مصيبة كبرى

الجمعة 2015/04/03

يتعرض التراث الإنساني في العراق للنهب والتدمير بشكل بلغ أشده بتحطيم تنظيم داعش آثار متحف نينوى في الموصل.

يضم المتحف آثاراً تعود إلى الحضارتين الآشورية والأكدية، والتماثيل المدمرة يعود بعضها لمملكة “الحضر” الموضوعة على قائمة اليونسكو للتراث الإنساني (مملكة الحضر مملكة عربية ازدهرت في القرنين الأول والثاني قبل الميلاد). وكما ظهر بالفيديو، تم تخريب وتحطيم ثورين مجنحين أشوريين من مدينة نينوى. دُمّر أحدهما في داخل المتحف والآخر على أسوار مدينة نينوى، وهذان الثوران هما قطع أصلية، أما تماثيل مدينة الحضر فيبدو بعضها قطعا أصلية والأخرى ليست كذلك.

لا يظهر الفيديو الذي بثه تنظيم داعش عمليات تدمير لقطع أثرية أخرى من نينوى غير الثورين المجنحين. ويُخشى أن يكون هناك المزيد من التدمير لآثار نينوى لم تظهر في الفيديو. وهذا التدمير يعتبر كارثةً لأن بعض القطع لم تجر لها عملية أرشفة علمية بشكل كامل.

القطع الأثرية الأصلية العائدة لمملكة الحضر تشكل أهميةً بالغةً، بعض هذه القطع تماثيل لملوك، وأخرى لشخصيات مؤثرة، وبعضها يشير إلى القوافل التجارية، وهي بمجموعها تؤكد على اهتمام الملوك البارثيين بمدينة الحضر، التي لم تكن تبعد كثيراً عن الحدود البارثية الرومانية.

للّقى الأثرية من مملكة الحضر طابع أثري خاص جداً، وهذا الطابع لم يكن معروفاً لا على المستوى العلمي ولا حتى التاريخي. وبتدميرها فقدنا القدرة على متابعة دراستها علمياً، الأمر الذي يجعل الخسارة فادحةً، بغض النظر عن قيمتها المادية.

كثير من الآثار الأشورية مازالت موجودة، فلا توجد كل آثار نينوى في الموصل، لكن في أماكن أخرى. ومن جهة أخرى لم يتضح بعد ماذا حصل للقطع الأخرى في الموصل.

من المبكّر الفصل بذلك الآن، ربما يستطيع الزملاء في المتحف العراقي إعطاء مزيد من التفاصيل.

أخشى ألا تمكن حماية التراث العراقي إلا بالقضاء على داعش. لا يمكن القيام بعملية لإنقاذ التراث والآثار لوحدها. أقصى ما يمكن فعله هنا هو أرشفة ومعرفة ما تم بيعه وتدميره للقيام بإعادة بنائه وترميمه لاحقا. لكن هذا لا ينقذ القطع الأصلية.

إنها مسؤولية المجتمع الدولي للتدخل ضد هذا التنظيم المصاب بمرض التدمير: تدمير الفن والإنسان والمجتمع. لكنها أيضا مسؤولية الدول والمجتمعات الواقعة تحت تهديد داعش أن تتحرك ضده.

يزوّدنا زملاؤنا وأصدقاؤنا في العراق وسوريا بمعلومات مفادها أن داعش تموّل نفسها بفرض الضرائب على كل أنواع التجارة ومنها تجارة الآثار.

لكننا لم نسمع حتى الآن أن داعش نفسه يقوم بالتنقيب عن الآثار لبيعها. يترك داعش عملية البحث عن الآثار ونهبها لتجار الآثار غير الشرعيين، الذين ينشطون بشكل كبير في المنطقة الآن.

الأكيد أن كل الآثار التي تأتي من سوريا والعراق وحتى بلدان أخرى في المنطقة هي قطع يتاجر بها بشكل غير شرعي. ويجب علينا إثارة هذا الموضوع من جديد في الرأي العام، فلو لم يوجد مُشتر لما كان هناك بائع. إنها آلية العرض والطلب. يجب توضيح الأمر التالي لمحبي اقتناء القطع الأثرية: أغلب القطع المعروضة هي مهرّبة بطريقة غير مشروعة، وبشرائهم لها يسهمون في تمويل ليس المافيا فقط، بل الإرهاب أيضاً.

كذلك لا بد من تعديل القانون ليجبر البائع على الكشف عن المنشأ الأصلي للقطع. وهذا لا يحصل حتى الآن، مع الأسف. صحيح أن هناك حظراً على الاتجار بالآثار السورية والعراقية، ولكن نتيجة لوجود ثغرة عدم التصريح عن المنشأ، يصعب سحب هذه القطع من السوق.

كنت قد عملت بالبحث العلمي في العراق وقدت التنقيب في مدينة أوروك التاريخية، وشخصيا أعتبر ما حدث مصيبة. لقد دمرت شواهد عظيمة على بشر عظماء بنوا حضارات عظيمة على الصعيدين المادي والفني، هذه الحضارات السابقة وفّرت لنا تراكماً حضارياً هاما للمعرفة.

خبيرة آثار ومديرة قسم المشرق في المعهد الألماني للآثار ببرلين

15