مطابخ الصين الثمانية تختصر تراث الجغرافيا المترامية

الأحد 2014/03/02
رحلة إلى امبراطورية الطعام في الصين

بكين ـ الطريق إلى معرفة الصين، يمر بالمعدة، فقد كان “الطبق الصيني” هو الكتاب الذي عرف منه أجانب كثر الثقافة الصينية. ومع الزيادة المتواصلة في أعداد الصينيين الذين يسافرون ويقيمون خارج الصين، تنتشر الأطعمة الصينية أكثر فأكثر في العالم.

ويدرك السائح، بعد أن تطأ قدماه أرض الصين، أن قائمة الطعام الصينية ليست فقط تلك الأطباق القليلة التي تتذوقها أو تسمع عنها، وأن طرق الطهي في الصين متنوعة تنوعا لا حصر له. وعلى أية حال فإن المطابخ الصينية الثمانية، برغم ما شهدته من ابتكارات واندماجات، مازال لكل منه سمته وخصائصه المميزة. ويلحظ زائر الصين أن “تناول الطعام” تجاوز معناه الأصلي كوسيلة لملء المعدة، فقد صارت الولائم في مناسبات الزفاف وأعياد الميلاد واللقاءات وغيرها مظهرا أساسيا في العلاقات الاجتماعية.

ويقصد بالمطبخ فنون الطهي التي تشكلت عبر تاريخ طويل في الصين، متأثرة بالظروف المناخية والجغرافية والتاريخية وبالمنتجات المحلية، وتعترف بها مناطق الصين الأخرى.ولكل مطبخ منها أساليبه المتنوعة، وأكثرها تأثيرا وشيوعا ثمانية مطابخ هي: لو (شاندونغ)، تشوان (سيتشوان)، يويه (قوانغدونغ)، مين (فوجيان)، سو (جيانغسو)، تشه (تشجيانغ)، شيانغ (هونان)، هوي (آنهوي).

وتشهد المدن الصينية الكبيرة، منذ سنوات، أطباقا جديدة سنويا وتلقى الأطعمة الحارة إقبالا عظيما في الفترة الأخيرة، فالفلفل الحار الذي كان مفضلا لدى أبناء المناطق الرطبة والباردة ببر الصين الرئيسي فقط، صار من ضرورات المائدة الصينية. وظهرت أطباق “الكركند الصغير الحار” و”السمك المسلوق مع الفلفل” و”القدر الحار”، ورغم أنها ذات علاقة بمطبخ سيتشوان، فإن الآكلين الذين يعنيهم مذاق الطعام ونكهته، يعتقدون أنها تجمع مواد وتوابل وأساليب طهي من دول ومناطق عديدة، إذ يسود الصين حاليا تيار جديد في تناول الطعام لا يهتم بانتماء ولا بأسلوب الطهي.

والأطباق الحديثة السائدة حاليا في الصين قد تكون ذات نكهة أجنبية، أو تتميز بالأذواق الأصيلة لمناطق نائية أو غير معروفة في الصين، وقد تنتمي إلى أسرة صينية معينة أو مجهولة الهوية. وهي تنافس المطابخ الثمانية التقليدية في السوق وتحظى بإقبال وبخاصة بين الشبان. فإلى جانب الاهتمام بابتكار أسماء لافتة للأكلات الجديدة، هناك اهتمام متزايد ببيئة المطاعم.

تيار جديد يسود في تناول الطعام لا يهتم بانتماء ولا بأسلوب الطهي

وذواقة الأطعمة التقليدية لا ترضيهم المأكولات الحديثة، ويتهمونها بمخالفة النظام والتعقيد المبالغ في عملية الطهي. وكما أوضح كبير الطهاة في مطعم “يهشانغهاي” (ليل شانغهاي)، “تناول الطعام” لم يكن هو الغرض الرئيسي للصينيين، إذ أنهم كانوا يهتمون بثقافة الطعام، و”الطعام الأصيل” هو أحد معايير النوعية.

وفي شأن الاستمتاع بالأطعمة التقليدية اللذيذة، البكينيون في وضع أفضل من غيرهم، فمنذ خمسينات القرن الماضي، بدأت مختلف المقاطعات والمدن، بل وبعض المحافظات تفتح مكاتب لها في بكين، حتى توفر لأهلها الذين يأتون إلى عاصمة البلاد دفء الموطن؛ من لهجة الكلام إلى طبق الطعام. ويكون الطهاة في المطاعم الملحقة بتلك المكاتب في الغالب أفضل الطهاة في مناطقهم، التي تأتي منها أيضا المواد الرئيسية المستخدمة في الطبخ. وهكذا يصبح أفضل مكان لمعرفة ثقافة تلك المناطق هو مطاعم مكاتبها في بكين، وأشهرها مطعم مكتب مقاطعة سيتشوان الذي يتميز بالسعر الرخيص ووفرة الطعام وتقديم كافة أطعمة سيتشيوان المشهورة.

في الصين عبارة واحدة تلخص أذواق الصينيين في الطعام: “الحلو في الجنوب، المالح في الشمال، الحار في الشرق، والحامض في الغرب”. تتركز الأطعمة الجنوبية ذات النكهة الحلوة في أطباق مطبخ سو، أحد المطابخ الثمانية المشهورة بالصين. السكر لا غنى عنه في أطباق سو. أبناء سوتشو وووشي وشانغهاي مشهورون بحب الطعام الحلو. والأطعمة المالحة كثيرة في مقاطعة شاندونغ، وتسمى دائما بأطباق “لو”، وهو الاسم المختصر لشاندونغ، مطبخ “لو” أحد المطابخ الثمانية المشهورة بالصين. أبناء مقاطعات هونان وهوبي وقويتشو وسيتشوان وأبناء القومية الكورية بشمال شرقي الصين يحبون الطعام الحار، فينتشر في الصين قول: أبناء قويتشو لا يخشون الطعم الحار، والطعام الحار لا يخشاه أبناء هونان، وأبناء سيتشوان يخشون أن لا يكون الطعام حارا. وربما لهذا السبب يسمي الصينيون فتيات سيتشوان “الفتاة الحارة” (لا مي تسي). كما يفضل أبناء شانشي الخل كثيرا، ولهذا فإنهم يتصدرون عشاق “الطعم الحامض في الغرب” فهم يجرعون ثلاث جرعات من الخل لفتح الشهية، قبل كل وجبة. أبناء شانشي وخنان وشنشي يحبون الأطعمة الحامضة.

17