مصير الجنوب والوحدة اليمنية

الأربعاء 2014/10/01

ما سيكون مصير الجنوب اليمني؟ ما مصير الوحدة اليمنية في ظلّ ما حقّقه الحوثيون أخيرا؟ هل الحوثيون مهتمّون ببقاء اليمن موحّدا؟ عاجلا أم آجلا ستعود قضية الجنوب اليمني، الذي كان إلى ما قبل أربعة وعشرين عاما دولة مستقلّة، إلى الواجهة.

سيطلّ الجنوب، الذي كان في مرحلة ما قبل الاستقلال مشيخات وسلطنات، برأسه قريبا في ضوء سيطرة الحوثيين (أنصار الله) على صنعاء وتحكّمهم بالقرار السياسي فيها. ستطرح قضية الجنوب من زاوية إعادة النظر في القرارات التي خرج بها مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد في العاصمة اليمنية وأفضى إلى قيام الأقاليم الستة من منطلق أنّ اليمن الجديد، يمن ما بعد علي عبدالله صالح صار “دولة اتّحادية”.

سيلبّي طرح مسألة تعديل حدود الأقاليم جزءا يسيرا فقط من طموحات قسم من الجنوبيين يطالبون بالانفصال والعودة عن الوحدة الاندماجية التي أعلنت من عدن في الثاني والعشرين من مايو من سنة 1990.

قبل كلّ شيء، لا يمكن تجاهل أنّ الاتفاق الذي توصّل إليه “أنصار الله” مع الرئيس الانتقالي عبدربّه منصور هادي تحت عنوان “السلم والشراكة الوطنية” يتجاهل كلّيا المبادرة الخليجية التي وقّعها الرئيس السابق علي عبدالله صالح في خريف عام 2011 بعد شفائه من الحروق الجسيمة التي أصيب بها إثر محاولة الاغتيال التي تعرّض لها في الثالث من يونيو من تلك السنة.

تشمل المبادرة الخليجية، بين ما تشمل، تسليم علي عبدالله صالح السلطة لنائبه في فبراير 2012، على أن تكون هناك فترة انتقالية مدتها سنتان، يتخلّلها انعقاد مؤتمر للحوار الوطني يؤسس لدولة جديدة استنادا إلى دستور جديد تتولى لجنة خاصة منبثقة عن مؤتمر الحوار صياغته.

هذا الدستور لم ير النور بعد، ومن الصعب أن يرى النور يوما في حال كان مطلوبا بقاء الأقاليم الستة ضمن الحدود المرسومة، نتيجة مؤتمر الحوار الوطني الذي كان برعاية مجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمم المتحدة، وفي ظل حضور دائم للولايات المتحدة عبر سفيرها في صنعاء.

لن يقبل الحوثيون، في ضوء الاتفاق الموقع مع الرئيس الانتقالي، بالحدود التي فرضت على الإقليم الذي يتحكّمون به. كذلك، هناك جنوبيون يصرّون على الانفصال وقد قاطعوا مؤتمر الحوار الوطني ورفضوا التزام قراراته. بين هؤلاء الجنوبيين من هو مرتبط إلى حدّ ما بالحوثيين، مباشرة أو عبر إيران، أو من يمثّل إيران. علاقات هؤلاء الجنوبيين بإيران مكشوفة. لذلك كان إصرار “أنصار الله” على تعيين ممثل لهم مستشارا لرئيس الجمهورية، وأن يتمتع بحقّ المشاركة في اختيار الوزراء الجدد في الحكومة التي ستخلف حكومة محمّد سالم باسندوة.

في كلّ الأحوال، ليس في الإمكان تجاوز الواقع الجديد في اليمن. اختلطت الأوراق كلّيا بعد سيطرة الحوثيين على مدينة عمران الإستراتيجية في مطلع يوليو الماضي ودحرهم آل الأحمر، أي أبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الذي كان شيخ مشائخ قبيلة حاشد، والقوات الموالية لهم وللواء علي محسن الأحمر، ثم الانتقال إلى صنعاء لفرض أجندتهم.

من الصعب التكهّن بما إذا كان في استطاعة “أنصار الله” النجاح خارج نطاق الشمال اليمني، أي خارج المناطق الزيدية، وهي محافظات صعدة والجوف وعمران وحجّة وأمانة العاصمة والعاصمة نفسها. صحيح أنّهم سعوا إلى إقامة علاقات عبر طهران، أو من خلال الرابطة الهاشمية مع جماعات جنوبية تدعو إلى الانفصال، خصوصا في حضرموت، لكنّ الصحيح أيضا أنّ الجنوب قضية معقّدة مرتبطة، إلى حدّ ما، بالوسط الشافعي الذي عاصمته تعز. تاريخيا واجتماعيا، تعز أقرب إلى عدن من المكلا عاصمة حضرموت. والعكس صحيح، أي أنّ عدن تُعتبر أقرب إلى تعز من أي مدينة يمنية أخرى في الجنوب.

ما يؤكّد إلى أي حدّ الجنوب قضية معقّدة الحروب الأهلية المستمرّة التي مرّت بها الدولة التي استقلت عام 1967 إثر الانسحاب البريطاني، وصولا إلى الوحدة الاندماجية في 1990. كلّ تاريخ الجمهورية التي قامت في 1967 والتي عرفت بعد قيام الحزب الواحد الحاكم فيها بـ”جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”، هو حروب أهلية وصراعات ونزاعات بين مناطق وقبائل وزعامات… أو حروب مع الشمال. كان الجنوب يعتقد أثناء الحرب الباردة أنّ في استطاعته قلب النظام في الشمال وضمّه إليه. هذا الجنوب هرب إلى الوحدة من أجل التخلص من نظام انهار عمليا مع بدء انهيار الاتحاد السوفيتي.

توّجت هذه الحروب الداخلية والخارجية بما حصل في الثالث عشر من يناير 1986 حين بدأ سقوط النظام، نظام الحزب الواحد، بعد المواجهة بين علي ناصر محمّد وخصومه، على رأسهم علي سالم البيض الذي سرّع الوحدة في 1990 وانتقل إلى موقع الانفصالي الأوّل في 1994. البيض معروف بعناده وتمسّكه بمبادئ معينة. أدرك باكرا أنّ ليس في استطاعته التعايش، في ظلّ الوحدة، مع نظام معيّن في الشمال لديه مفهومه الخاص لكيفية إدارة الدولة ومؤسساتها…

هناك يَمنٌ يتكوّن في ضوء سيطرة الحوثيين على معظم الشمال. سيمرّ وقت طويل قبل تبلور صورة واضحة للبلد. اليمن الجديد هذا لا علاقة له باليمن الذي عرفناه لا قبل الوحدة ولا بعد الوحدة. العامل الحوثي غيّر المعطيات كلّيا، خصوصا أن بين زعماء الحركة من يريد العودة باليمن إلى عصر الإمامة، أي إلى ما قبل 26 سبتمبر 1962 عندما أُعلنت الجمهورية.

من الواضح أن لدى “أنصار الله” ومن يقف خلفهم طموحات تتجاوز الشمال وتتجاوز المحافظات التي تعتبر زيدية، في مقدّمتها محافظة حجّة التي لديها ميناء ميدي المطلّ على البحر الأحمر. ولكن، ما لا يمكن الاستخفاف به، التعقيدات التي سيتسبب فيها الجنوب ومشاكله مستقبلا، خصوصا في ظلّ الدعوات، التي لم تتوقف يوما، لقيام دولة حضرموت المستقلّة من جهة والوجود القوي لـ”القاعدة” في غير مكان من جهة أخرى.

مشاكل الجنوب وتعقيداته التي تشمل “القاعدة” والتحولات التي طرأت على التركيبة الاجتماعية في غير منطقة، يمكن أن تدفع الحوثيين إلى الاهتمام بالسيطرة على الشمال. ثمّة من يعتقد أنّهم سيركّزون على شمال الشمال، في حال وجدوا أنّهم لا يستطيعون ابتلاع ما هو خارج المناطق الزيدية التي يتحكّمون حاليا بمعظمها.


إعلامي لبناني

8