مصير لبنان يتعقد في ظل تغيير قواعد الاشتباك إقليميا ودوليا

اتخذ التصعيد السياسي الأخير الذي انفلت في جلسة لجنة الاشغال النيابية بين فريقي نواب تيار المستقبل ونواب التيار الوطني الحر شكلا بالغ الخطورة في فترة غاية من الدقة تعيشها العائلة السياسية في لبنان اليوم. وكشف الاشتباك الذي دار داخل البرلمان عن حدة الاحتقان المستعر بين الطرفين، ما سيزيد من تعقيد فرضية تأمين الأرضية الملائمة لتنشيط حوار هادف وجدي بين الفرقاء في البلاد لا سيما في ظل الاستحقاقات المطروحة على أكثر من جبهة.
الثلاثاء 2015/10/06
الكارثة تطال لبنان، وتهدد بخروجه مثقلا بجراح مميتة

انشغل اللبنانيون بمشاهد الاشتباك الفعلي واللفظي بين النائب في كتلة المستقبل، جمال الجراح، ونوّاب التيار الوطني الحر خلال اجتماع لجنة الأشغال النيابية. واتخذ نائب حزب الله علي عمّار خلال الإشكال دور ضابط الإيقاع الذي يحاول تهدئة المتحاربين ومنع الأمور من التفاقم والوصول إلى درجة عالية من التأزم.

الاشتباك وقع على خلفية اتهامات متبادلة بالفساد بين المستقبل والتيار العوني، في حين اتخذ حزب الله دور المصالح البريء، الذي لا دخل له في المشكل ولا في القضايا التي تسببت فيه. وانتقلت الأزمة من مجال حزب الله لتصب عند الجميع.

لم يعد تيار المستقبل يجد نفسه معنيا في ظل استمرار الحوار مع حزب الله بفتح معركة الفساد في وجهه. وقد تم تركيب المعادلة كما هو حال جميع القضايا في لبنان على أساس استثناء الحزب منها، وكأنه ليس طرفا مشاركا في الحياة السياسية اللبنانية، بل بوصفه نوعا من الحكم، أو المرشد والمرجع.

وبالتالي، تقزّم الاشتباك لينحصر بين المستقبل والتيار العوني ويتخذ طابع اشتباك سني مسيحي؛ في حين أن المشكلة تكمن في الكارثة الشاملة التي يجر حزب الله البلد إليها، وهي لا تختص بجانب واحد بل تطال كل شيء في لبنان.

ومفهوم الأزمة لم يعد صالحا لوصف حال لبنان المتشظي والذي لم يعد يمتلك أي أرض ثابتة ليقف عليها، وينطلق منها في محاولة لتضميد الجراح العميقة التي عصفت بكيانه واقتصاده وحياته العامة والخاصة على حد سواء.

وكان الدخول الروسي إلى سوريا مؤخرا مؤشرا على سقوط الكثير من معادلات الضبط في المنطقة، وإعلانا عن انقلاب جذري في قواعد اللعبة وفي طرق اللعب كذلك.

وأبرز التداعيات على لبنان كانت عودة التفجيرات حيث شهدت منطقة شتورا تفجير عبوة ناسفة بفان للركاب، يعتقد أنه كان يقل مجموعة من مقاتلي حزب الله في طريقهم إلى سوريا.

الخطر الإيراني الوجودي على لبنان ومنطقة الشرق الأوسط وبالأخص دول الخليج. ولعل الجهود الإيرانية الواضحة لزعزعة أمن واستقرار تلك الدول أدت إلى تكريس إيران كخصم لا مجال للمساومة في ما يخص ضرورة محاربته وهزمه.

مفهوم الأزمة لم يعد صالحا لوصف حال لبنان المتشظي الذي لم يعد يمتلك أي أرض ثابتة ليقف عليها

وتغيير قواعد اللعبة بدأ إيرانيا في الدرجة الأولى عبر الشبكات التخريبية التي تم زرعها داخل دول الخليج، والتي تم الكشف عن عدد منها مؤخرا.

وعلى سبيل المثال يؤكّد حجم ونوعية السلاح والمتفجرات التي تم الكشف عنها، في البحرين، أن الهدف لم يكن محصورا في عمليات أمنية محددة تهدف إلى إثارة بلبلة عامة وحسب، بل أكبر من ذلك بكثير. من هنا تم تركيب ردة فعل متصاعدة تسعى إلى خلق نوع من التوازي مع الأهداف الإيرانية.

ولعل التدخل الروسي في سوريا الذي لا يبدو أنه تم خلافا لرغبة دول الخليج هو جزء من عملية الحرب على إيران، والتي تهدف إلى إقصائها عن كل المنطقة.

كذلك يمكن أن نعتبر عودة التفجيرات إلى لبنان والتي تطال مقاتلي حزب الله والمرشحة للتوسع قريبا لتصيب مناطقه والتي ستقابلها، كما تتوقع مصادر سياسية وأمنية، عودة للاغتيالات هي جزء من تغيير قواعد اللعبة الذي يبدو أننا نعيش في لحظته.

إيران مضطرة إلى القتال

أفادت أخبار عن توجه حوالي 1500 مقاتل من حزب الله إلى الشمال السوري لمشاركة قوات إيرانية قي محاولة استعادة بعض المواقع الإستراتيجية في تلك المنطقة، ما يعني أن المسألة غدت بالنسبة إلى حزب الله وإيران مسألة حياة أو موت.

والحزب الذي يعاني من نقص حاد في عدد المقاتلين، تجلى مؤخرا بتجنيد أبناء المدارس والكشفيين، يرسل الدفعة الأخيرة من مقاتليه، وهي تتألف على الأرجح من الفصيل الخاص التابع لنصر الله شخصيا، والذي يعد بمثابة حرس جمهوري. كذلك يقول إرسال إيران لمقاتلين إنها باتت مضطرة إذا شاءت الحفاظ على دور ما لها في المنطقة على خوض القتال بكل ما لديها، ما يعني أن الأزمة السورية ستنتقل إلى الداخل الإيراني، وهي مرشحة للتحول إلى عنوان سجالي إيراني داخلي حاد مع وصول أول دفعة كبيرة من النعوش إلى طهران.

مؤشرات الانهيار الاقتصادي باتت تلوح في الأفق مع تخفيض تصنيف لبنان المالي من قبل مؤسسات مالية دولية

كذلك لا يعني الدخول الروسي الذي أوهم الجميع أنه سيكون دعما للأسد بشكل خاص سوى أن إيران وجماعتها في مأزق حرج، خاصة أن الوجود العسكري الفعلي على الأرض سيكون محصورا في إيران وحزب الله في ظل إجماع القوى الكبرى وخصوصا أميركا وروسيا على عدم الزج بمقاتليها على الأرض.

وهكذا سيكون مقاتلو إيران إضافة إلى الميليشيا اللبنانية إزاء كماشة لا يملكون فيها تفوقا عسكريا، كما أن تغيير قواعد اللعبة يستتبع السماح بوصول أسلحة إلى القوى المعارضة لم يكن مسموحا لها الحصول عليها من قبل وهو ما بدأ فعلا، فالفيتو الأميركي على وصول أسلحة متطورة إلى المعارضة بات محصورا في الصواريخ المضادة للطيران وحسب.

هذا الفيتو الذي كان مؤثرا والذي حرم المعارضة من انتصارات حاسمة سابقا لا يبدو شديد الأهمية في معركة الشمال السوري. المهمة المشروعة للطائرات ستكون محصورة في قصف مناطق داعش، وسيكون هناك تنسيق روسي مع جيش الأسد وسائر القوى المشاركة في هذه العملية بشكل يجعل من استخدام الطيران لغير مهمة ضرب داعش مهمة صعبة.

التسوية السياسية ستكون جاهزة بعد أن تنهك إيران ويصاب حزب الله بجروح عميقة لا يعود فها قادرا على أن يشكل قوة فاعلة على الأرض. مدة إنجاز التسوية المنتظرة يُرجح أن لا تتجاوز الأشهر الأربعة، وهي المدة التي طرحتها روسيا كسقف زمني لضرباتها في سوريا.

لم تعد هناك خطوط حمر لحزب الله في لبنان، ولا يبدو الغرب ولا العرب مهتمين بمصيره

لبنان في مرمى إيران

الكارثة التي تطال لبنان، وتهدد بخروجه مثقلا بجراح مميتة من كل هذه المعمعة تكمن في أن الانكفاء الايراني في كل المنطقة سيجعل منه، وهو الخاصرة الرخوة، المجال الأخير لنفوذها.

وحزب الله الجريح العائد إلى لبنان سيكون انتحاريا بالكامل. ولا يمكن أن نتوقع ركونه إلى منطق العقلانية والتسويات. وأي تسوية ممكنة في الفترة اللاحقة ستبنى على أساس وقائع ميدانية وسياسية جديدة لا يمتلك فيها هو ولا إيران أي أوراق تفاوضية جدية، لذا لن يكون أمامه سوى أن يتخذ اللبنانيين رهائن لديه ليفاوض على دمائهم وعلى مصير البلد.

من هنا يمكن أن نستنتج أنه لم تعد هناك خطوط حمر لحزب الله في لبنان، ولا يبدو الغرب ولا العرب مهتمين بمصيره. وحجم المشاكل بات خارج أي إمكانية للضبط، وشبكة الأزمات تتوسع لتصطاد كل عوامل الاستقرار والضبط في البلاد.

مؤشرات الانهيار الاقتصادي باتت تلوح في الأفق مع تخفيض تصنيف لبنان المالي من قبل مؤسسات مالية دولية، ومع تداعيات الحرب على الإرهاب التي طالت مؤخرا عدة مصارف، وانخفاض نسبة تحويلات اللبنانيين في الخارج في ظل عجز عن تفعيل الأداء الاقتصادي في ظل سيطرة حزب الله على المرافق المنتجة في الدولة مثل المرفأ والمطار.

يضاف إلى ذلك اعتماد الحزب على شبكة مافيا مالية منظمة تعمل في كل ما يخالف القانون، وتحقق أرباحا ضخمة غير منظورة من شأنها حرمان أي مؤسسة تعمل بشكل شرعي من العمل ومن القدرة على المنافسة.

ولا يشكّل لبنان حالة تغري أي طرف من الأطراف الكبرى المتصارعة بالاستثمار فيه، لا على الصعيد المالي ولا على الصعيد السياسي. وفكرة الحياد سقطت مع مشاركة حزب الله في الحرب داخل سوريا، ما أسس لتداعيات أصابت البلد كله وليس الحزب وحسب.

ولعل موضوع النفايات يشكل المثال الرمزي المكثف والأكثر دلالة على واقع حال البلاد؛ حيث يشير خبراء إلى أن التأخر في إيجاد حل نهائي للأزمة.

7