مضاربات سياسية تعقد أزمة العراق

المتظاهرون يواصلون في ساحة التحرير وسط بغداد احتجاجاتهم المناهضة للحكومة والطبقة السياسية الحاكمة.
السبت 2019/12/14
شجرة الميلاد تتزين بصور شهداء الانتفاضة

مع استمرار انتفاضة شباب العراق رغم حمامات الدم التي تسببت فيها أدوات القمع، تطرح الكثير من التساؤلات حول المآلات التي ستصل بالمشهد السياسي في العراق، ومدى قدرة الأحزاب الماسكة بالسلطة على الاستمرار بذات المنهج الذي تغذيه وتدعمه طهران؟

بغداد – يواصل المتظاهرون في ساحة التحرير وسط بغداد احتجاجاتهم المناهضة للحكومة والطبقة السياسية الحاكمة. انطلقت الاحتجاجات منذ أكثر من شهرين واتخذت منحى تصاعديا في الأسابيع الأخيرة بعد أن تيقنت الطبقة الحاكمة من أن تظاهرات الغضب هذه المرة مختلفة وليست كتلك التي عهدتها في السنوات الماضية.

أمام تعنت المتظاهرين وتمسكهم بمطالبهم اشتغلت آلة القمع وسالت الدماء، لكن لم يغير ذلك شيئا من عزيمة المتظاهرين الذين حولوا ساحة التحرير إلى صورة مصغرة عن العراق الموحد الذي يطالبون باسترجاعه من قبضة إيران.

ورغم أن الرد الواضح على هذه المطالب، إلى الآن، هو أن هذه الأحزاب لن تغادر مواقعها وهي لا تتحرك بأي خطوة باستقلالية لكونها أداة إيرانية، لا تملك سلطة القرار، إلا أن ذلك لا ينفي أن انتفاضة الشباب السلمية أحدثت إرباكا وخللا في بنية النظام السياسي القائم.

تبدو هذه الأحزاب مرتبكة حاليا في كيفية تنفيذ الدور المطلوب منها وهو الخروج بتعديلات شكلية على قوانين الانتخاب ومفوضيته ووثيقة الدستور ولم يحصل التوافق على مخارج تلك التعديلات التي لم ترق إلى مستوى مطالب المنتفضين.

وبعد عدة جلسات للبرلمان الذي تدور حوله العديد من الأسئلة وبدلا من اتخاذ قرار حل نفسه، علّق جلساته لحين الوصول إلى اتفاق حول مشاريع القوانين بين كتله السياسية المتنافرة وذات الولاءات العديدة لمصبّ خارجي مزدوج.

ويرافق هذا الإرباك شلل في عدم القدرة على تكييف مطلب إسقاط الحكومة ورئيسها الذي طالب به الشباب المنتفضون بعد أن تلاعب رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي بالحيثيات الدستورية وقدّم طلب الاستقالة إلى رئيس البرلمان وليس إلى رئيس الجمهورية الذي كان أمام مسؤولية تاريخية ودستورية بإعلان حل الحكومة والبرلمان والدعوة إلى تشكيل حكومة مؤقتة، الأمر الذي أدخله بتعقيدات المواءمة الشكلية غير الناجحة بين المطلب الشعبي ورغبات الأحزاب بترشيح رئيس للحكومة لا يخرج عن مطبخها.

بقايا قنابل الغاز المسيل للدموع زينة لشجرة الميلاد
بقايا قنابل الغاز المسيل للدموع زينة لشجرة الميلاد

وفي خضم الجدل حول تعيين رئيس الحكومة الجديدة، لوحظ تقدم كتلة البناء التي يترأسها هادي العامري بمرشح حزب الدعوة الوزير السابق محمد شياع السوداني، في خطوة تشي بعودة هذا الحزب الذي شهد البلد في عهده أصعب الأيام وأعنفها احترابا وفسادا، وهذا ما يتناقض مع الشروط والمواصفات التي أعلنها الحراك الشعبي وهي الاستقلالية وعدم الانتماء الحزبي وعدم تسنم المرشح لمنصب حكومي أو نيابي سابق وأن يكون مصدر ثقة لمطالب الثوار.

وأمام التضحيات الجسيمة لثوار الانتفاضة السلمية، هناك ابتعاد واضح من سلطة الأحزاب القائمة عما يريده المنتفضون. بل هناك سعي وبرنامج متواصل يستهدف إتعابهم ومحاولة اختراق صفوفهم وزرع الشكوك والاختلافات التي قد تصل إلى حدود استخدام السلاح، والانتقال إلى تصفية الناشطين خصوصا في بغداد.

ويلقي المحتجون اللوم على الميليشيات التي تدعمها إيران في أعمال العنف التي تتواصل مع استمرار حالة الغموض السياسي. ويرجع بعض المراقبين هذا الغموض إلى ارتهان الملف العراقي بقصة النزاع الإيراني الأميركي والذي تشكل الساحة العراقية إحدى أهم ساحاته.

وتشير متابعات للتحركات الإيرانية اللوجستية إلى استهداف لبعض القواعد العسكرية الأميركية وسط تسريبات لأخبار عن تدفق لبعض القطعات العسكرية الأميركية إلى الداخل العراقي ومشارف بغداد. وكان مسؤول عسكري أميركي أكد أن واشنطن سترد بقوة على الهجمات التي تطال قواعدها العسكرية في العراق، محذرا من أن هذه الهجمات التي ينفذها مسلحون مدعومون من إيران قد تؤدي إلى تصعيد خارج عن السيطرة في البلاد.

وأضاف المسؤول الأميركي أن هذه الهجمات قد تغير الأمور على الأرض خلال لحظة معينة في العراق، قائلا إن المسلحين المدعومين من إيران يقتربون من الخط الأحمر. وقد يرد التحالف بالقوة. ويستغل البعض مثل التصريحات، وحديث واشنطن، والدول الأوروبية، عن دعم التظاهرات السلمية في العراق، لشيطنة الانتفاضة الشعبية العراقية واتهام المنتفضين بـ”العمالة” للخارج، لكن هذه التهم بلا قيمة وتضيع وسط حقائق العراق اليوم وحال أهله الذين حرموا من أبسط حقوقهم الإنسانية.

6