مصير العناصر المتشددة عقدة معركة إدلب

القوى الغربية أمام معضلة محاربة القوى المتطرفة مع حماية المدنيين، وماهي وجهة الآلاف المقاتلين الأجانب.
الجمعة 2018/09/07
هل سيكون قتال حتى النهاية؟
بعد استعادتها السيطرة على كامل دمشق ومحيطها ثم الجنوب السوري خلال العام الحالي، حددت قوات النظام السوري هدفها التالي على أنه إدلب، التي تسيطر هيئة تحرير الشام على جزئها الأكبر. وتشكل هذه النقطة تحديدا عقدة المعركة، ونقطة “التوافق” بين روسيا، ومن خلفها النظام السوري، والقوى الغربية، التي من جهة أولى تحذر من وقوع كارثة إنسانية في حالة شن هجوم ضد المعارضة المسلحة التي تسيطر على المنطقة، ومن جهة أخرى تقول إن هناك قوى متشددة وجبت محاربتها، وهي الحجة التي يبني عليها الروس مبرر دخولهم المعركة، قائلين إنهم سيستمرون في “قتل الإرهابيين في إدلب وفي أماكن أخرى من سوريا”.

أنقرة - جعل تدخل روسيا العسكري في سوريا في شهر سبتمبر من عام 2015 من المستحيل بالنسبة إلى المعارضة كسب المعركة، بالطرق العسكرية، كما قطع الطريق أمام كسب المعركة أيضا بالحل السياسي. منذ ذلك التاريخ دخلت الحرب في سوريا منعطفا جديدا استفاد كثيرا من الموقف الأميركي في عهد باراك أوباما، ثم المتغيرات التي جاء بها فوز الرئيس دونالد ترامب.

يستحضر المحللون هذه التفاصيل “التاريخية” اليوم وهم يتابعون نفير الحرب المعلنة على أبواب محافظة إدلب، بشمالي البلاد، في معركة لا تبعث على التفاؤل بالنسبة إلى الكثيرين، باستثناء دمشق وروسيا. وقد غرّد وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، على تويتر قائلا “العالم بأكمله يترقب ما سيحدث”، في إشارة إلى معركة إدلب. فهذه المعركة ستفتح أبواب أزمات عديدة لتركيا وإيران، والمنطقة، والعالم، والكل يتابع ويشارك، بطريقته، في الحرب دون إجابة واضحة عن سؤال: ماذا بعد إدلب؟

بالنسبة إلى تركيا تطرح قضية اللاجئين الذين سيفرون إليها، مرورا بدور الأكراد في المعركة وما بعدها. إيران تتابع بقلق، فالمعركة وإن سطرت الفصل النهائي من سيطرة النظام السوري الذي تدعمه، فإنها ستعني أيضا الدخول في وضع جديد، سيسلط فيه الضوء على ميليشياتها التي أرسلتها لدعم الأسد، وتطالب الولايات المتحدة وإسرائيل، كما حليفتها روسيا، بخروجها من سوريا.

أما القضية الأكبر التي تحمل أبعادا أكثر خطورة وتداعياتها عالمية، فهي قضية المقاتلين الذي سيفرون من سوريا؛ أين سيذهبون؟ وما مصيرهم ومصير العالم معهم؟

لا تبدو الإجابة عن هذا التساؤل واضحة اليوم، فيما كل التركيز منصب على معركة إدلب والخطوة التي يمكن أن تتخذها واشنطن وباريس ولندن لحسم المعركة التي سيعاد في نهايتها فتح أبواب المفاوضات والحديث عن الحل السياسي، لكن هذه المرة ستكون دمشق وموسكو في موقع قوة.

أنجيلا ميركل:  الوضع في إدلب السورية معقد وهناك قوات متشددة ينبغي محاربتها
أنجيلا ميركل:  الوضع في إدلب السورية معقد وهناك قوات متشددة ينبغي محاربتها

قمة طهران بداية الطريق

 يتطلع المراقبون إلى مخرجات القمة الثلاثية التي تنعقد اليوم في طهران، بين رؤساء روسيا وإيران وتركيا، باعتبارها مؤشرا على ما سيحدث بعد معركة إدلب.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف عن هذه القمة إنها ستجعل الوضع “أوضح”. ويشير مراقبون إلى أن روسيا تحاول أن تجعل الحل العسكري على الأرض في إدلب يسبق الحل السياسي بحيث يصبح أمرا واقعا في قمة طهران. وهذا يجعل روسيا سابقة لتركيا بخطوة في جهودها لإقناع جبهة النصرة بحل نفسها أو مواجهة عمل عسكري من قبل فصائل المعارضة التابعة لتركيا في إدلب.

وتؤوي محافظة إدلب مع جيوب محاذية تسيطر عليها فصائل معارضة في محافظات حماة (وسط) وحلب (شمال) واللاذقية (غرب) نحو ثلاثة ملايين شخص، وفق الأمم المتحدة، نصفهم من النازحين، وبينهم عشرات الآلاف من مقاتلي المعارضة الذين تم إجلاؤهم مع مدنيين على مراحل من مناطق عدة في البلاد كانت تشكل معاقل لمقاتلي المعارضة.

وترسل قوات النظام منذ أسابيع تعزيزات إلى محيط إدلب استعدادا للعملية العسكرية التي تزيد المخاوف من وقوع كارثة إنسانية على نطاق لم تشهده البلاد منذ بدء النزاع قبل أكثر من سبعة أعوام.

ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن قائد ميداني يقاتل مع القوات السورية قوله (الأربعاء) إن ساعة الصفر في معارك إدلب وريف حماة بدأت من جانب القوات السورية التي سبقها تمهيد وقصف جوي روسي على مناطق سيطرة المعارضة في محافظة إدلب.

لكن، ذكر قائد عسكري في الجبهة الوطنية للتحرير المعارضة أن “روسيا هي التي بدأت المعركة، وليس قوات النظام، الطائرات الروسية تنطلق من قاعدة حميميم في اللاذقية، وشنت أكثر من غارة على مدن وبلدات محافظة إدلب خلفت العشرات من القتلى والجرحى”.

وأكد القائد العسكري على أن “الغارات الروسية تريد الضغط على فصائل المعارضة”، مشيرا إلى أن “القوات الحكومية لم تقترب من خطوط الجبهات، بل اكتفت بالقصف المدفعي، وبدء روسيا العمليات في محافظة إدلب وحماة هو استباق لقمة طهران”.

وتبرر روسيا هذه الغارات بالحرب على الإرهاب، وهي -وفق المتابعين- صائبة في هذه النقطة إلى حد ما. ويوضح الكاتب في موقع أحوال تركية ياشر ياكش ذلك بقوله إن “روسيا تركز على الإرهابيين الذين يحملون الجنسية الشيشانية والداغستانية في إدلب”، مضيفا أنها تسعى لاصطيادهم قبل أن يتفرقوا في دول أخرى، ويمثلون صداعا مستقبليا. وكانت وكالة سبوتنيك الروسية نشرت تقريرا حول المقاتلين الأجانب في سوريا، في سياق التغطية الإعلامية لمعركة إدلب، جاء فيه أن هؤلاء المقاتلين، الذين يشكلون أعدادا كبيرة ضمن صفوف الجماعات المسلحة هناك، باتوا الملف الأبرز على طاولة أجهزة الاستخبارات العالمية.

وتسيطر هيئة تحرير الشام على أكبر جزء من محافظة إدلب بينما تتواجد فصائل إسلامية أخرى في بقية المناطق وتنتشر قوات النظام في الريف الجنوبي الشرقي. وستكون معركة إدلب آخر أكبر معارك النزاع السوري بعدما مُنيت الفصائل المعارضة بهزائم متتالية. وتبدو الخيارات أمام الجماعات المتشددة في إدلب محدودة.

بريت مكغورك: إدلب هي أكبر ملاذ آمن لتنظيم القاعدة منذ أحداث 11 سبتمبر
بريت مكغورك: إدلب هي أكبر ملاذ آمن لتنظيم القاعدة منذ أحداث 11 سبتمبر

توافق روسي غربي

يتوقف المراقبون عند تصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الذي قال فيه “آمل ألا يعرقل شركاؤنا الغربيون عملية مكافحة الإرهاب”، مشيرين إلى أن القوى الغربية تتفق مع روسيا في نقطة الجهاديين، وهو ما يجعلها تكتفي في هذه المرحلة من الأحداث بإصدار التحذيرات من مغبة استخدام السلاح الكيميائي، وأن ذلك، في حال حدث، سينتهي بتدخل عسكري، لواشنطن مع باريس ولندن، في سيناريو مشابه لما حدث في الغوطة الشرقية في أبريل الماضي. وترتكز هذه القراءات على تصريحات من قبيل ما أدلت به المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من أن الوضع في محافظة إدلب السورية معقد وهناك قوات متشددة ينبغي محاربتها.

وهدد قائد أركان الجيش الفرنسي فرانسوا لوكوانتر، الخميس، بقصف أهداف تابعة لنظام بشار الأسد في سوريا حال تم استخدام الأسلحة الكيميائية لإعادة السيطرة على محافظة إدلب. وقال لوكوانتر “قواتنا مستعدة لضرب مواقع حكومية في سوريا إذا تم استخدام السلاح الكيميائي أثناء حملة عسكرية متوقعة لإعادة السيطرة على إدلب”.

في المقابل، قال قائد أركان الجيش الفرنسي فرانسوا إنه لن يعود هناك وجود لتنظيم داعش في منطقة الشام قبل نهاية العام الجاري. وأضاف في تصريحات صحافية أن “تنظيم داعش لن يعود مسيطرا على أي أرض من أراضي الشام قبل نهاية العام، وربما بحلول نهاية فصل الخريف المقبل”.

ويذهب تيلر درودن، المحلل في موقغ غلوبال ريسرتش، إلى القول إن “حقيقة إدلب من وجهة نظر الخارجية الأميركية هي أنها أكبر ملاذ آمن للقاعدة منذ 11 سبتمبر”، مستعيدا بذلك تصريحا لبريت ماكغورك، المبعوث الأميركي لدى التحالف الدولي ضد داعش.

وكان ماكغورك قد قال، خلال اجتماع عقد يوم 27 يوليو 2017 بواشنطن، “إدلب هي أكبر ملاذ آمن للقاعدة منذ 11 سبتمبر، يرتبط مباشرة بأيمن الظواهري، وهذه مشكلة كبيرة”، مضيفا “علينا أن نتساءل لماذا وكيف وجد نائب أيمن الظواهري طريقه إلى إدلب؟ لماذا حدث هذا؟ وكيف وصلوا إلى هناك؟ بالطبع لم يفعلوا ذلك بواسطة المظلات”. كما قال ماكغورك “إن النهج الذي يتبعه بعض شركائنا في إرسال عشرات الآلاف من الأطنان من الأسلحة، وغض الطرف بعد ذلك عن دخول هؤلاء المقاتلين الأجانب إلى سوريا ربما لم يكن الأفضل”، في إشارة إلى تركيا.

وهنا يستطرد درودن قائلا “نعم، لطالما تساءلنا عن نفس السبب، خاصة عندما كانت الاستخبارات الأميركية تساعد مباشرة تحالف القاعدة (الذي تحول إلى هيئة تحرير الشام) من غرفة العمليات في تركيا”. وأضاف أن تنظيم القاعدة قد استفاد “بالكامل” من تركيا مما سمح بالتدفق الحر للأسلحة والجهاديين عبر حدودها المطولة مع سوريا.

6