مضر بدران عميد البيروقراطية الأردنية يفتح دفاتره القديمة

السبت 2016/01/30
بدران يحاكم خصومه ويراهم وطنيين مخلصين في الوقت ذاته

عمّان - يروي مضر بدران رئيس الوزراء الأردني الأسبق في مذكراته التي بدأ بنشرها مؤخراً في عمان، حكايةً ستكشف تفاصيلها ومضامينها معظم ما يمكن أن يوصف به الرجل. يمتلك مهارة التخفي بصورة واسعة. كيف لا وهو نفسه من سيصبح في بداياته رجل مخابرات بامتياز؟

في الحكاية، يشرح بدران مرحلة دراسته في جامعة دمشق، وكيف انخرط في المجتمع السوري حد الاندماج من دون أن يعرف أحد أنه ليس سوريا.

يقول إنه دخل لامتحان شفوي في إحدى مساقات القانون الدستوري، وهناك فقط اكتشف الدكتور أنه ليس سوريا، عندما اخطأ باستخدام كلمة “حكومة”، بمعنى “دولة”، فسأله الدكتور من أين أنت؟ إنه خلط ما يزال ساريا في كثير من الدول العربية، حيث رسخ في أذهان الناس أن الحكومة هي الدولة.

رئيس أربع حكومات

شكّل مضر بدران رئيس الوزراء الأردني الأسبق أربع حكومات في عهد الراحل الملك الحسين بن طلال، أولها عام 1976 وآخرها في عام 1989. أمضى فيها ثمانية أعوام ونصف كرئيس للوزراء. وأدار خلالها البلاد بعقلية البيروقراطي الحريص على بناء مؤسسات الدولة وصيانتها، خدمة وإدامة للنظام الملكي الهاشمي، وكانت تسند له الكثير من المهام السياسية الخارجية، ساعده في ذلك استلامه منصب وزير الخارجية في إحدى حكوماته بالإضافة إلى كونه رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع، إضافة الى خلفيته الأمنية.

يكاد يكون أحد أهم ملامح السيرة الذاتية له تسلمه لمنصب مدير المخابرات العامة، في فترة من أكثر الفترات التاريخية حساسية من التاريخ الأردني، نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي.

كان حملا ثقيلا الذي وضعه مضر على كاهله لسببين الأول التوقيت والثاني أنه جاء بعد مدير مخابرات بحجم محمد رسول الكيلاني. عند تأسيس جهاز المخابرات العامة شغل بدران موقع مساعد مدير المخابرات للشؤون الخارجية ثم صار مديرها عام 1968 لعدة سنوات، وبقي حتى تقاعد برتبة لواء عام 1975 ليواصل مهامه في مواقع أخرى.

تكاد سيرة الرجل تتماهى مع سيرة الدولة نفسها، خاصة وقد تراوحت مناصبه اللاحقة بين رئاسة الديوان الملكي والوزارة ورئاسة الوزراء طوال الوقت، إضافة الى عمله كمستشار للملك الحسين أكثر من مرة، وخلالها كلّفه الملك بالعديد من المناصب والمهمات الحساسة.

بيت القاضي

عاش مضر في كنف والد عرف باشتغاله بالعمل العام لعدة دول ومناطق وذلك قبل ولادة سايكس بيكو. كان والده من خريجي الأزهر، تخصص في القضاء في إسطنبول وبدأ مشواره في العمل من مدينة حمص إبان العهد العثماني بحدود عام 1913، ثم انتقل إلى تبوك، ولاحقا سيستدعيه الأمير عبدالله ليعمل قاضيا في إمارة شرق الأردن. من هنا بدأت حكاية بدران الابن عام 1934 في مدينة جرش الأردنية، شمال المملكة حيث ولد.

بعد انتهائه من دراسته الابتدائية في جرش انتقل مضر جنوبا إلى مدينة الكرك بعد أن اضطر والده الى الانتقال بحكم ظروف عمله كقاض في المحاكم الأردنية هناك. وفي الكرك حصل مضر على الشهادة الثانوية من مدرستها المشهورة.

مضر بدران يعد أكثر رئيس للوزراء يشكل الحكومات، فقد بلغ رصيده أربع حكومات في عهد الراحل الملك الحسين بن طلال، أولها عام 1976 وآخرها في عام 1989. أمضى فيها ثمانية أعوام ونصف كرئيس للوزراء. أدار خلالها البلاد بعقلية البيروقراطي الحريص على بناء مؤسسات الدولة وصيانتها

بداية الخمسينات، رحل مضر بدران الى دمشق، حاملاً بيده ورقتين الأولى الشهادة الثانوية والثانية رسالة من والده الى صديقه رئيس الوزراء السوري حسن الحكيم الذي كان زميلا لوالده في سلك القضاء أثناء خدمته في حمص.

كانت الرسالة توصي بقبول الابن في كلية الطب بجامعة دمشق. لكن القدر كان يريده أن يسلك مسلك والده. فرغم توصية حمّلها رئيس الوزراء الى جامعة دمشق بقبول حاملها في كلية الطب لكنه قُبل بكلية الحقوق.

الدولة ورجالها

تقرأ عن سيرة مضر بدران في دمشق فتفطن إلى أمر واضح، وهو أنه يوم انخرط في جامعته صار سورياً يخالط السوريين في كل تفاصيل همومهم. مضر الشاب شارك بفعالية في النشاطات الطلابية في الجامعة التي كان مؤسس حركة القوميين العرب قسطنطين زريق رئيسا لها. فانخرط الشاب الأردني في المظاهرات ضد حكومة أديب الشيشكلي.

بعدها ساهم في حملات جمع التبرعات للجيش العربي السوري أثناء حرب 1948، وكان له دور محوري في التشكيلات التنظيمية الطلابية، وقابل ضمن وفد طلابي الرئيس شكري القوتلي. ومبكرا كان الشاب الصغير يعبّر عن رجل الدولة الذي سيكون عليه مستقبلا.

مؤسسة الجيش والمخابرات

عندما عاد إلى الأردن، كان سليمان النابلسي آنذاك يرأس الحكومة الوطنية المشكلة بناء على الانتخابات التي جرت في ذلك العام، فانتظم في الأمن العام كضابط، وما لبثت البلاد حينها أن دخلت تحت الأحكام العرفية ليتم دمج الأمن العام ضمن تشكيلات القوات المسلحة الأردنية “الجيش العربي”، فيبدأ تدرجه في الرتب حيث دخل الجيش وحمل رتبة ملازم أول، وكان مشاورا عدليا يترافع عن الجيش في المحاكم. ثم نُقل للعمل كضابط في المباحث العسكرية، ثم المباحث العامة التي أصبحت في ما بعد دائرة المخابرات العامة، ليواصل تدرجه، إلى أن أصبح مديرا لهذه الدائرة في مرحلة هي من أشد المراحل حساسية في تاريخ الدولة الأردنية.

استطاع بدران أن يؤثر على أداء جهاز المخابرات العامة وأن ينقله نقلة نوعية من حيث تخفيف الوسائل المستخدمة في التعذيب، والانتقال من طرق التحقيق الكلاسيكية التي استعانت بالخبراء الألمان والإنكليز والأميركان، إلى أساليب أكثر إنسانية في التعامل مع المعارضين السياسيين، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الإطار القمعي الذي يصادر حرية الرأي والتعبير.

يتفق خصومه مع محبيه على قوّته، فهو من الرجال الأقوياء الذين اعتمد عليهم الملك الراحل الحسين بن طلال في إدارة الكثير من الملفات الصعبة والحساسة.

عرف بدران بامتلاكه رؤية خاصة في الكثير من الملفات التي طالما اتفق معه الحسين عليها، وربما استطاع أن يؤثر على رأي الملك غير مرة، بل إنه استطاع أن يثني الملك حسين عن مواقف كانت ستضر بمصالح الدولة لو أنها حدثت، مثل تلك البرقية التي كان يرغب الملك الحسين بإرسالها إلى السادات بعد توقيعه لاتفاقية كامب ديفيد.

مدرسة التأسيس

يختلف عميد البيروقراطية الرسمية، وهكذا كان يعرف مضر بدران على الدوام، عن رؤساء الوزراء بامتلاكه وجهة نظره الخاصة في إدارة الدولة، فهو ينتمي الى المدرسة البيروقراطية التي أسست الدولة الأردنية ومؤسساتها العامة. وفي عهده تأسس الضمان الاجتماعي والكثير من مؤسسات القطاع العام والإسكانات للموظفين، وكان في كل المواقع التي عمل بها أو تسلم إدارتها يظهر الولاء التام للعائلة المالكة.

مضر بدران يظهر في تاريخ الأردن الحديث كواحد من أهم صانعي مفاصل العلاقات الخارجية التي رسمت سياسات الشرق

ساعد بدران على تنفيذ برامجه الدعم العربي للأردن كدولة مواجهة مع إسرائيل، خصوصا بعد توقيع السادات لاتفاقية كامب ديفيد، وما لحقها من مقاطعة الدول العربية لمصر، ما أدى إلى تدفق المساعدات من دول الخليج العربي والعراق على الدولة الأردنية.

هناك نقاش الآن عن هذه المبالغ وهل تمّت إدارتها وتوجيهها بالشكل الصحيح أم لا، وهل كانت بمأمن من الفساد وسوء الإدارة. ما هو مؤكد أنه تم من خلالها تنفيذ الكثير من المشاريع خصوصا في مجال البنية التحتية والصحة والتعليم وتحسين دخل ومستوى المعيشة للمواطنين.

المتتبّع لسيرة حياة مضر بدران يكتشف بسهولة ميوله للعمل في الدوائر القريبة من الملك حسين، التي غالبا ما تنشغل بالسياسة الخارجية للدولة. وليس من الصعب على رجل مثل مضر بدران أن يرى بوضوح اهتمام الملك بالمشروع العربي الكبير الذي يتخطى حدود وحجم الدولة الأردنية. فكانت فترة السبعينات وحتى منتصف التسعينات مثقلة بالهموم العربية، التي عانت فيها المنطقة الكثير من الحروب والصراعات والاجتياحات في المنطقة.

في كل حال لا يمكن للمرحلة التي كان فيها بدران رجل دولة، إلا أن تصطبغ بالصبغة الإقليمية العالمية. وقد احتاجت المنطقة حروب وأحداث تاريخية ما زالت تنفعل بها حتى يومنا هذا؛ الحرب العراقية الإيرانية، واجتياح العراق لدولة الكويت، والعدوان على العراق والحروب الإسرائيلية على لبنان، وهي كلها اندمجت لتؤثر على المملكة سياسيا واقتصاديا.

عدو الليبرالية

بالنسبة إلى بدران، لم تكن الأمور تجري بالشكل السلس على الدوام، فلم تكن الحكومات التي شكّلها حكومات تسيير أعمال، وحتى المناصب التي استلمها لم يكن فيها مجرد واجهة. كان يمتلك برامجه دائما. برامج كانت على الأغلب جدلية. لكنها متساوقة مع القصر، ورؤية بدران لبناء الدولة ووظيفتها.

كان هذا طبيعيا مع شخصية بيروقراطية متمكنة وتتمتع بالكفاءة اللازمة للإدارة، وتؤمن بالولاء المطلق وتنفّذ الأوامر بآليات تنفيذية رتيبة.

بدران كمحافظ يأخذ على خصومه الليبراليين استشهاد المعارض عبدالفتاح تولستان تحت التعذيب في مطلع الستينات، وكان رئيس الوزراء في تلك الفترة سمير الرفاعي (الجد)، هذه الحادثة التي رُفعت بعدها الأحكام العرفية وتم طرد الخبير الأمني الأميركي الذي كان يشرف على التحقيق مع المعتقلين. كما يأخذ عليهم وقوع الأحداث في نهاية 1989 “هبة نيسان” ويسميها “ثورة” حيث أسقطت حكومة زيد الرفاعي وأنهت الأحكام العرفية.

ثلاثة آلاف سنة سجنا

بعد أن انتهت مرحلة مضر بدران، وآن أوان الكلام والذكريات ستسمع من بدران ما يسرّ. ينتبه لتلك الحقبة في مذكراته ويجيب بنفسه عن سؤال يطرحه هو نفسه عن: لماذا تأخرت الديمقراطية؟ فيقول: كنا نواجه العدو.

المفارقة أن مضر بدران اليوم يؤمن أن الديمقراطية هي الحل. يقول إنه كان يرى المعارضين من السياسيين وطنيين مخلصين. صحيح أنه مهر بتوقيعه الأحكام القاسية التي صدرت بحقهم ومجموعها أكثر من ثلاثة آلاف سنة لكنه الآن يمدحهم

لكن هل العدو تخلى عن الديمقراطية وبناء دولة القانون والمؤسسات بحجة ما يخوض من معارك معنا؟ في الحقيقة كانت هذه هي حجة كل الأنظمة القمعية العربية على الدوام. فلا هي بَنَت الدولة القومية الكفؤة التي تحافظ على مصالح الأمة وتصونها، ولا هي أنظمة دكتاتورية بشكلها الكلاسيكي التي خاضت الحروب وانتصرت. أنظمة لم تحرر أوطانا ولم تترك للإنسان العربي حريته، ليبدع ويقدّم ما عنده.

المفارقة أن مضر بدران اليوم يؤمن أن الديمقراطية هي الحل. يقول إنه كان يرى المعارضين من السياسيين وطنيين مخلصين. صحيح أنه مهر بتوقيعه الأحكام القاسية التي صدرت بحقهم ومجموعها أكثر من ثلاثة آلاف سنة. لكنه الآن يمدحهم. ويمدح جمال عبدالناصر، ويراهم وطنيين ومخلصين.

يقول بدران عن نفسه إن موقفه كان ضد غزو الكويت، وضد غزو العراق. صحيح أنه شكل المجلس الاستشاري البديل العرفي لمجلس النواب، لكنه يحترم المجلس المنتخب عام 1956 مع أنه حُلَّ وزجّ بعدد من أعضائه في السجن.

فوق ذلك هو لا يحب السادات وضد كامب ديفيد، وهو ضد السياسة الأميركية. بل ومنع كيسنجر من دخول الأراضي الأردنية، ويتباهى بأنه هاجم السياسة الأميركية التي كانت تحاول الاستحواذ على ثروات العراق، حتى أن البيت الأبيض اشتكاه على إثر ذلك للملك الراحل الحسين بن طلال.

يطلق على أحداث 1989 “هبة نيسان”، وهو أيضا ضد قانون الصوت الواحد الذي شوّه العملية الديمقراطية، مع أنه كان له دور في توصيل رسائل إلى لأحزاب تتضمن الطلب الرسمي بتحديد سقف عدد المرشحين الذين ستتقدم بهم للانتخابات.

مراقب العهد الجديد

ما يسجل للرجل أنه لم يتورط في لعبة العائلات السياسية. رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران لم يستلم أيّ من أبنائه مناصب وزارية من بعده. بل ربما أن بعضهم يعمل في مصنع الحديد الخاص المملوك له. والآخرون يعملون في وظائف عادية، وعندما عرض الملك عبدالله الثاني على شقيقه الدكتور عدنان تشكيل الحكومة نصح مضر أخاه عدنان أن لا يقبل تشكيل الحكومة وأن يعتذر عن ذلك.

من مميّزاته التي تميزه عن الآخرين في التيار المقابل له، أنه حافظ على القطاع العام، وأسس الكثير من شركاته، بينما تورط خصومه في لعبة التوريث السياسي وبيع القطاع العام وخصخصته، والمراهنة على القطاع الخاص.

صحيح أن التقييم المتأخر يحتاج إلى قدر كبير من الموضوعية والدخول في السياقات التاريخية في ذلك الزمان، التي أملت على رجال الدولة اتخاذ قرارات معينة دون أُخرى، فليس من العدل محاكمة السلوكات السياسية خارج أُطرها التاريخية، لكن الحقيقة الأكيدة أن التأسيس الصحيح كان سيجنب بلداننا الكثير من المتاعب التي تواجهنا الآن.

13