مصير مؤلم لمكتبة قديمة

الجمعة 2016/12/09

تشكّل المكتبات، على اختلاف أنواعها، إلى جانب دور المسارح والنشر والسينما والمتاحف والمراكز الثقافية وقاعات الفنون التشكيلية، دعامة أساسية من دعائم تحضر المدن، وهذا ما تتميز به جميع المدن العريقة في العالم. وقد كشفت عمليات التنقيب الآثارية عن أن أولى المكتبات ظهرت قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل.

وهي مكتبات مركزية أسماها السومريون “بيت اللوحات الكبير” لأنها كانت مليئة بالألواح أو الرُقم الطينية التي دوّنت عليها أخبار الآلهة والأحداث التاريخية والملاحم الشعرية والأساطير وغيرها.

أمـا المصـريون فقـد أطلقـوا عليهـا “قـاعـة كتابات مصر” و“مكان إنعاش الروح”، وكانت تضم لفائف البردي التي تُحفظ مطوية في جـرار فخارية أو أسطوانات معدنية، أو توضع مصفوفة على الرفـوف، وعليهـا كلمات تدل على محتوياتها. كذلك عرفتها الحضارات الشرقية واليونانية والرومانية بأسماء مختلفة.

في العصور الحديثة ظهرت المكتبات الأهلية والحكومية التي تبيع الكتب والدوريات والمجلات (Book shops)، وأصبح انتشارها في أيّ مدينة دلالة على تمدنها وحيويتها الثقافية، واهتمام مجتمعها بالقراءة وحب المعرفة، وغيابها دلالة على تخلفها حتى لو كانت تحتضن بنايات شاهقة ومراكز تسوّق ومطاعم فخمة، وتتفرع فيها شوارع واسعة. ولم تعد المكتبات مخازن للمطبوعات فقط، بل أصبح بعضها فضاءات تقام فيها فعاليات مثل حفلات توقيع الكتب، والندوات والأمسيات الثقافية، كما في القاهرة وبيروت وعمّان، مثلا، على الصعيد العربي.

تُعتبر مكتبة “مكنزي” في بغداد، التي أسسها الأسكتلندي كينيث مكنزي عام 1920، أقدم مكتبة في العالم العربي، تليها مكتبة “لينرت ولاندروك” في القاهرة، التي أسسها إرنست هاينريش لاندروك عام 1924. وبينما لا تزال الثانية باقية إلى اليوم في شارع شريف بوسط القاهرة، فقد تحولت الأولى مؤخرا إلى محل تجاري عادي، أسوة بالعديد من الأبنية والدور التراثية المرتبطة بذاكرة البغداديين التي جرى هدمها أو التجاوز عليها بعد الاحتلال الأميركي للعراق.

تقع هذه المكتبة العريقة في شارع الرشيد، وكان مؤسسها الكتبي كينيث مكنزي (1880 - 1928) قد اكتسب في لندن خبرة في سوق الكتب أهّلته لافتتاح مكتبة صغيرة هناك، لكن الحرب العالمية الأولى أوقفت طموحاته، فوجد نفسه جنديا يتعرض لإصابة لم يشف منها إلا بعد انتهاء الحرب، فعاد يبحث عن عمل، وسنحت له الفرصة في ما بعد للمجيء إلى بغداد للاطلاع ميدانيا على حاجة المدارس والمؤسسات التعليمية إلى الكتب والمصادر.

وإثر مشاهدته سوق الكتب في بغداد وتبيّن الحاجة إلى مكتبة شاملة للكتب الأجنبية، افتتح مكتبته، وملأها بآخر ما تطرحه مؤسسات النشر الإنكليزية من المصادر العلمية، وكتب الأدب العالمي، كما أخذت توفر خدمات الاشتراك في الصحف والمجلات الغربية ليجري إيصالها في مواعيدها إلى دور المشتركين في بغداد وخارجها. وسرعان ما صارت المكتبة علامة بغدادية مضيئة، وقبلة أهل العلم والثقافة والأدب.

وحين مات مكنزي عام 1928 واصلت المكتبة نهجها، وقد استلم مهمة إدارتها دونالد مكنزي، شقيق زوجته، واستمر يديرها بنجاح حتى وفاته عام 1946. بعد ذلك انتقلت ملكيتها إلى عراقي، اسمه كريم، وصار يعرف بين أصدقائه وزبائن المكتبة بلقب “كريم مكنزي”.

يقول عنه جبرا إبراهيم جبرا، في سيرته الذاتية “شارع الأميرات” إنه “شاب شديد اللطف، ورث تلك المكتبة لأنه كان يعمل في إدارتها منذ أيام تأسيسها قبل الحرب العالمية الثانية، وغدت له خبرة بما يستجد في عالم الكتب الأجنبية، مضيفا إلى ذلك تعامله مع بعض الكتب العربية التراثية منها والعراقية الحديثة…

وقد أضحت مكتبته هذه، في شارع الرشيد، الشارع الأهم في بغداد يومئذ، ملتقى للمثقفين من عراقيين وأجانب، كلهم على صلة شخصية بصاحبها الذي يتابع اهتماماتهم الفكرية، ويحاول بعناية تلبية ما يطلبون من كتب…”. وبقي كريم يدير المكتبة حتى وفاته، ثم أغلقت في الستينات بعد استمرار المضايقات من دوائر الاستيراد وأجهزة الأمن، في الوقت الذي مُنع فيه استيراد المطبوعات الأجنبية كافة حتى على مستوى الأفراد. ويبدو أن إغلاقها كان وقتيا أو لشروط معينة.

وحسب معلومة من الشاعر جواد غلوم، أغلقت نهائيا عام 1977. وبدلا من إحيائها في عهد “الديمقراطية”، التي جاء بها الاحتلال الأميركي، والعمل على الاحتفال بمئويتها عام 2020، بوصفها معلما حضاريا، جرى ترميمها لتكون محلا تجاريا، ولتذهب الثقافة إلى الجحيم في عهد أسود تقوده أحزاب فاسدة معادية للثقافة لا همّ لها سوى نهب ثروات العراق.

كاتب من العراق

14