مصير حزب الله رهن معركة القلمون

الجمعة 2015/05/22
حزب الله ماض في خيار التخلي عن إستراتيجية الهجوم على القلمون جراء خسائره المتتالية

بدأ حزب الله اللبناني منذ أسابيع حشد قواته العسكرية للسيطرة على منطقة القلمون السورية القريبة من الحدود اللبنانية لمحاولة تقويض قوات المعارضة السورية والجماعات الثورية المسلحة التي تسيطر على تلك المنطقة، وتشكّل مصدر قلق للنظام والحزب اللبناني على حدّ سواء.

ولم يعد سراً أنّ هذه المنطقة تشكّل أهمية بالنسبة للحزب والنظام السوري، على اعتبار أنها متاخمة لمعسكرات ومخازن أسلحة تابعة للطرفين، وهي بمثابة ممر سرّي لأي أسلحة تتدفق من سوريا إلى الحليف اللبناني، وممرّ علني يصل دمشق بالساحل السوري، مركز ثقل النظام.

وقد فشل الحزب ومعه قوات النظام السوري أكثر من مرة في إعادة السيطرة على هذه المنطقة التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة. وبسبب الفشل المتكرّر، قرر الحزب العام الماضي المراهنة على قسوة وصعوبة فصل الشتاء في تلك المنطقة كعامل طبيعي لإضعاف المقاتلين وحصارهم وقطع الإمداد عنهم، عسى أن يدفعهم هذا للاستسلام، لكنّ الخطة لم تنجح واستطاع المقاتلون فتح خطوط إمداد متعددة، وزاد تسلّحهم استعداداً للأسوأ.

وتوعد حزب الله والنظام السوري، ومعهم إيران، أن تكون معارك القلمون قاسية وتحسم الوضع في وسط سوريا. وأكّدوا أنّها ستكون بداية اندحار المعارضة السورية واستسلامها، لكن ما يحصل على أرض الواقع يشير إلى غير ذلك، إلى حدود الآن على الأقل، فمقاتلو المعارضة السورية شنّوا هجمات مباغتة استباقية أردت العشرات من مقاتلي الحزب من بينهم عدد من قياديين.

ولا تبدو معركة القلمون بتلك السهولة التي روّج لها حزب الله والنظام السوري، فالامتداد الجغرافي الكبير للقلمون والتضاريس المعقدة والمتداخلة للمنطقة، ومعرفة فصائل المعارضة المسلحة بطبيعة المناطق وتوحّدهم المفاجئ لمُقاتلة حزب الله، كلّها عوامل تشير إلى أن هذه المعركة ستكون قاسية، وستكون مصيرية بالنسبة للحزب وحده، فلا شيء تخسره الثورة السورية بخسارة منطقة صغيرة، بينما سيخسر الحزب الكثير إن خسر منطقة وضع بيضه في سلتها.

يحشد حزب الله مقاتليه للسيطرة على القلمون لسببين، الأول تأمين الطريق الرئيس الذي يمكن أن ينسحب من خلاله مقاتلو النظام من دمشق إلى الساحل، والثاني تأمين الطريق الرئيس الذي يُهرِّب النظام الصواريخ (الممنوعة) عبره إلى حزب الله داخل لبنان.

ومع تحضير حزب الله لمعركة القلمون، بدأت أصوات لبنانية رافضة لتدخله تتصاعد بصورة لافتة، وبات طبيعياً أن تُسمع أصوات لبنانية تتهم الحزب علناً بجرّ اللبنانيين إلى مستنقع لا شأن لهم به، وتتهم أمينة العام علناً أيضاً بتوريط الجيش اللبناني عبر جرّه للمشاركة في المعارك السورية.

ويصف بعض مؤيدي النظام السوري وحزب الله، وكذلك وسائل إعلام إيرانية، معركة القلمون بأنّها "أم المعارك" في الحرب السورية، بينما في الحقيقة لا يتعدّى هذا التوصيف "البهرج الإعلامي"، فهو توصيف غير سياسي وغير عسكري، ولن يكون للمعركة إلا تأثير تكتيكي لا استراتيجي، لكنها في الحقيقة رأس مأزق عميق يعيشه حزب الله هذه الأيام.

ويزداد تورط حزب الله اللبناني في الحرب الدائرة في سوريا، ويزداد إصراره على أن يكون مجرد رصاصة في بندقية النظام السوري وإيران، ورغم أنّ الضاحية الجنوبية لبيروت تستقبل كل أسبوع جثث عدد من أبنائها المقاتلين مع الحزب في سوريا، إلا أن الحزب الشيعي اللبناني لم يتعلم أنه خاسر.

ويعمل مقاتلو المعارضة السورية الآن هو التصعيد لقطع طرق الإمداد وجعل التنقل أصعب فأصعب على النظام والحزب اللبناني. ولأنّ طرد الثوار لحزب الله وقوات النظام من القلمون سيمهد الطريق أمامهم للسيطرة على الشريط الحدودي، ولن يبقى هناك ممر للأسلحة الإيرانية بالاتجاهين، فإنّ إيران تصرّ عبر حلفائها، أو بالأصح أدواتها، على منع سقوط المنطقة.

وما سيحدث في الغالب، أن الحزب سيضّطر للتخلي عن إستراتيجية الهجوم الواسع على القلمون، وسيقبل هو والنظام وإيران بأن تبقى الأمور على ما هي عليه، أي لا خاسر ولا رابح، لا قوي ولا ضعيف، وهو ما سيوافق عليه مقاتلو المعارضة، لأنهم مازالوا لا يملكون إمكانية التحول للهجوم في الوقت الراهن.

وربما لا يزال من المبكر الحديث عن هزيمة نهائية لحزب الله في سوريا، حتى لو ثار ضده اللبنانيون، لأنّ هزيمته النهائية لا ترتبط بالشأن الداخلي اللبناني، وإنما ترتبط بهزيمة النظام السوري والمشروع الإيراني في المنطقة عموما، خاصة وأن حسن نصر الله، أعلن صراحة غير مرّة أن ولاءه موجّه للولي الفقيه في إيران وليس للدولة اللبنانية.

لاشك أن الانتصارات الأخيرة لقوى المعارضة السورية في عدة مناطق من البلاد نجمت عن قرار إقليمي قاض بدعمها، وبناء عليه، فإنّ هناك احتمال آخر وأكثر سوءاً قد ينتظر حزب الله، أساسه أنّ معارك القلمون قد تكون امتحاناً لمدى رغبة القوى الإقليمية باستمرار تقدّم الثوار.

6