مضاعفات التوتر تلاحق الجنين في بطن أمه إلى ما بعد البلوغ

هرمون التوتر يزيد من الحساسية تجاه الألم ويعطل الجينات المساعدة في محاربة العدوى.
الثلاثاء 2019/10/22
التوتر يضعف المناعة والقدرة على تحمل الوجع

كشف فريق من العلماء أن مخاطر التوتر قد تنتقل من الحامل إلى جنينها وتظل آثارها ومضاعفاتها عالقة لما بعد الولادة والبلوغ. وبينت البحوث أن هرمون التوتر يؤثر بشكل أو بآخر في استجابة الجهاز العصبي للآلام.

لندن - تشير دراسة حديثة إلى أن الأشخاص الذين تعرضوا للتوتر في رحم أمهاتهم أو خلال الطفولة المبكرة قد يكونون أكثر حساسية للألم عند البلوغ المبكر مقارنة بأقرانهم الذين يعانون من ضغوط قليلة أو لا يتعرضون للتوتر في وقت مبكر من أعمارهم.

ركز الباحثون على الأحداث المسببة للتوتر التي تواجهها أسر الأطفال أثناء الحمل أو الطفولة المبكرة مثل مضاعفات الحمل أو وفاة أحد الأصدقاء المقربين أو أحد أفراد الأسرة أو المشكلات الزوجية أو الانفصال أو فقدان الوظيفة أو غيرها من المصاعب المالية أو الانتقال من مسكن إلى آخر.

بعد ذلك، اختبر الباحثون حساسية الألم لـ1065 مشاركا عندما بلغوا سن الـ22 عاما. وقال روب والر، المؤلف الرئيسي للدراسة والباحث في جامعة كورتين في بيرث بأستراليا، “من المعروف أن ضغوط الحياة الهامة تؤدي إلى تغييرات في النظم البيولوجية للجسم جزئيا عن طريق تعديل التعبير الجيني”.

وأضاف والر لرويترز عبر البريد الإلكتروني أن التوتر يمكن أن يحفز نشاط الجينات المرتبطة بالالتهاب ويعطل الجينات التي تساعد في محاربة العدوى. لهذا السبب تم ربط التوتر بمجموعة من الأمراض الشائعة المرتبطة بالالتهابات بما في ذلك مرض السكري وبعض أنواع السرطان.

ولقد أجرى الدكتور شيلدون كون أستاذ علم النفس بجامعة كارنيغي ميلون في مدينة بيتسبرغ مع زملائه دراسة هامة عام 2012 على 276 شخصا من البالغين المتمتعين بصحة جيدة، طُلب منهم استرجاع الأحداث العصبية التي مرت بهم، ومن ثم عُرِّضوا للفيروس المسبب للزكام. وتبين أنه بسبب معاناتهم من التوتر أصبح جسمهم مقاوما للكورتيزول، مما جعلهم أكثر قابلية للإصابة بالمرض.

فريق من الباحثين كشف أن الألم يجعل واحدا من بين كل ثلاثة أفراد غير قادر على إدارة شؤون حياته بشكل مستقل

وحللت الدراسة نوعين من الحساسية للألم؛ الاستجابة للضغط والاستجابة للبرد. ووجدت أن الأطفال ذوي السلوك الأكثر اضطرابا  في سن الثانية كانت لديهم حساسية أقل للألم عندما بلغوا سن الـ22 عاما.

وذكر باحثون في تقرير نشرته مجلة “باين” أن الضغوط المبكرة للحياة الأسرية الأكثر اختلالا ارتبطت بزيادة احتمالات الإصابة بحساسية عالية للألم عند البرد لدى الأشخاص في سن الـ22 عاما.

ولم تكن الدراسة تجربة مضبوطة تهدف إلى إثبات ما إذا كان التعرض المبكر للضغوط قد يؤثر بشكل مباشر على استجابات الألم بعدها بسنوات. كما يفتقر الباحثون أيضا إلى بيانات حول ما يسمى بتجارب الألم الحي، مثل الإصابات المؤلمة أو العمليات الجراحية، التي قد يتعرض لها الأطفال في وقت مبكر من العمر والتي قد تؤثر على استجابتهم للألم كبالغين.

ومع ذلك، يقول والر إن النتائج تشير إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الضغوط في مرحلة الطفولة المبكرة قد يرغبون في البحث عن علاجات أخرى إذا كانوا يواجهون آلاما مضنية.

وأوضح أنه بالنسبة إلى بعض الأشخاص الذين يعانون من ألم مزمن يتداخل مع حياتهم اليومية، يمكنهم التفكير جديا في علاقة ذلك بتأثيرات التعرض للتوتر في مرحلة عمرية سابقة أو حاليا.

وقال “إن معرفة العوامل المسببة لمقدار الألم الذي يشعرون به وتعلم كيفية إدارة التوتر بنجاح يمكن أن يحسنا سيطرتهم على آلامهم ويحسنا نوعية حياتهم”.

وأضاف والر “تتضمن استراتيجيات إدارة التوتر بشكل أفضل تقنيات التأمل والاسترخاء وممارسة التمارين الرياضية بانتظام وعادات النوم الجيدة والاستراتيجيات النفسية لتطوير استجابات إيجابية للتغلب على التوتر والتواصل الاجتماعي”.

وأثبت العلماء أن اعتماد التأمل الذهني كأسلوب علاج هو طريقة فعالة في مقاومة التوتر. فقد توصلت دراسة سابقة أجريت في جامعة كارنيغي مليون في بيتسبورغ إلى أن التأمل الذهني لمدة 25 دقيقة فقط لثلاثة أيام متتالية، كفيل بزيادة قدرة الفرد على التحكم في الضغط النفسي.

كما أكد باحثون من جامعة برينستون الأميركية أن النشاطات الجسدية تعزز قدرة الدماغ على مواجهة التوتر.

الجنين يتأثر بالمتاعب اليومية من خلال الأم
الجنين يتأثر بالمتاعب اليومية من خلال الأم

ونقل موقع ساينتفيك أميركان عن جمعية “ستادي أوف باين” أن هناك شخصا من ضمن كل خمسة أفراد على سطح الكوكب يعاني آلاما متوسطة وشديدة بشكل مزمن. وأفاد أن الألم يجعل واحدا من بين كل ثلاثة أفراد غير قادر على إدارة شؤون حياته بشكل مستقل، فضلا عن أن هناك شخصا من بين كل أربعة أشخاص يؤكد أن الشعور بالألم يؤدي إلى توتر علاقاته مع أفراد أسرته أو أصدقائه.

ووجد باحثون في جامعة ليدز في المملكة المتحدة دليلا على وجود شبكة مخفية من “أدمغة صغيرة” يمكنها أن تغيِّر من فهمنا لكيفية انتقال الألم في جميع أنحاء الجسم. ويمكن لذلك أن يُحدث ثورة في الطريقة التي نصمم بها أدوية للتغلُّب على الألم. وتعطي الدراسة، التي أجريت على الفئران في ليدز، أهمية أكثر مما سبق في الشعور بالألم للجهاز العصبي المحيطي/الطرفي على نحو يدفع فريق البحث إلى تصوُّر وجود شبكة من “الأمخاخ متناهية الصغر” موجودة على امتداده في كافة أنحاء الجسم. والافتراض القائم حاليّا هو أن الإحساس بالألم يتم تفسيره فقط من قِبَل الجهاز العصبي المركزي، أي من قِبَل كلٍّ من الدماغ والحبل الشوكي، إلا أن الأبحاث الجديدة تذهب إلى أن الجهاز الطرفي يؤدي دورا أكثر أهمية، تجاهلناه عدة قرون.

والجهاز العصبي الطرفي هو الاسم الذي يُطلَق على مجموع الأعصاب التي تغذي الجهاز العصبي المركزي من جميع أنحاء الجسم، وتشمل كلّا من الأعصاب الحسية التي تحمل المعلومات إليه والأعصاب الحركية التي تنقل التعليمات عنه.

ويعتقد الفريق البحثي أن تلك “الأمخاخ” يمكنها أن تؤدي دورا في تثبيط الرسالة الخاصة بالألم بدلا من نقلها بشكل كامل للمخ، كما هو سائد في النظرية التقليدية لتفسير الشعور بالألم وحدَّته، والمعروفة باسم “بوابة التحكم في الألم”. وتفسر هذه النظرية كيفية انتقال الإحساس بالألم نتيجة لمؤثر خارجي بوجود بوابات بين الجهازين الطرفي والمركزي تسمح بمرور إشارات عصبية (نتيجة لاستثارة الخلايا) من الأول إلى الثاني، وتعطيه أوامر تتصل بردود أفعال لرسالة الألم.

17