مصير المرشح الخاسر في الانتخابات المصرية

الاثنين 2014/06/02

الهجوم الذي تعرض له حمدين صباحي المرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة المصرية، لن يثنيه عن القيام بدور مؤثر في الحياة السياسية مستقبلا، فقد واجه الرجل خلال الأيام الماضية انتقادات حادة، من داخل معسكره السياسي وخارجه، فالفريق الأول طالبه بالانسحاب في منتصف الطريق، والثاني كال له اتهامات متعددة أبرزها ما تعلق بعلاقته مع الإخوان، وهذا الافتراء كان كافيا لإجباره على عدم مواصلة المشوار.

في هذه الحالة كانت ستظهر مشكلة لخطة خارطة الطريق، لكنه فضل الاستمرار، حتى يتجنب مصير محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية السابق، الذي استقال احتجاجا على عملية فض اعتصام ميداني رابعة والنهضة، واعتبر كثيرون أنه فضل مصلحته على مصلحة الوطن، ومن يومها تراجعت أعداد المعجبين به.

عندما قرر صباحي الاستمرار في المعركة الانتخابية، رغم تحفظاته على ما حدث من خروقات، كان في ذهنه نموذج البرادعي السلبي، لذلك وقف في وجه قطاع كبير من مؤيديه، خاصة الشباب المتحمس، ورفض الانصياع لضغوطهم، وألقى خطابا تاريخيا الخميس الماضي اعترف فيه بهزيمته أمام منافسه عبدالفتاح السيسي، ولم تحل الأخطاء التي حصلت في الانتخابات دون تسليمه بالنتيجة.

قد يكون صباحي خسر معركة سياسية خاضها بشرف، لكنه كسب احترام فئة كبيرة من خصومه، حيث كان بإمكانه عدم استكمال المشوار، وعنده من المبررات ما يدعمه في هذا الاتجاه، غير أنه تصرف بمسؤولية وطنية وقبل الهزيمة، مقابل أن ينجو الوطن من مطبات كانت تنتظره، وكفيلة بالتشكيك في العملية السياسية الجارية برمتها، وتمنح الإخوان فرصة لعدم الاعتراف بفوز السيسي، في انتخابات أشادت بنزاهتها جهات دولية كثيرة، وأكد مراقبون أن الأخطاء التي وقعت لم تكن مؤثرة على النتيجة.

دخول صباحي الانتخابات حفظ للسلطات الحالية في مصر قدرا كبيرا من ماء الوجه، لأنه خاضها بشرف وجدية، ولم تكن تمثيلية كما روج البعض، والمؤكد أن المشهد العام سيصبح سيئا لو لم يكن هناك مرشح قوي أمام السيسي، ففي هذه الحالة الصورة ستظهر أمام العالم على شكل “السيسي ينافس السيسي”، وربما خسر صباحي الرهان على برنامجه الوطني في جذب الناخبين إليه، لكنه كسب مستقبله السياسي، حيث حجز مكانا له على رأس المعارضة المصرية خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي نوه به في خطاب الاعتراف بالهزيمة أخيرا.

هنا قلب المشكلة في مصر، فنجاح السيسي الكاسح لن يحول دون وجود معارضة قوية، لأن الأوضاع في مصر تغيرت، ولم يعد الشعب يقبل وجود معارضة مستأنسة على طريقة الرئيس الأسبق حسني مبارك، كما أن الشريحة التي قاطعت الانتخابات، والشريحة التي أبطلت أصواتها، من الضروري أن يتم استيعابها في قنوات سياسية منظمة ومنع عزوفها عن المشاركة، أو استسلامها لخطاب التشكيك، ولدى صباحي مؤهلات تمنحه ميزة أن يكون في مقدمة المعارضة.

من مصلحة الرئيس الجديد أن يحرص على تهيئة التربة أمام بزوغ معارضة جادة، فالحاكم القوي يحرص على أن تكون أمامه معارضة قوية، وهي واحدة من المحكات الرئيسية التي سوف تثبت للمصريين أن السيسي لن يسير على درب مبارك، وحتى لو أراد ذلك فإن الأجواء السائدة في مصر حاليا لن تمكنه من ذلك، فالشعب الذي خلع رئيسين خلال ثلاثة أعوام قادر على تكرار التجربة مرة ثالثة، وهو الدرس الذي يعيه السيسي جيدا، بصورة يرجح أن تدفعه إلى اتخاذ إجراءات تساعد على تنقية الحياة السياسية في مصر.

لعل حديث السيسي السابق عن ضرورة اندماج الأحزاب الصغيرة، وتكوين تكتلات سياسية ناضجة، يعزز التفاؤل لدى قوى حزبية، رأت أن أحد مشاكل مصر في وجود رئيس يفتقر للظهير الشعبي ومعارضة بعيدة عن الشارع، وإذا كان الرئيس المنتخب ثبت أنه يملك ظهيرا شعبيا كبيرا، فعلى المعارضة أن تنزل للشوارع وتشعر بنبض الناس.

هذه إحدى المهام التي تقع على عاتق حمدين صباحي، الذي قرر أن يصبح في خندق المعارضة التي بدت خلال السنوات الماضية منفصلة عن المواطنين، وسيتحدد مصير صباحي في هذا الفضاء على جانبين، الأول النزول إلى الواقع والابتعاد عن مزايدات بعض أتباعه، حيث روجوا قبل وأثناء الانتخابات لكذبة شعبيته الكاسحة، والثاني أن يتمكن من تشكيل معسكر منسجم في خطوطه السياسية.


كاتب مصري

9