مصير طهران مرهون بموقف الرياض

حسن روحاني لم يدرك بعد أن إيران لن تصنع تاريخها على حساب إنهاء الوجود العربي، وأن المنطقة لن تقودها طهران وحدها، لأن الرياض اليوم فاعل أساسي في المنطقة، وهي أولى بالدفاع عنها.
الاثنين 2018/04/23
إيران لن تصنع تاريخها على حساب إنهاء الوجود العربي

تُصِرُّ طهران، ضمن خطاب رسمي يَتَّخِذُ من القوة العسكرية رهانا لحلِّ مشكلات المنطقة في الحاضر وتحديد خريطتها مستقبلا، على تهديد المنطقة وتوعّدها، استنادا إلى خلفيَّة مفادها أن دول الخليج العربي تستحضر ما تسميه إيران في إطار أدبياتها السياسية والدينية بقوى “الاستكبار العالمي” ممثلة في الولايات المتحدة الأميركية بصفة خاصة والدول الغربية الأخرى عامة لنهب ثروات المنطقة، إما من خلال التحالفات الأمنية والعسكرية ذات الطابع الاستراتيجي، أو بما يتمُّ من صفقات أسلحة ترى فيها إخلالا بميزان القوة، ليس لصالحها بالطبع، وإن كانت لا تجاهر بذلك، وهي تدرك أن تهديداتها لدول المنطقة بل واحتلالها لجزء من أراضيها كما هي الحال بالنسبة للجزر الإماراتية الثلاث، وإسهامها بشكل مباشر في حروب مدمرة وعبثيّة داخل الدول العربية، تعد من الأسباب الرئيسية لذلك.

إيران في تصريحاتها -كما هي في مواقفها وأفعالها- الخاصة بالدول العربية، وتحديداً تجاه السعودية، تعمل على تصنيف نفسها قوةً كبرى، وأنها صاحبة الحق في قيادة المنطقة، وهي هنا تنسى أن هذا الموقف قد كلّفها حربا طاحنة مع العراق لمدة ثماني سنوات كانت وبالاً عليها وعلى المنطقة كلها، كما أنها -وضمن قناعات تاريخية خاصة بميراثها القومي- تحاول إعادتنا إلى فترة ما قبل الإسلام، حين تركز على الجانب العرقي للصراع، وعلى مستوى آخر من إحداث الفتنة بين المسلمين تحركُ البعد المذهبي لخدمة الأهداف القومية.

والواقع أن هذا التصور الوهمي لدى القادة الإيرانيين، توضح أكثر بعد وصول طهران إلى اتفاق دولي وأممي حول برنامجها النووي، الذي تمَّ بدعم من الغرب، أي من “الاستكبار العالمي”، ولا يحق لأحد أن يمنع إيران عن ذلك على أن يظل على مستوى الشعور ولا يتحول إلى دافع للعدوان، أو العمل من أجل تحقيقه بوضع خطط لتدمير المنطقة كلها، أو الاستمرار في الاستفزاز ضد العرب، في حالة هي أقرب إلى الحرب النفسية، على النحو الذي بدا جلياًّ في تصريحات مستشار القائد العام للجيش الإيراني، العميد رضا خرم طوسي، في حديث للإذاعة الإيرانية الرسمية في 18 أبريل الجاري، حين قال إن “السعودية لن تصمد أمام قدراتنا العسكرية أكثر من 48 ساعة.. أوجه كلامي لحكام السعودية بشكل مباشر وأؤكد لكم، لا تطلقوا تصريحات لا تتناسب مع حجمكم وقدراتكم العسكرية”.

هذا التصريح من العميد خرم طوسي، يتجاوز التحذير والتهديد إلى ما يمكن اعتباره “إعلان حرب”، ذلك أن مضمونه يشي بنشوب مواجهة مسلحة بين السعودية وإيران، وهو يتعمد فصل المملكة عن الدول العربية الأخرى. صحيح أن ذلك يعدّ اعترافا ضمنيا بأن السعودية هي التي تقود المنطقة في الوقت الراهن، ولكن في المقابل يكشف عن خطاب عدائي تجاهها، اعتبره بعض المراقبين مجرد تحذير للسعودية وردا على تصريح ولي العهد السعودي ووزير الدفاع، الأمير محمد بن سلمان، الذي تحدث أواخر مارس الماضي عن احتمال نشوب مواجهة عسكرية مباشرة بين أكبر دولتين في منطقة الخليج بعد 10 أو 15 عاما. لكن الأمر الذي لم ينتبه إليه المراقبون هو وجود فرق بين توقع احتمال نشوب حرب مقبلة بناء على المعطيات الراهنة، والتنبيه لها من الطرف السعودي لأجل تفاديها، والتي بتغيرها يتغير مسار العلاقات بيم الدولتين، وبين قول الطرف الإيراني بالانتصار في حرب متوقعة في القريب العاجل، والتي يراها غير متكافئة، لأن ميزان القوة لصالحه.

في الفضاء الجغرافي، وحتى على مستوى الوقائع المادية والعسكرية تدرك إيران أن السعودية هي القوة الإقليمية المنافسة لها على مستوى الخليج

من ناحية أخرى تحاول إيران لفت الأنظار عن علاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية -التي إذا استثنيا الوقت الراهن، حيث الخطاب الاستهلاكي للرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه طهران، والذي لا يرقى إلى مستوى الفعل ولا ينتظر منه ذلك- والتي هي أكثر من ممتازة، وتقوم على براغماتية مشتركة بين الطرفين، وبموجبها استطاعت أن تتواجد في أفغانستان وتتحكم في العراق، وتدعم النظام في سوريا، وتشعل الحرب في اليمن، وتتدخل في الشؤون اللبنانية، وما حققته منفردة لعلاقتها مع واشنطن أكثر مما حصلت عليه أو يمكن أن تصل إليه دول الخليج العربية مجتمعة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، ما يعني أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين القائلة بمواجهة ضد الولايات المتحدة على صعيد المنطقة، وأن استراتيجة طهران كما جاء في تصريحات خرم طوس “مواجهة واشنطن وليس دول المنطقة”، ليست صحيحة، كما أن الواقع يكذب قوله “إن بلاده تمر بأفضل الحالات في مواجهة الولايات المتحدة، عدوتها الأولى”.

وبعيداً عن تفسير الخطاب الإيراني تجاه السعودية خاصة، والدول العربية الخليجية عامة، فإن الماثل أمامنا اليوم هو العمل بجدية على توجيه مسار الصراع إلى منظومة الأفكار والأيديولوجيا والقناعات، دون الاعتراف بتطبيق استراتيجيات بعيدة المدى لزعزعة الاستقرار في المنطقة، سعياً لتحقيق وهم التفوّق وبالتالي التحكم في المنطقة كلها، وإيران بذلك تنفي وجود توتر في العلاقات بينها وبين السعودية، وباقي الدول الخليجية، وإن كانت بنسب مختلفة، وتستثني من ذلك قطر.

وفي الفضاء الجغرافي، وحتى على مستوى الوقائع المادية والعسكرية تدرك إيران أن السعودية هي القوة الإقليمية المنافسة لها على مستوى الخليج، وأن التشابك بينهما على مستوى الخطاب خلفيته الفعل السياسي والعسكري لكلٍّ منهما، وأن السلطات الإيرانية باستخدام الطائفية والإرهاب والتدخل في شؤون الدول العربية وخلق ساحة نفوذ لها هناك، أصبحت جارا مزعجا، بل وخطرا حقيقيا، وأنه لا جدوى من نفيها للوقائع التي هي من صنعها، وخاصة عملها بشكل متواصل من أجل استنزاف المقدرات المادية والبشرية للعرب في الحروب، مثال ذلك دعمها للميليشيات الحوثية منذ انطلاق عاصفة الحزم في 2015، وقد زادت في الفترة الأخيرة من دعمهم سياسيا وماليا وعسكريا، من ذلك الصواريخ الباليستية التي تمّ إطلاقها على أراضي المملكة.

الملاحظ أن إيران تسهم بشكل مباشر في استنزاف دول المنطقة من خلال الحرب، ثم يطالب الرئيس الإيراني حسن روحاني الدول الغربية بالتوقف عن “نهب دول المنطقة” عبر صفقات الأسلحة، مُشدِّدا على أن الحوار هو الحل الوحيد لأزمات المنطقة، لكن عن أي حوار يتحدث روحاني، وهو لم يدرك بعد أن إيران لن تصنع تاريخها على حساب إنهاء الوجود العربي، وأن المنطقة لن تقودها طهران وحدها، لأن الرياض اليوم فاعل أساسي في المنطقة، وهي أولى بالدفاع عنها، وفي حال الضعف هي شريك أقوى لأنها في حال انفتاح إيجابي على العالم في ظل تغيرات كبرى، ولأنها -وهذا الأهم- ستظل موطن الرسالة ما بقيت مكة والمدينة.. فمتى تعي طهران ذلك؟.. ومتى تدرك أن مصيرها، سلماً وحرباً، مرهون بموقف الرياض؟

6