مضر رمضان يطلق على المسرح صرخة "هيروسترات" الباحثة عن المجد

الخميس 2014/02/27
المسرحية تعبير عن لهاث وراء مجد شخصي لا غير

دمشق- “إن وقاحة الإنسان أعظم من الآلهة” يصرخ هيروسترات (محمد حسن) على خشبة مسرح القباني في العاصمة دمشق، رؤية جديدة قدّمها المخرج السوري الشاب مضر رمضان لنص “هيروستارت” لغريغوري غورين، حيث أعاد قراءته ليروي حكاية المتمرّد الذي يبحث عن المجد الشخصي دون أيّ مبرر سوى المجد.

اعتمد رمضان على العديد من العوامل التي قاربت النص نفسه من جهة والعرض من جهة أخرى، حيث استغنى عن “رجل المسرح” الموجود في النص الأصلي، مهملا بذلك التدخل التاريخي ليجعل الأحداث تمشي وفق الحبكة الرئيسية، المتمثلة بأحداث قصة محاكمة هيروسترات بعيدا عن أسلوب “الروي” الذي يقوم به “رجل المسرح”.


نهاية مفتوحة


يطرح العرض إشكالية الثائر الذي يبحث عن المجد، فهيروسترات أحرق المعبد لأنه أراد أن يخلد اسمه، رافضا تقاسم المجد مع أي أحد، في البداية نرى الصراع بين حكم القانون المتمثل بإعدام هيروسترات وحكم الآلهة المتمثل بتأجيل الإعدام، إلى جانب ذلك نرى الأميرة كليمنتا (ميرنا معلولي) تغوي هيروسترات، وتسلمه نفسها كي يذكر اسمها أثناء إعدامه، لطمعها في المجد والأسطورة التي سيتحول إليها لاحقا.

كليمنتا مستعدة للتفريط في شرفها المؤقت ليكون إحراق المعبد في سبيل جمالها، هيروسترات يحتال على الجميع للوصول إلى غايته فهو يشتري السجّان وينجح في إقناع والد زوجته المرابي بأن ينشر مذكراته، مذكرات حارق معبد الآلهة أرتمينا. “اسم هيروسترات سيذكره التاريخ، واسم من قتله سيُذكر فقط لأنه قتل هيروسترات”، هنا نزعة للتحول إلى إله، للتحول إلى معبود، أما الشعب فهو أحجار شطرنج يحركها المهووسون بالسلطة والخلود.

قراءة رمضان للعرض تضمنت تغيّر النهاية في النص الأصلي، حيث بقي هيروسترات والملك والقاضي أحياء، في حين أن الشعب انسحب بعد أن اكتشف أنه يباع ويشترى في سبيل خدعة وجنون العظمة المصاب به الجميع؛ يعلو الصراخ في النهاية لتبقى النهاية مفتوحة للتأويل.

هناك تلميحات سياسية يحويها العرض فالملك ذو الأصول الفارسية حين علم أن المعبد حرق يتهم اليونان بأنهم أحرقوه، الملك غريب، دخيل، مهدّد في أيّ لحظة بأن يثور الشعب ضدّه، الملك لعبة في يد زوجته، لا يمتلك سطوة حقيقية، الجميع يتلاعب به، حتى أنه يتورّط في الخدعة ويزور هيروسترات في السجن كي يستر الفضيحة التي قام بها هذا الأخير مع زوجته، صوت القانون المتمثل بالقاضي كليون أيضا يتورّط، فيتحوّل إلى سجّان لأنه لم يعد يثق بأحد.

مضر رمضان: لا بد من ثورة ثانية كي يتمكن الشعب من بناء ما تهدم

نهاية.. الشعب هو الخاسر، الثائرون المزيفون هم من يبقون أحياء، وبعكس نهاية النص الأصلي، الشعب لا يقوم بإعادة بناء المعبد، بل ينسحب لأن “الثورة” لم تعد نظيفة، المال والشهرة هما الهدف الآن، لا التغيير. العرض على حدّ تعبير رمضان مستوحى من تعاليم المسرحي الروسي “فسيفولد مايرخولد” الذي يعتمد على مبادئ “البايو-ميكانيك” في الأداء، وتصعيد طاقات جسد الممثل حتى الأقصى.


ثأر مزيف


الفضاء محايد لا يحوي دلالات، والسينوغرافيا تخلق عبر خمسة ممثلين يشكلون الشعب والديكور وفضاء اللعب، أشكالهم تتغير حسب كل مشهد لتشكل المكان، فهم تارة عرش وتارة منبر وتارة سجن، التغيّر في الفضاء يتم وفق رغبات هيروسترات أو الأمير، حيث يعاد التكوين بلمسة أو حركة ما، معادل مجازي عن غياب دور الشعب والتأكيد على السيطرة التي يخضع لها.

الموسيقى في بعض الأحيان قائمة على الجسد نفسه، فالأنفاس كانت هي ضابط لإيقاع مشهد الجنس مع كليمنتا. رمضان يرى أن هذه تجربة للتعرف “على إمكانية الاستغناء عن العناصر المسرحية بمواجهة الجسد وقدرته على التعبير”.

“أنا أتمرّد إذا نحن موجودون” هذا الكوجيتو يطرحه ألبير كامو واصفا حالات التمرّد بشكل عام التي تهدف إلى التغيير، لكن تمرّد هيروسترات والكبيرة التي ارتكبها بحق الآلهة والملك والشعب لم تكن كذلك، فهو لم يثبت قيمة الجماعة ويورّطها في التمرّد، بل أراد تحقيق مجده الخاص، تمرّد هيروسترات كان من الممكن أن يجعله أميرا أو بطلا، أما الشعب، فقد اشتراه هيروسترات، كي يصرّح بعظمة الثائر ومجده الشخصي.

المعبد ما زال مهدّما والملك ما زال حيا، حتى أن هيروسترات نفسه يتحوّل إلى إله حسب النبوءة، حيث أقنع الملك بأن يستبدل رسول معبد دلف بآخر، ليصرّح للجموع بأنه إله أو من سلالة الآلهة.

هيروسترات إنسان عادي من الشعب، منطقي، كان واعيا بما يفعل، حتى أن القاضي استغرب أنه ليس مشوّها أو قبيحا. رمضان أراد تقديم “الثائر المزيّف الذي يستغل الناس وبساطتهم، ويتاجر بهم في سبيل مجده”.

16