مطاردة جماعية لشابة تعيد جدل التحرش إلى الواجهة في المغرب

عادت قضية التحرش الجنسي في المغرب إلى واجهة النقاش العام، بعد انتشار مقطع على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر حشدا من الشباب والفتيان يلاحقون شابة ويضايقونها في الشارع.
السبت 2017/08/12
المرأة ليست آمنة في الشارع

طنجة (المغرب) – أثار انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر حشدا من الشبان والفتيان يلاحقون شابة ويضايقونها في الشارع في طنجة شمال المغرب، نقاشا حادا وجدلا كبيرا حول ظاهرة التحرش في البلاد.

ويظهر هذا المقطع الذي يمتد لعشر ثوان شابة ترتدي قميصا وسروال جينز وهي مصابة بالذعر من ملاحقة الحشد لها ومحاولتهم تطويقها في طنجة شمال المغرب.

وأثار هذا المقطع جدلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي بين من نددوا بالتحرش من جهة، ومن رأوا أن لباس الشابة لم يكن محتشما من جهة أخرى، حيث كتب أحد المستخدمين “يمكنها أن تتعرى إن شاءت، ولكن ليس في مدينتنا المحافظة”، معتبرا أنها تستحق ما جرى معها.

لكن وسائل الإعلام المحلية والنشطاء الحقوقيين سرعان ما نددوا بهذا التحرش الجماعي، حيث قالت الناشطة الحقوقية والوزيرة السابقة للتضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية نزهة الصقلي في حديث لوكالة الأنباء الفرنسية “أنا مصدومة من هذا الاعتداء الجماعي مثل صدمتي من ردود الفعل التي تحمّل الضحية المسؤولية بسبب لباسها الذي اعتبروه غير محتشم، علما أنها كانت ترتدي سروالا عاديا وقميصا”.

وقال وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان مصطفى الرميد “حاليا القانون يعاقب على التحرش الجنسي في العمل، ولكن لا يعاقب على التحرش في الأماكن العمومية”.

نزهة الصقلي: ثقافة تقليدية تعتبر الساحة العامة حكرا على الرجال

لكنه أكد أن مشروع قانون “شامل” لتجريم العنف ضد النساء بما في ذلك التحرش في الأماكن العامة يناقش حاليا في البرلمان.

وفي انتظار ذلك، تقرع وسائل الإعلام المغربية ناقوس الخطر من هذه الظاهرة. وكتب موقع “هسبريس” الإخباري الأكثر قراءة في البلاد “مطاردة جماعية لشابة مغربية تعيد جدل التحرش الجنسي إلى الواجهة”. أما موقع “لاديبيش” فتساءل هل أن التحرش صار “رياضة وطنية في المغرب؟”.

وتشير الأرقام الرسمية إلى واقع قاتم في هذا البلد في ما يتعلق بالعنف الجنسي أو العنف الذكوري على النساء، إذ أن ما يقارب ثلثي المغربيات تعرضن لأحد أشكال العنف.

وتقول خديجة الرياضي الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والحائزة على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في العام 2013 “إنها أزمة قيم في مجتمعنا”. وتضيف “النساء يتعرضن للاعتداء في الشارع، للإهانات والشتائم. ويصبح الليل أشبه بوقت الحصار عليهن”.

وفي العاصمة الرباط، قلة من النساء يجلسن في المقاهي المنتشرة في جادة الملك محمد الخامس. وتقول سارة الشابة الثلاثينية المقيمة في الحي “الحال هكذا ونحن في حي يعد راقيا، فما بالك بالأحياء الشعبية، النساء هناك غير موجودات في المشهد العام، ناهيك عن المدن المحافظة والقرى النائية.. هذا يعطي فكرة عن هيمنة الرجال على النساء”.

وتوضح نزهة الصقلي هذه الفكرة بالقول “إنها ثقافة تقليدية تعتبر الساحة العامة حكرا على الرجال، لذا فإن وجود المرأة فيها ينظر إليه على أنه اقتحام”.

وشهد المغرب في السنوات الماضية عددا من الاعتداءات التي تصدّرت المشهد الإعلامي، وخصوصا في المسابح حيث صارت النساء يترددن في لبس ثياب السباحة. ويرتكب هذه الاعتداءات الجماعية أحيانا شباب يعتبرون أنفسهم مدافعين عن “الفضيلة”، بحسب نزيهة الصقلي التي تشبه هذه العقلية بعقلية القرون الوسطى.

وفي العام 2016، ظهرت صفحة على موقع “فيسبوك” سرعان ما أغلقت، كانت تدعو إلى التقاط صور للنساء اللواتي يرتدين لباس البحر “بيكيني” للتشهير بهن. وتقول خديجة الرياضي “الأفكار المتخلفة التي تسوقها إلينا الفضائيات والخطاب الديني (المتشدد) سمما مجتمعنا”.

المغرب شهد في السنوات الماضية عددا من الاعتداءات التي تصدّرت المشهد الإعلامي، وخصوصا في المسابح حيث صارت النساء يترددن في لبس ثياب السباحة

وقال تقرير لموقع “هسبريس” إن الشريط الذي أظهر اعتداء غير جسدي واضحا على الشابة المغربية، دفع العديد من مرتادي “فيسبوك” و”يوتيوب” إلى التعبير عن سخطهم تجاه هذه السلوكيات، بوصفها “همجية” و”اعتداء على حقوق الإنسان” و”سلوكا داعشيا” وأيضا “كبتا مترسخا” و”تخلفا في العقلية الذكورية”.

وقالت ابتسام لشكر الناشطة في صفوف “الحركة البديلة من أجل الحريات الفردية” الشهيرة بـ”مالي”، إن الواقعة تعيد من جديد النقاش الجدلي حول التحرش الجنسي بالمغرب “الذي نعيش حالاته كل يوم وفي معظم الأماكن”. وأضافت قائلة في تصريح لـ”هسبريس” “للأسف، باتت عدة أماكن عمومية ممنوعة على النساء بمبررات ذكورية ومغلوطة من قبيل الخوف من الفتنة والشهوة.. النساء لهن أيضا شهوة؛ لكنهن لا يتحرشن بالرجل الذي يتجول بكامل حريته في كل الأماكن”.

وأرجعت خلفيات التحرش بالفتيات والنساء في المغرب وما يلحقهن من تداعيات قد تتطور إلى التعنيف إلى “التربية وخاصة التربية الجنسية وغيابها في الإعلام العمومي وداخل الأسرة والنظام المدرسي”. وأوضحت قائلة “نحن في حاجة إلى ثورة جنسية لمحاربة تجليات المجتمع الذكوري الأبوي للحصول على المساواة الفعلية والحرية، والحد من العنف ضد النساء بشكل عام وفي الأماكن العمومية بشكل خاص”.

كما قالت لشكر “الجسد هو حرية تهم النساء كما الرجال، ومن حق أيّ شخص أن يرتدي ما شاء، والعلمانية هي الحل لمحاربة الأفكار الرجعية”، وانتقدت لشكر بشدة اللجوء إلى الدين لتبرير تعنيف النساء والتدخل في الشؤون الخاصة “بالدعوة إلى التدخل في الشؤون الخاصة بمبرر ستر الجسم والحجاب والعفة”، معبرة في الوقت ذاته عن استيائها من عدم قدرة النساء المتحرش بهن على الدفاع عن أنفسهن؛ “بل وعدم قدرة الناس على التدخل للدفاع عنهن”.

وأضافت أن هيئات المجتمع المدني لا تقوم بعملها المطلوب تجاه القضايا الخاصة بالنساء، منبهة إلى أنه “لا يكفي أن نعقد ندوات ونخرج بتصريحات إعلامية، الواقع يتطلب الخروج بحملات للتوعية في الشارع العام والتوجه إلى المغاربة من مختلف الشرائح والأعمار”. وأشارت إلى أن واقعة كورنيش طنجة “توضح بجلاء أن هناك تخلفا كبيرا وكبتا في مجتمعنا يجب معالجته بثورة جنسية أساسها التربية على الثقافة الجنسية وكسر الطابوهات”.

21