مطر كأغنية متوحّشة

لا أحد يمكنه الوقوف في وجه الطبيعة الأم الغاضبة.
الجمعة 2021/07/16
الفيضانات والسيول تغرق غرب أوروبا

لم يكن ينقص ثنائية العامين 20 – 21 بعد جائحة كورونا والأوضاع غير الطبيعية التي خلقتها في العالم، سوى موجة من الفيضانات والسيول تغرق غرب أوروبا، هذه الأيام، فسبح الناس في القطارات وشوهدت الأسماك الحيّة تتقلّب على الإسفلت في الشوارع، بينما شُرّد المئات بسبب انهيار المنازل. ورغم أن وكالة الأرصاد الجوية الألمانية حذّرت المواطنين من أن شيئا سوف يقع، إلا أن الناس لم يأخذوا احتياطاتهم. وكيف سيفعلون أمام هكذا وضع؟ فلا أحد يمكنه الوقوف في وجه الطبيعة الأم الغاضبة.

في مدينة هاغن على سبيل المثال، وهي بين أضلاع الجبال، انقلبت الدنيا، وتحوّلت حياة قرابة 200 ألف نسمة إلى حالة طوارئ، بعد أن فاض نهر فولم.

أكثر ما يلفت الانتباه هو التحذيرات التي تذكّرك أيها الإنسان المعاصر بجدّك الذي عاش في هذه المنطقة بالذات، شمال الراين، حيث عُثر على إنسان النياندرتال ينتظرنا في كهفه بوادي نياندر شرق دوسلدورف في ولاية شمال الراين الألمانية. فقد أعلن فريق التصدي للأزمات في المنطقة أن منسوب المياه سيصل إلى مستويات لا تتكرر إلا مرة كل خمسة وعشرين عاما و”نصح من يعيشون قرب أنهار المدينة بالانتقال إلى أراض أكثر ارتفاعا على الفور”. وشهدت مدن عديدة انطلاق عويل صفارات الإنذار التي تستخدم عادة في الحروب والغارات، وانتشر الجيش وتوقفت القطارات والحافلات وحركة النقل.

الأمر جدّي، وغير رومانسي، كذلك الذي يصفه نزار قباني في قصيدة قديمة تقول “المطرُ يتساقط كأغنيةِ متوحِّشة، ومَطركِ يتساقط في داخلي كقرع الطبول الأفريقية، يتساقط كسهام الهنود الحُمْر، حبّي لكِ على صوت المطرْ، يأخذ شكلا آخر، يصير سنجابا، يصير مهرا عربيا”.

الفارق بين الحضارة والبدائية فارق غير مرئي حقيقة، زلّة واحدة يرتكبها الإنسان أو القوى الأعلى منه، أيا كانت، وينهار كل شيء. فما هي المتانة الفعلية إذا لكل ما بناه الإنسان ما دام قابلا للزوال أمام بضعة ملمترات زائدة من الماء؟ وفي حالة مستعصية مثل حالة مشكلة سدّ النهضة بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا، الحل يأتي من الفيضان والسيول، فقد يفلح العرب في استثمار قوى الطبيعة أخيرا، بالتهديد ببناء سدّ شرير وعملاق يغرق إثيوبيا بالمقلوب، ولتفرح بسدّها ونهضتها حينئذ. سيقول البعض إن المشكلة ستكون عند ذاك في مكان آخر، فإن قطعت مصر والسودان مياه النيل عن التدفق فسيعطش المصريون والسودانيون في الشمال إراديا.

لكنْ لا يهم، فالتضحية ضرورية، وقد اعتدنا الوقوف إلى جانب الدولة في خياراتها، ولا مفرّ من العودة إلى البدائية في حرب الموارد الدائرة حاليا في العالم، وعلى رأس تلك الموارد “العقل”.

 
24