مطابع أوروبا العربية

السبت 2015/10/17

بخلاف الانطباع الذي قد يكون لدى الكثيرين، لم تكن بدايات الطباعة العربية بالمشرق العربي ولا بمغربه، وإنما بالضبط بأوروبا. فأولى المحاولات التي سعت إلى إدماج الحرف العربي ضمن مؤلفات لاتينية تعود إلى سنة 1486، مع صدور كتاب “الحج إلى قبر المسيح” لبرنارد دي برينباخ، تبعه كتاب آخر، سنة 1505، عن النحو العربي لبيدرو دي ألكالا.

لم يتجاوز حضور اللغة العربية، في كلا الكتابين، الصفحة الواحدة، غير أن ذلك سيمهد لحضور أكبر لها. عشر سنوات بعد ذلك، سيتم إطلاق أولى الكتب الصادرة في مجملها باللغة العربية. وتذكر الأدبيات التي خُصِّصت للموضوع، ومنها أساسا كتاب الباحث التونسي وحيد قدورة “بداية الطباعة العربية في إستانبول وبلاد الشام” ومؤلف جوزي بلانيا “الطباعة العربية بالغرب”، ثلاثةَ عناوين أساسية.

الأول هو كتاب “صلاة السواعي”، الصادر سنة 1514، بمدينة فانو الإيطالية، وقد تميز بطابعه الجمالي الرفيع، حيث طبع على ورق صقيل، باللونين الأسود والأحمر. والثاني هو قرآن مدينة البندقية، الذي طبع سنة 1518، وهناك احتمال أن يكون عدد هام من نسخه قد تمّ تدميرها بأمر من البابا. أما الثالث فيحمل عنوان “مزامير عبراني يوناني، عربي قصداني بترجمة لاتين وتفسيرهم”، وقد طُبع سنة 1516، بخط مغربي.

راكمت أوروبا، خلال عقود، بنية تحتية على مستوى الطباعة باللغة العربية، حيث انتشرت المطابع بعدد هام من مدنها. ففي روما، برزت، مع نهاية القرن السادس عشر، مطبعة عائلة ميدسيس الإيطالية التي اشتهرت بحبها للثقافة والعلوم، وقد تميزت بإصداراتها العربية المندرجة في مجالات الطب والنحو والجغرافيا، والمتسمة أيضا بجانبها الجمالي الرفيع. وفي باريس، تم إنشاء مطبعة سَفاري، كناية عن صاحبها، سفير فرنسا بالقسطنطينية، وقد صدر عنها كتاب هام في مجال النحو العربي، بتوقيع جبرائيل الصهيوني ويوحنا الحصروني. كما أنشئت مطابع عربية بمدن أوروبية أخرى، منها هامبورغ، التي عرفت صدور نسخة تامة من القرآن، سنة 1694، وليدن ولندن وأوكسفورد. وخلفت المطابع الأوروبية بذلك عددا من الآثار التي شكلت علامات أساسية داخل الثقافة العربية، منها على سبيل المثال، رحلة ابن بطوطة، و“القانون في الطب” لابن سينا، ومقامات الحريري، ومقدمة ابن خلدون.

سينتظر العالم العربي قرنا آخر كي يرى ظهور مطابعه الأولى، التي أنشئت بفضل عرب اشتغلوا في مطابع أوروبية، كما هو الأمر بالنسبة إلى مطبعة قوزحية، بلبنان، التي أسست سنة 1610 لتكون بذلك أول مطبعة تُنشأ بالمنطقة، ومازال يتم الاحتفاظ بآلاتها بدير سون أنطوان الشهير. أما المشترَك بين مجمل هذه المطابع الأولى، التي أنشئت، سواء بأوروبا أو بالعالم العربي، فهو انتماؤها إلى الفضاء المسيحي، بينما سيتأخر ظهور أول مطبعة إسلامية، وقد احتضنتها مدينة إستانبول، قرنا آخر على تاريخ مطبعة قوزحية المارونية، وتلك إشارة قد تحتاج إلى قراءة أخرى.

كاتب من المغرب

17