"مضار التدخين" كنشيرتو من فصل واحد يجمع عمالقة المسرح بالموسيقى

الاثنين 2014/09/15
ميشيل روبان استطاع الجمع في مسرحيته بين تشيخوف وباخ وتشايكوفسكي وبيريو

باريس - منذ توليهما إدارة مسرح “بوف دي نور” خلفا لبيتر بروك، حرص أوليفييه مانتاي وأوليفييه بوبيل على الوفاء لهوية هذا الصرح التاريخي (1876)، القائمة على خلق منفتح على الموسيقى، بتقديم عروض تجمع بين الفن الموسيقي والفن الرابع، كما هي الحال في “مضار التدخين” لتشيخوف التي تألق في أدائها الممثل ميشيل روبان.

مرة أخرى يتقمص ميشيل روبان، المولود عام 1931، شخصية من شخصيات تشيخوف، تلك التي تقضي حياتها في كواليس الوجود، تبحث عن سعادة مخاتلة في جو يزفر الاحتقار والذل، كما يبحث التائه في البيداء عن نبع ضنين، وتظل تسترجع في ألم وحسرة، عندما يُردّ العمر إلى أرذله، آمالها الخائبة.

فبعد فيرس في “بستان الكرز” وفيرابونتي في “الأخوات الثلاث” وكارب في “الغاب”.

يعود روبان إلى مؤلفه المفضل -مع صامويل بيكيت- وإلى هذا النوع من المسرح “القائم على الزمن الذي يمضي، والأشياء المضمرة، وقليل من الموسيقى” على حدّ تعبير الناقد روجي غرونييه، ليؤدي في هذا النص القصير المكوّن من فصل واحد، دورا كان أدّاه في بداياته، قبل ستين عاما، بصوت الخجول وحركات المتردد وخطو من أثقلت الأعوام ركبه، دون أن يفقد ما طبع شخصيته من ذهول الإنسان الطيب أمام صخب العالم وغلوّه.

يقول في تواضعه المعهود: “أحيانا يخيل إليّ أني كنت أؤدي وقتها هذا الدور أحسن من الآن. فالصغر وسلامة الطوية مع نوع من السذاجة لها مزايا. أما الآن فلي الخبرة والحرفية، وهذا شيء خطير، لأنه لا ينبغي أن نغش إطلاقا، إذا تعلق الأمر بتشيخوف”.

ولكن الطفولة والذهول أمام الواقع تظل حاضرة في تمثيله، بكثير من التوفيق كالعادة، في هذا المونولوغ الذي يتقمص فيه دور العجوز نيوخين، ليعطي تراجيديا حياة خاوية إلاّ من النكد والغبن والتنغيص صبغتها التشيخوفية، الموسومة بالسخرية والروح المرحة حتى في أحرج اللحظات.

في قاعة تشغل فضاءها بعض آلات موسيقية وميكروفون وكراسي مبعثرة، ويلوح في عمقها رداء أحمر زالت بعض مشداته، إشارة إلى عالم تشيخوف، وخصوصا مسرحية “النورس” التي أخرجها توبليف، يدخل نيوخين بخطى بطيئة ويدنو من الميكروفون ليلقي محاضرة، فإذا بنا أمام مونولوغ عجوز عصامي ترغمه زوجته العكرة المزاج على إلقاء محاضرة حول مضار التدخين، من باب العمل الخيري.

المسرحية اعترافات عن حياة تافهة لم تأت من ورائها جدوى، يسردها الزوج بأسلوب طريف ومؤثر

محاضرة يستهلها نيوخين بقوله: “سيداتي، ولنقل أيضا، سادتي.. التبغ هو في الأساس نبتة..”، ثم ينزاح عن الموضوع تماما، ولا حديث بعدئذ إلاّ عن حياة الشقاء التي يعيشها مع زوجة فظة، سيئة الطبع، سليطة اللسان، لا تفتأ ترغمه على ما يكره.

يروي ذلك في نبرة هامسة كمن يفشي سرا يخشى أن يفاجأه صاحبه في أية لحظة، أو كطفل يخاف أن يمسكه أبواه متلبسا بذنب. يروي ويتلفت حوله حذرا، وبسمة حزينة لا تفارق شفتيه، ويسكت عن الكلام كلما تناهى إلى سمعه صوت زوجته أو وقع خطاها.

هي اعترافات عن حياة تافهة لم تأت من ورائها جدوى، يسردها بأسلوب طريف ومؤثر، يكاد يسوّغ امتهان زوجته واحتقارها إياه، فهو في نظرها أشبه بفزاعة. ولعل تعاليها ذاك متأت من كونها مديرة لإحدى أكاديميات الموسيقى، تحس أنها أرفع منه قدرا وأعلى مرتبة.

وكعزاء لنفس هذا العجوز المخدوش الكرامة، وبلسم لجروحه، ترافق ظهوره وتنقله على الركح جوقة مؤلفة من ثلاث حسان في فساتين مختلفة، (لعله تلميح لمسرحية تشيخوف “الأخوات الثلاث”)، يتقمص أدوارهن كلّ من فلوريان بونانّي عازفة الكمان، وإمانويل سويرش على البيانو ومورييل فيرّارو مغنية السوبرانو.

كان أداؤهن متطابقا مع النص، يكمله ويثريه، دون الوقوع في شرحه وتفسيره، فاختيرت “سوناتة رقم 1 على ري مينور”، و”بارتيتا رقم 2 على دو مينور” لجان سيبستيان باخ في أوقات صفاء نيوخين، و”رومانس رقم1” لبيتر إليتش تشايكوفسكي في لحظات اندفاعه، وسيكوانسا 8 للوتشانو بيريو في حالات غضبه وكآبته. دون أن ندري هل أن أولئك الفتيات كنّ بنات نيوخين أو طالبات بالأكاديمية.

ولكن الثابت أن “النغم الداخلي التشيخوفي” صارت له، بفضل الكمان والبيانو والإنشاد، حياة أخرى على الركح، من جهة الموسيقى هذه المرة وليست من جهة النص. وهو ما يفسّر إطلاق بعض النقاد صفة كنشيرتو من فصل واحد على هذا العرض الرائع، الذي تولى إخراجه دوني بوداليديس.

“عندي إحساس، وهذا مبعث فخري، أني أنتمي إلى رباعي quatuor”، يقول ميشيل روبان الذي يبدو اليوم، بجبينه الأجرد وقامته الفارعة وظهره المقوس قليلا وذراعيه الطويلتين وخصوصا سنه، مؤهلا لتمثيل أدوار رجال مثقلين بخبرة السنين وتجارب الحياة، دون أن يكونوا حكماء بالضرورة.

لأنه حتى عند تقمص شخصيات رصينة تواجه أحداثا كبرى، لا يمنع نفسه من إضفاء نوع من المرح والخفة والطرافة.

16