مضاعفة الرسوم تطلق موجة هروب الخطوط الملاحية من الموانئ المصرية

شركات الشحن توجه أنظارها إلى إيلات والموانئ اليونانية، وميرسك تلوح بالابتعاد عن قناة السويس إلى خط القطب الشمالي.
الأربعاء 2018/08/29
سفن الشحن تتجنب الموانئ المصرية

انتقد محللون تعامل الحكومة المصرية مع خطوط الملاحة العالمية وكأنها اللاعب الوحيد في مسرح موانئ البحر المتوسط، بعدما أدت مغالاتها في فرض الرسوم إلى هروب تسعة خطوط ملاحية عن الموانئ المصرية، الأمر الذي سيحرمها من عوائد تقدر بمليارات الدولارات سنويا.

القاهرة - أهدت القاهرة ميناء “بيريه” اليوناني أكثر من 700 ألف حاوية سنويا، تمثل ربع عدد الحاويات التي تعامل معها ميناء شرق بورسعيد خلال العام الماضي، بعد هروب خطوط ملاحية بحرية نتيجة قرار وزارة النقل برفع رسوم خدمات للسفن بنسب خيالية.

وضاعفت السلطات المصرية رسوم تداول الحاويات أربع مرات من 2.5 دولار إلى 10 دولارات، وهي زيادة كبيرة تقوض المزايا التنافسية للموانئ المصرية.

وتسبب القرار في انسحاب تحالف أوشن أليانز الصيني منذ أيام، الذي يضم خمسة خطوط ملاحية هي “سي.أم.أي” و”أي.بي.أل” و”أو.أو سي.أل” و”إيفرغرين” و”كوسكو شينغ”.

ويقوم التحالف بتداول الحاويات المحمولة على ظهر السفن العملاقة من شرق آسيا قبل رحلتها إلى أوروبا عبر ميناء شرق بورسعيد، بينما يتداول الحاويات المتوسطة والصغيرة الوافدة من غرب أوروبا في رحلتها لشرق آسيا في ميناء غرب بورسعيد.

فؤاد ثابت: توقعات بخروج 10 خطوط ملاحية جديدة إذا لم تعدل الحكومة عن قراراتها
فؤاد ثابت: توقعات بخروج 10 خطوط ملاحية جديدة إذا لم تعدل الحكومة عن قراراتها

وشهد شهر أبريل الماضي انسحاب تحالف أليانز العالمي الذي يضم 4 خطوط هى “كي.لاين” و”أم.أو.أل” و”يانغ مينغ” و”هايدباغ”، وتبذل القاهرة جهودا كبيرة من أجل عودته مرة أخرى، ولا تزال المفاوضات قائمة.

وقال خبراء في صناعة النقل إن أسعار الخدمات في الموانئ المصرية مرتفعة للغاية مقارنة بجميع موانئ البحر المتوسط، ما يدفع المزيد من خطوط الملاحة إلى الهروب.

ويصل عدد خطوط الملاحة العالمية التي تتعامل مع الموانئ المصرية إلى 25 خطا، وتستقبل سنويا نحو 149.5 مليون طن من البضائع، منها 97.5 مليون طن واردات، مقابل صادرات حجمها 52 مليون طن.

وتوقع عادل اللمعي، رئيس غرفة الملاحة في بورسعيد، أن يتراجع عدد الحاويات بميناء شرق بورسعيد خلال هذا العام إلى نحو 1.4 مليون حاوية، نتيجة القرار، الأمر الذي يفتح المزيد من الفرص أمام حركة تجارة الترانزيت في ميناء “بيريه” اليوناني.

وتصل طاقة ميناء شرق بورسعيد إلى نحو 2.7 مليون حاوية، بحجم بضائع يقدر بنحو 12 مليون طن، ومن المخطط أن تصل سعة التداول السنوية للحاويات بالميناء إلى نحو 5.1 مليون حاوية بعد الانتهاء من مرحلة التوسعات الثانية التي يتم العمل عليها حاليا.

وقال اللمعي لـ”العرب” إن “جميع خطوط الملاحة البحرية العالمية العاملة في مصر تدرس عددا من البدائل بسبب زيادة التكاليف”.

ويصل متوسط تكلفة رسوم دخول سفن الحاويات في ميناء “بيريه” اليوناني إلى 35 ألف دولار، بينما تتضاعف هذه الرسوم إلى نحو 120 ألف دولار في ميناء شرق بورسعيد.

وتتجه جميع الأنظار إلى الاجتماع الدوري للمجلس الأعلى للموانئ المقرر سبتمبر المقبل، للعدول عن تلك القرارات التي وصفتها شركات الملاحة والخدمات بأنها “مجحفة”.

أحمد الشامي: احتكار ميرسك يسّرع خطى خروج تحالف أوشن أليانز الصيني من بورسعيد
أحمد الشامي: احتكار ميرسك يسّرع خطى خروج تحالف أوشن أليانز الصيني من بورسعيد

وتشير بعض التقديرات إلى هروب العديد من الخطوط الملاحية، حال إصرار القاهرة على تلك الرسوم الباهظة، وقد يؤدي ذلك إلى صدام محموم بين وزارة النقل وشركات الخدمات الملاحية المصرية التي سوف تتوقف تماما.

وتعمل أكثر من 900 شركة في مجال التخزين والتوريد اللوجستيات بالموانئ، وتتعارض هذه القرارات مع خطط القاهرة لتدشين أكبر منطقة لوجستية بالعالم في تجارة الترانزيت وتداول الحاويات في المنطقة الاقتصادية بمحور قناة السويس.

وكشف أحمد الشامي، خبير النقل البحري وعضو جمعية مستثمري السويس عن بعد جديد وراء انسحاب تحالف أوشن أليانز الصيني الذي تتزعمه شركة “كوسكو شينج” بجانب ارتفاع أسعار الرسوم.

وأوضح لـ”العرب” أن المنافسة الشرسة من جانب ميرسك الدنماركية، التي تعد من أكبر الشركات في العالم العاملة في مجال الشحن والحاويات، حيث تدير محطة الحاويات في ميناء شرق بورسعيد، كانت عبئا يضاف إلى تكاليف التحالف الصيني، الأمر الذي سرّع مع خطوات خروجه، مؤكدا أن “عدم مواجهة مصر لهذه المشكلة سيجعل من اليونان نجما لامعا في صناعة تجارة الترانزيت”.

ووصف خبراء تجربة ميرسك الجديدة في نقل الحاويات عبر القطب الشمالي مؤخرا بأنها ورقة ضغط على الحكومة المصرية للحصول على امتيازات جديدة في إدارة “رصيف 2” و”رصيف 3” في ميناء شرق بورسعيد المزمع الانتهاء منهما مع نهاية العام الحالي.

وهناك منافسة حاليا بين ميرسك وتحالفات أخرى من الصين وألمانيا وروسيا للفوز بإدارة الرصيفين، ومن ثم ترغب ميرسك في الفوز بعقد الإدارة بدلا من الدخول في مناقصة عالمية قد تخسرها.

وجاءت تجربة ميرسك بالقطب الشمالي مباغتة في الوقت الحالي، لا سيما وأن الشركة أعلنت في وقت سابق أن القطب الشمالي لن يصبح خيارا تجاريا لطرق الشحن، قبل مرور عقدين على الأقل.

وأكد البعض من المراقبين أن رحلة ميرسك لن تكون بديلة لقناة السويس، فالقطب الشمالي قد يكون صالحا للملاحة خلال أشهر يونيو ويوليو وأغسطس فقط، بشرط أن تكون السفن مجهزة بكسارات للثلج، وبالتالي لا تستطيع نقل حمولات كبيرة، ما يقلل من اقتصاديات النقل.

عادل اللمعي: جميع خطوط الملاحة العالمية تبحث عن موانئ بديلة بعد زيادة الرسوم
عادل اللمعي: جميع خطوط الملاحة العالمية تبحث عن موانئ بديلة بعد زيادة الرسوم

وأوضح الشامي أن تجربة ميرسك كانت بسفينة صغيرة تحمل 3600 حاوية، وتوفر نحو 7 آلاف ميل بحري لتجنب مرورها عبر قناة السويس، لكن مخاطر العبور بالقطب الشمالي وارتفاع تكلفة التأمين وتراجع الخدمات، تحديات قد تؤدي إلى عدم استمرار الفكرة.

وتقدر خسائر مصر من استمرار تجربة ميرسك بنحو 30 ألف حاوية، وهو رقم هزيل جدا، مقارنة بإجمالي عدد الحاويات السنوية في الموانئ المصرية، والتي تصل إلى حوالي 6.23 مليون حاوية، منها 3.12 مليون حاوية واردات، ونحو 3.11 مليون حاوية صادرات.

واعتبر فؤاد ثابت، رئيس جمعية مستثمري بورسعيد، زيادة رسوم خدمات النقل البحري “صاعقة” على الشركات، وتوقع في تصريحات لـ”العرب” خروج نحو عشرة خطوط ملاحية جديدة، من خلال تحالفات وشركات فردية نتيجة القرار.

وأشار إلى أن الاستمرار في هذا الاتجاه يزيد الفرص أمام ميناء “إيلات” في إسرائيل على البحر المتوسط، بعد اتجاه عدد من الخطوط الملاحية لميناء “بيريه” اليوناني، الأمر الذي يدفع بعض خطوط الملاحة إلى البحث عن موانئ قريبة وبديلة.

ويصل عدد الموانئ التجارية بمصر إلى نحو 15 ميناء، بإجمالي أطوال أرصفة تبلغ 35.8 كلم، ومساحة تصل إلى حوالي 518.84 كيلومتر مربع.

ولفت ثابت إلى أن اجتماع سبتمبر المقبل سيكون حدا فاصلا في تاريخ الملاحة المصرية، فليس أمام وزارة النقل والهيئة الاقتصادية لقناة السويس بديل سوى خفض الرسوم أو منح خطوط الملاحة حوافز تشجعها على الاستمرار.

11