى، فكثيرا ما يصادف سكان القاهرة مجاذيب هائمين على وجوههم كل يوم في شوارع وأزقة المدينة الصاخبة. لكن الغريب أن الرجل كان يحمل في يده حذاءه متخذا به وضع التصوير، وكان يتحرك بخفة وسرعة ليلتقط صورا وهمية للمارة وسط ضحكاتهم الساخرة.

Thumbnail

اقترب المصور الشاب من الرجل رويدا، وبدت ملامح وجهه كأنها مألوفة له، رغم اللحية وثياب الشارع. وتذكر أنه رأى صورته في مقر عمله، كان اسما شهيرا، دقق يحيى وأمعن النظر وتحقق أن الرجل الواقف أمامه هو بالفعل المصور مكرم جادالكريم، وحاول أن يتحدث إليه لكن بلا جدوى.

هاتف الشاب زملاءه في الدار الصحافية العريقة ليخبرهم أنه وجد شيخ المصورين المصريين في الشارع هائما على وجهه، فطلبوا منه ألا يدعه حتى يرسلوا إليه سيارة لتقله.

بدأ الوعي يتسرب رويدا إلى الرجل، وأخذ يتأمل ثيابه ويتلمس بأصابعه الرقيقة شعر لحيته. ربما أبصر الرجل وجهه في مرآة السيارة فأنكره، لذا قال لمن معه “ماذا سأقول لمصطفى بك عندما يراني بهذه الهيئة”.

بالطبع كان يقصد الصحافي الراحل مصطفى أمين مؤسس جريدة أخبار اليوم، والذي عمل تحت رئاسته لمدة طويلة، لكن ربما غاب عنه أنه رحل في أبريل 1997. رسم القلق ألوانه على وجه المُسن، وكرر سؤاله وهو يطلب منهم أن يُغير ملابسه، ويحلق لحيته، وأجابوه مطمئنين، قبل أن يصعد معهم دار أخبار اليوم ويشاهد على جدرانها صوره الأشهر وعليها إمضاء مكرم جادالكريم.

انتعشت الذاكرة وانحصر الزهايمر أمام صدمة الذكريات، فُهنا شارك في حرب اليمن سنة 1963، وهناك ذهب مع القوات المسلحة إلى سيناء مرافقا في 1967، وتلك صور وزراء غابوا وماتوا، وهذه صور فنانين وكتاب ومشاهير. وفي النهاية تحركت شفتا الرجل مبصرا بعد أن أبكت هيئته الحاضرين، وقال متهللا “هُنا كنت أعمل.. تذكرت هنا شغلي”.

بالطبع أُبلغ ياسر رزق رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم بالأمر، واهتم كثيرا وتفاعل بصدق، وفاء واحتراما لتاريخ رجل مجتهد اعتبرته مجلة “باري ماتش” الفرنسية يوما من أفضل عشرة مصورين في العالم.

مكرم جادالكريم اعتبر الصورة أساس الصحافة
مكرم جادالكريم اعتبر الصورة أساس الصحافة

تم ترتيب بيت رعاية للرجل بالتعاون مع الجهات المسؤولة، وكلف البعض بالاتصال بأسرته، بينما كُلف آخرون بتنظيم حفل تكريم له بنقابة الصحافيين المصريين، ليرد للرجل بعضا من الاعتبار المفقود، ويمد يد الحنو محاولة مسح آثار الزهايمر والإهمال الإنساني، ليموت بعد ذلك في مكان لائق عن عمر يقارب الثمانين عاما.

ما حكاه بعض زملاء رحلة مكرم جادالكريم يُفسر جزئيا ما آل إليه حاله، لكنه بالطبع لا يبرر الإهمال. فقد كان للرجل ابنة رقيقة تخرجت في أكاديمية أخبار اليوم، ومقربة منه إلى حد كبير، وعملت فترة قليلة في الصحافة، قبل أن تصاب بمرض خطير، وتموت فجأة.

صدمة الرحيل في فقدان الابنة، مع خروجه إلى المعاش مطلع عام 2006 وعمره 66 عاما، وهجرة ابنه الكبير إلى كندا، كل ذلك فتح الباب أمام نمل الزهايمر اللعين ليغزو رأسه. إذ قادته الوحدة وانقطاع الناس وتفرق الأصدقاء والشعور بالعبثية لرجل كان مخلصا لعمله ومبجلا من الجميع إلى الاكتئاب والحزن والضجر.

يقول عبدالوهاب السهيتي، أحد كبار المصورين بجريدة الأهرام لـ”العرب”، “هناك رموز للصحافة لا يمكن أن تتقاعد، وأعلام كان ينبغي أن يتم التجديد لها حتى الرحيل، هم علامات مضيئة ومعلمون عظام، إن كتابا مثل مصطفى وعلي أمين وأنيس منصور ظلوا يكتبون في الصحف بعد الثمانين باعتبارهم رموزا”. وأضاف “مكرم جادالكريم، كان رمزا لجيل من الرواد من عشاق مهنة الصحافة، وقدم صورا ساحرة وخطيرة لحروب عديدة، بينها اليمن والبوسنة والهرسك”.

تمثل رحلة الرجل نموذجا جميلا لصعود ونجاح وتألق واجتهاد، فقد ولد مكرم في نوفمبر 1939 في عائلة بسيطة، ولم يكمل تعليمه، لكنه التحق بمؤسسة أخبار اليوم في بداية الستينات من القرن الماضي، وذاعت شهرته بسبب مشاركته للقوات المصرية في اليمن وتوثيقه للحرب، ما جعل المشير عبدالحكيم عامر قائد الجيش المصري الشهير آنذاك يُقربه ويسمح له بتصوير الأعمال العسكرية، وقيل إنه كان صديقا شخصيا له.

وطبقا لشهادة السهيتي فإن الرجل شارك في تصوير جميع المواقع العسكرية خلال حرب 1967 و1973 ضد إسرائيل، وكان أحد القلائل في عالم التصوير الصحافي المسموح لهم بدخول أي موقع والعمل بحرية.

وأوضح أنه كان ينام في “براميل معدنية خلال العمليات العسكرية التي شارك في توثيقها، وسجل بعدسة الكاميرا كنزا من الفوتوغرافيا السرية التي لم تنشر حتى الآن”.

وقال السهيتي لـ”العرب”، إنه كان يعمل في يوم 6 أكتوبر سنة 1981 مصورا في رئاسة الجمهورية وخلال العرض العسكري الأخير للرئيس أنور السادات، خرجت إحدى سيارات العرض عن طريقها وهبط منها بعض القناصة وأطلقوا رصاصهم على الرئيس في بضع دقائق.

وفي ذلك اليوم وقف مصور الرئاسة محمد رشوان ليلتقط صور الاغتيال، لكن رصاص الإرهابي خالد الإسلامبولي أصابه ليستشهد على الفور، وفشل باقي المصورين في تصوير الحدث، غير أن هناك اثنين فقط نجحا في التصوير، هما رشاد القوصي ومكرم جادالكريم.

Thumbnail

تمكن الأول من تصوير بضعة ثوان فيديو للتلفزيون الألماني، لكن مكرم وقف أعلى المنصة، والتقط عددا كبيرا من الصور الفوتوغرافية للحدث، بدءا من هبوط القتلة من سيارتهم، واقترابهم من منصة أنور السادات وإطلاقهم الرصاص ومحاولات التصدي لهم، وسقوط الرئيس مضرجا في دمائه، وتعد تلك هي الصور الوحيدة الموثقة لاغتيال السادات والتي أخذتها كل صحف العالم في ما بعد.

هناك خلاف بين شيوخ المصورين المصريين حول كيفية خروج مكرم من أرض الحدث بالصور، لأن قوات الأمن احتجزت جميع الصحافيين والمصورين بعد العملية وقامت بتفتيشهم، وذكر البعض أن المصور استبدل أفلام كاميرته بأخرى دون صور، وأخفى الأفلام في ملابسه الداخلية.

ونشرت الصور تباعا في الصحف ووكالات الأنباء، وحقق مكرم ثروة جيدة بسبب بيع تلك الصور للصحف العالمية، محتفظا بأصولها لديه، وفاز بالمركز الثاني ضمن جائزة “وورلد برس فوتو” من هولندا في القصة المصورة.

ذكر عمرو نبيل رئيس شعبة المصورين بنقابة الصحافيين المصريين لـ”العرب”، أن مكرم كان أول عربي يفوز بالجائزة، وعرف هواة ومحترفو التصوير في العالم العربي بالجائزة بعد فوزه لتصبح هدفا لهم، وفاز بها عقب اندلاع ثورات وانتفاضات الربيع العربي بعض الشبان الصحافيين في كل من مصر وتونس وسوريا.

واصل مكرم تألقه بعد ذلك ليفوز بجائزة النادي الصحافي الأميركي عن نفس الصور، فضلا عن جائزة نقابة الصحافيين المصريين، إلى جانب جائزة القوات المسلحة المصرية عن أفضل صور صحافية خلال حرب البوسنة سنة 1993.

يعتبر الرجل أستاذا لأجيال العمل الصحافي في الثمانينات والتسعينات، واهتم بتخريج جيل يرى في الصحافة مغامرة تعتمد على الجرأة وحسن التدبير، قبل الاعتماد على الكتابة. 

وتعامل مع القصة المصورة على أنها أساس الصحافة، فالناس تحب الحكايات غالبا، والصور ضرورية للحكاية، لأن العين تُرسل رسائلها الذهنية إلى المخ ليستوعب قبل القراءة.

كان لماحا وامتلك سرعة بديهة، واعتاد على أن ينجز مهامه في الوقت المطلوب بأفضل طريقة ممكنة، وهو خفيف الظل، ومحب للنكتة، واحتفظ بذكاء اجتماعي أكسبه ثقة الكثير من الوزراء ورجال الدولة.

18