مطبّات الزيجات الحديثة

إذا كان المقبلون على الزواج مندفعين بفيض شبابهم ونقص خبرتهم، فإن الكبار أيضا يساهمون في خلق المشكلات، إما لأنانيتهم ورفضهم القبول باستقلالية أبنائهم، وإما لضمان سيطرتهم وقيادتهم لمنظوريهم.
الأحد 2018/07/08
عوائق عديدة تستوجب حكمة في التعامل مع مشاكل الزواج

يكاد يكون طرح المواضيع ذات الأبعاد العائلية والاجتماعية موسميّا، وذلك لأهميتها البالغة من ناحية ولارتباطها بأزمنة محدّدة تأصّلت عن طريق التجربة المتكرّرة والتي اتّخذت سمة العرف أو العادة الاجتماعية السائدة.

في الأيام الماضية طُرح موضوع أسري دفع جميع أفراد العائلة إلى المشاركة في الخوض فيه، انتصارا لموقف أو تبريرا أو بحثا عن مخرج للمشكلة المطروحة، وهو وقوع خلاف بين فتاة وفتى مقبلين على الزواج في هذه الصائفة، اختلفا خلافا كاد يعصف بالعلاقة التي تجمعهما وتؤجّل أو ربّما تلغي موعد الزفاف الذي تقرر موعده فعلا.

دون الخوض في تفاصيل الخلاف وحيثياته، تعترض المقبلين على الزواج عدّة مشكلات قد تبدو تافهة بالنسبة للآخرين على اعتبار أن حلّها يسيرا أو أن مجرّد طرحها ليس سوى مضيعة للوقت. قد يختلفان في جزئيات بسيطة جدّا من قبيل شكل فستان الفرح، نوع السيارة التي ستنقل العروسين ولونها أو شكلها، مكان قاعة الأفراح التي ستحتضن المدعوّين، المرطبات والمأكولات، حجز الفندق، نوع المجوهرات وثمنها.

هذه المسائل على بساطتها لا تجد طريقها إلى الحل بالسرعة المطلوبة والنجاعة الضرورية، ولذلك سببان أساسيان وهما؛ أولا نقص الخبرة في التعامل السلس مع الآخرين، وثانيا تدخل الأهل والأقارب لفرض الرأي والتأثير في أحدهما لغايات تدخل ضمن الصراع المبكر لعائلتي العروسين لإثبات الذات والسعي إلى السيطرة.

ما ينقص هؤلاء المبتدئين تسلّحهم بما يكفي من المعرفة بخبايا العلاقات الزوجية والتي من المفروض أنهم تلقوها عبر عائلاتهم وأصدقائهم ومعارفهم عموما، وإن لم يحدث ذلك فهو تقصير مزدوج من كلا الطرفين؛ سواء من المقبلين على الزواج أو من محيطهم الأسري والاجتماعي.

وإلى جانب نقص معرفتهم فإنهم -بحكم اندفاعهم وطموحهم ورغبتهم الملحّة في القيادة وإثبات الذات- لا يزنون الأمور بميزان العقل والتروّي وإنما يبحثون دائما عن الصورة التي تجعلهم في الواجهة الأمامية للأحداث، وعند ذلك يرتكبون “الأخطاء العلائقية” والتي قد تسبب توترا إما بين العروسين وإما بين أحدهما وطرف آخر من نفس العائلة أو من عائلة المصاهرة.

مثل هذه المشاحنات التي تقع قبل أو خلال أو بعد مناسبات الأعراس تنتج عن نقص الإحاطة الأسرية والاجتماعية التي من المفروض أن يتلقاها الشباب ذكورا وإناثا، وفي أحيان كثيرة تنعدم هذه الإحاطة أو المرافقة كليا ويُتركون إلى مصائرهم يجابهون أخطاءهم بمفردهم، ويُنظر إلى الأمر من زاويتين مختلفتين بل متناقضتين؛ أولاهما أن على الشباب أن يتحملوا مسؤوليات اختياراتهم بمفردهم لأنهم يجب أن يخطئوا ليتعلموا من أخطائهم، وهي نظرية اجتماعية تقوم على مبدأ “التقييم والتقويم الذاتي”.

أما ثانيتهما فتتأسس على الدور الأسري والاجتماعي في الإحاطة والمرافقة إلى حين اكتساب المعرفة الجيدة عبر التجربة، وهذا التوجه -على ما ينعت به من تقليدية- يساهم إلى حدّ بعيد في تماسك الأسر وتوطيد العلاقات بين أفرادها وفق مبدأ التعليم والتعاون والتآلف وشدّ الأزر. ويعتقد البعض أن المساعدة المعنوية أهمّ بكثير من المساعدة المادية لأن الأخيرة ظرفية ومحدودة في الزمان والمكان، أمّا الأولى فهي مفتاح النجاح الأسري في المستقبل.

يحدو المقبلين على الزواج أمل كبير في تجاوز ما يعترضهم من مشكلات تبدو في أغلبها ماديّة نظرا للشروط المجحفة التي تُقام وفقها الزيجات الحديثة، إنه واقع اكتسب سمة المادية فيه انطلاقا من المآلات الاجتماعية والحضارية التي انتهت إليها البشرية في ظل التسارع الرهيب الذي فرضته حركة العولمة التصاعدية. ولكنّ المشكلات ذات الأبعاد النفسية والاجتماعية لا يعيرونها الاهتمام الذي تستحقه للاعتقاد السائد بأنها “بسيطة وتافهة”، يقوم الشبان والشابات بتضخيمها لعدم خبرتهم واندفاعهم غير المبرر، غير عابئين بتأثيراتها السلبية على حاضر ومستقبل علاقاتهم الزوجية.

وإذا كان المقبلون على الزواج مندفعين بفيض شبابهم ونقص خبرتهم، فإن الكبار أيضا يساهمون في خلق المشكلات، إما لأنانيتهم ورفضهم القبول باستقلالية أبنائهم، وإما لضمان سيطرتهم وقيادتهم لمنظوريهم. غير أن الأسئلة المطروحة في هذه المعادلة هي: هل نترك شبابنا يواجهون مطبات حياتهم بمفردهم ليتعلموا من أخطائهم وليكونوا فعلا مسؤولين عن حياتهم الزوجية المستقبلية؟ هل نفرض آراءنا ونسطر لأبنائنا الخيارات الكبرى والصغرى لحياتهم ونتدخل في كل كبيرة وصغيرة، حتى ألوان لباسهم وشكل تسريحات شعورهم وكل تفاصيل زفافهم، ثم نحملهم مسؤولية ما أخطأنا نحن فيه؟

الأفضل والأسلم أن تمثل كل الإجابات الممكنة عن مثل هذه الأسئلة الزخم الحقيقي لهذه المعادلة والتي يجب في نفس الوقت أن نترك المشعل لشبابنا ليعبّروا عن ذواتهم ويترجموا طموحاتهم ونظرتهم للحياة مع إحاطتهم ومرافقتهم بأسلوب سلس متفهّم لأوضاعهم النفسية والمادية، يجب أن نوجّههم عوض أن نفرض عليهم آراءنا وتدخلاتنا اللامشروعة في حياتهم الخاصة، كما علينا مساعدتهم على تجاوز الضغوط المادية المسلطة عليهم، وتعليمهم كيفية بناء العلاقات الزوجية انطلاقا من تجاربنا الناجحة فقط، وبذلك سيسطرون حياتهم المستقبلية بطريقة موضوعية صحيحة.

21