مطبات ليبية أمام السياسة المصرية

الاثنين 2014/02/03

تبدو جميع حدود مصر البرية مصدرا لمخاطر وتهديدات، ربما لم يسبق لها مثيل. في سيناء تخوض أجهزة الأمن حربا ضارية ضد عناصر متشددة وجماعات إرهابية لها امتدادات سياسية في غزة، وتحظى بتشجيع خفي من إسرائيل. وفي الجنوب، يعمد السودان إلى تسخين مثلث حلايب وشلاتين، كلما ضاق الخناق على نظامه. وتعتبر الحدود الغربية مع ليبيا من أهم مظاهر الصداع الأمني والسياسي، حاليا ومستقبلا، وتحتاج تحركات مكثفة لإخماد البراكين التي يمكن أن تخرج من أرضها.

الأوضاع في سيناء، وحلايب وشلاتين، قد تكون أخذت حظها من الأضواء، لكن يبقى الموقف على الحدود الغربية غائبا أو مغيبا، مع أنه الأشد التهابا. الأمر الذي تكشفت معالمه الأسبوع الماضي، عندما اعتقلت أجهزة الأمن المصرية، المواطن الليبي شعبان هدية الشهير بـ”أبو عبيدة الزاوي” في الإسكندرية، وهو أحد الرموز الإسلامية المتشددة في ليبيا، والبعض يعتبره إرهابيا وآخرون يحبونه ثائرا. وبصرف النظر عن توصيفه، فقد تسبب اعتقاله في أزمة كبيرة، حيث قامت ميليشيا ليبية باختطاف خمسة من العاملين في القنصلية المصرية في مدينة بنغازي، ردا على اعتقال “أبو عبيدة”، ورهن الخاطفون حياة المصريين الخمسة بالإفراج عن “الزاوي”. وهو ما أحرج الحكومة في القاهرة، فالمواطن الليبي اعتقل للاشتباه في علاقته بعمليات إرهابية، فكيف تقبل بصفقة لإطلاق سراحه، مقابل الإفراج عن الخمسة المختطفين؟

هنا جرى العمل على أكثر من مستوى. أولا، الترويج أن “أبو عبيدة” معتقل لانتهاء مدة إقامته في مصر، وتجاهل أية شبهة لاتهامه بالإرهاب، لتجنب حدوث المزيد من التعقيد. وثانيا، تم سحب جميع الدبلوماسيين العاملين في السفارة المصرية في طرابلس والقنصلية في بنغازي، وإعادتهم إلى القاهرة. وثالثا، استثمار علاقة بعض المتشددين المصريين ممن أعلنوا توبتهم، بنظرائهم في ليبيا للوساطة وتسريح المختطفين. ورابعا، توظيف شبكة العلاقات القوية في المجتمع الليبي من قبل جهات مصرية، للدخول على خط الأزمة ومعرفة الخيوط الرئيسية فيها لإيجاد حل لها. وانتهت الخطوط المتوازية، الشعبية والرسمية والأمنية، بعودة المختطفين، مقابل الإفراج عن “أبو عبيدة”. وإلى هذا الحد انتهت الأزمة، لكن لن يسلم الأمر في المستقبل من تكرارها واندلاع أزمات أشد خطورة. وفي هذه المسألة ثلاثة مطبات يمكن أن تكون سببا في أية لحظة، لنشوب أزمة جديدة.

الأول، تحول شرق ليبيا إلى منطقة تمركز للمتشددين من مختلف أنحاء العالم، ولهم خطوط تواصل ساخنة مع جماعة الإخوان في مصر. وأثبتت معلومات كثيرة وجود تداخل بين الجانبين، بدأت جماعة الإخوان توظفه في معركتها ضد السلطات الرسمية في مصر، من خلال إدخال عناصر خطرة للبلاد، في وقت سابق، وتهريب كميات كبيرة من الأسلحة الفتاكة، ووصولها إلى إرهابيين في سيناء. ولن تجدي نفعا عمليات تجفيف المنابع التي تقوم بها أجهزة الأمن المصرية دون ضبط الحدود مع ليبيا، ووقف نزيف دخول البشر والأسلحة منها. لذلك نجحت المؤسسة العسكرية في إقناع قبائل مطروح، الممتدة على جانبي الحدود، في التعاون والحد من تجارة السلاح في هذه المنطقة والسيطرة على شخصيات برعت في التهريب. وحققت هذه الخطة تقدما ملموسا، وبقي مطب تضخم دور المتشددين وميلشياتهم التي تتحكم في جزء معتبر من مصير الحياة في ليبيا. وهو ما تحاول القاهرة تحجيمه، عبر أدوات مختلفة، لكن سوف يحتاج وقتا لوأد المخاطر الأمنية.

الثاني، مطبّ الاستثمارات الليبية في مصر، حيث يعرف أن معمر القذافي ضخ أموالا كبيرة في مصر، بعضها في شكل وديعة بالبنك المركزي المصري، وبعضها أخذ شكل استثمارات في أراض زراعية وعقارات وفنادق. ورغم صعوبة التعرف على حجمها بدقة، غير أن تقديرات أوصلتها إلى نحو عشرة مليارات دولار. المشكلة أن جزءا منها، بأسماء شخصيات ليبية كانت قريبة من القذافي، ويحتاج استردادها إلى إجراءات قانونية يصعب تطبيقها، وسط الانهيار الذي أصاب ليبيا بعد سقوط القذافي وضياع وثائق مهمة.

كما أن القوانين المصرية لا تسمح بالاعتداء على أملاك الأشخاص، سواء كانوا مواطنين أو أجانب، دون أحكام قضائية. وقد أصبحت الاستثمارات معضلة في مسار العلاقات بين البلدين، تتصاعد حينا وتتوارى غالبية الأحيان، بحكم خصوصية العلاقة مع علي زيدان رئيس الحكومة الليبية، الذي يعد شخصا توافقيا، ورحيله عن رئاسة الحكومة يمكن أن يخلق فراغا وربما أزمات كبيرة، لعدم وجود بدائل جيدة، أو بمعنى أدق لحساسية الاختيار بين العناصر المتاحة، ومعظمها لا يتميز بالروح التوافقية.

الثالث، مطب قذاف الدم ورفاقه، حيث يقيم عدد من الليبيين الذين عملوا إلى جوار القذافي في مصر، وهم محل مطالبة لا تتوقف من قبل الشعب والسلطات الليبية. ويعد أحمد قذاف الدم، ابن عم القذافي، أكثرهم إلحاحا، وجرت تبرئته قانونيا مؤخرا من تهمة مقاومة السلطات، ما أغضب بعض الليبيين.

المهم أن هذا الملف، أصبح واحدا من القضايا المثيرة للجدل في العلاقات السياسية بين البلدين. كل طرف يوظفه بالطريقة التي تحقق أهدافه، وسيظل منغصا على أصعدة متعددة، لأن رؤية كل طرف بعيدة عن الطرف الآخر، وتقريب المسافات حولها غير متوقع، خاصة أن الملفات الثلاثة السابقة متداخلة بصورة يصعب الفصل بينها.


كاتب مصري

9