مطلب الدولة المدنية يربك أوراق الجيش الجزائري

إصرار الحراك الشعبي على الطابع المدني للدولة، وجبهات الصراع التي فتحتها قيادة الجيش، من أكبر العوائق أمام الجنرال قايد صالح، المتوجس من أي انقلاب داخلي في المؤسسة العسكرية ضده.
الأحد 2019/06/16
الأهم عند الجزائريين هو تغيير نظام بنظام وليس تغيير رئيس برئيس

لم يسفر القرار بسجن سياسيين سابقين من كبار المسؤولين إبان رئاسة عبدالعزيز بوتفليقة عن تهدئة الاحتجاجات في الجزائر، حيث نزلت حشود مرة أخرى إلى الشوارع الجمعة للمطالبة برحيل “النظام برمته” وبدولة مدنية منددين بالنظام العسكري، وهو ما يربك موقف الجيش الجزائري والرجل الأول على رأسه أحمد قايد صالح في الاحتفاظ بالسلطة.

الجزائر- أكدت شعارات الجمعة السابعة عشرة للحراك الشعبي الجزائري، على أن لا أفق لحل الأزمة السياسية في البلاد، فالخطوات المتخذة من طرف العسكر في إسقاط الرؤوس الكبيرة في نظام بوتفليقة، لم تطمئن فعاليات الحراك الشعبي ولا زالت محل شكوك تجسدها عدة شعارات يأتي على رأسها “نريد دولة مدنية وليس سلطة عسكرية”، و”قايد صالح ارحل”.

لا زالت المسيرات الاحتجاجية ضد السلطة في الجزائر، تحتفظ بنفس المسافة بين المؤسسة العسكرية، وبين الجنرالات الذين يديرون المشهد الجديد في البلاد خلف الرجل الأول قايد صالح، وهو ما يؤكد أن الثقة بين الطرفين لا زالت مهتزة، ولا تلمح إلى أي تقارب أو انسجام، يُخرج الجزائر من النفق الذي دخلته منذ شهر فبراير الماضي.

وفيما صدح المتظاهرون في الجمعة الأخيرة بـ”أخوة” الشعب والجيش، إلا أنهم نددوا باستمرار بالغموض في مواقف الجنرال قايد صالح، بسبب تردده في تسليم السلطة إلى الشعب، وتعمده الإبقاء على الهيئات الانتقالية الموروثة عن نظام بوتفليقة، رغم مطالبة هؤلاء بتنحية الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح، ورئيس حكومة تصريف الأعمال نورالدين بدوي.

ولم تعد مفردات الجنرال قايد صالح، تحمل أي إشارة إلى البندين السابع والثامن من الدستور، اللذين وعد بتطبيقهما إلى جانب البند 102 لحلحلة الأزمة السياسية والتجاوب مع مطالب المحتجين، وهو ما عزز شكوك هؤلاء، على أن الرجل لا يريد تسليم السلطة للشعب وفق البندين المذكورين.

وذهب ناشطون إلى اتهام الرجل بتصفية الحسابات السياسية مع خصومه في الرئاسة وجهاز الاستخبارات السابقين، عبر توظيف مطلب محاربة الفساد المرفوع من طرف المتظاهرين في مختلف المسيرات الشعبية والوقفات، ويستدلون على ذلك باستحالة محاربة الفساد بالمنظومة القانونية والبشرية للقضاء الحالي، الموروث عن الحقبة البوتفليقية.

وإذ رحب المتظاهرون في الجمعة السابعة عشرة، بقرار القضاء القاضي بحبس مسؤولين كبار ورجال أعمال، يأتي على رأسهم رئيسا الحكومتين السابقين عبدالمالك سلال وأحمد أويحيى، ووزير التجارة عمارة بن يونس، ومحي الدين طحكوت، فإن مطلب الدولة المدنية والتنديد بالنظام العسكري كان طاغيا على العاصمة وعدد من مدن ومحافظات الجمهورية في الجمعة الأخير.

ولا يزال العسكر في الجزائر، متمسكا بتنظيم الانتخابات الرئاسية وعدم الخروج عن مقتضيات الدستور، مبررا ذلك على لسان الجنرال قايد صالح في أكثر من مناسبة وكلمة، بمخاطر الانزلاق إلى الفراغ والفوضى، وهو ما اصطدم بعزيمة الحراك الشعبي لإبعاد الجيش في مرحلة الانتقال السياسي.

وعكَس أحد الشعارات المرفوعة مؤخرا “نريد إخراج الجزائر من السجن بعد سجن رموز العصابة”، تصاعد سقف المطالب السياسية للشارع الجزائري، فمن المناداة بإبطال العهدة الرئاسية الخامسة لبوتفليقة، إلى “قايد صالح ارحل”، وهو ما يوحي إلى أن الحراك الجزائري استفاد من تجارب شعوب المنطقة، ويريد صناعة تجربة خاصة به، لتلافي إدارة المرحلة الانتقالية بأدوات السلطة السابقة.

ومع ذلك يبقى موقف الجيش الجزائري لافتا في التعاطي مع فعاليات الحراك الشعبي، فرغم المضايقات والتضييق المطبق من طرف المصالح الأمنية على المتظاهرين في بعض المدن خاصة في العاصمة، وحملة الإيقافات ضد بعض الناشطين، إلا أنه لم تطلق رصاصة واحدة ولم تسفك قطرة دم إلى حد الآن، وحالات الوفيات الثلاث المسجلة سجلت لأسباب غير عنيفة.

نداء مستمر بمطلب الدولة المدنية
نداء مستمر بمطلب الدولة المدنية

وهو الموقف الذي يتناقض مع ممارسات نفس المؤسسة، التي تدخلت في مطلع التسعينات لوقف مسار انتخابي ديمقراطي، وتورطت في عشرية دموية اختلطت فيها الحرب على الإرهاب مع التجاوزات الدموية التي أفضت إلى سقوط ربع مليون جزائري.

ورغم أن هناك من يذهب في تفسير موقف المؤسسة العسكرية من الشارع، إلى تغير المعطيات الجيوسياسية في المنطقة والعالم عموما، ودخول شبكة التواصل الاجتماعي على خط نقل الواقع للرأي العام، وتراجع حظوظ العسكرتاريا في إدارة الشأن السياسي، إلا أن صعود جيل جديد من الضباط السامين في المؤسسة ساهم في تغيير عقيدة منتسبيها.

ومع ذلك تبقى الدعاية التي يشنها الجيش الإلكتروني المنتسب للجيش، خاصة في الإشادة بدور القيادة في محاربة الفساد، وشيطنة الشخصيات الناشطة في المعارضة السياسية والحراك الشعبي، تلمح إلى أن العسكر لا يريد التفريط في دوره التقليدي بصناعة الرؤساء والقرار السياسي، رغم نفي قايد صالح، لوجود أي طموحات سياسية للجيش في المرحلة القادمة.

وبات الجيش الإلكتروني الذي لم تتبرأ قيادة المؤسسة منه، مؤشرا قويا على توجهات وقرارات العسكر خاصة في ما يتعلق بحملة محاربة الفساد وإسقاط الرؤوس المحسوبة على نظام بوتفليقة، وتوجيه الرأي العام والحراك الشعبي إلى خيارات معينة، بدعاية قوية ظهرت بشكل لافت على شبكات التواصل الاجتماعي.

ويسود إجماع لدى المعارضة الجزائرية، على أن العسكر يراهن على تراجع وتيرة الحراك الشعبي بمرور الوقت، والإبقاء على بن صالح ونورالدين بدوي، كواجهة مدنية للسلطة العسكرية الفعلية، لتمرير الكثير من القرارات التي لا تدخل في صلاحيات الرئيس المؤقت، كمقدمة لإنتاج النظام القائم بوجوه وآليات جديدة، تتأطر تحت ظل المؤسسة العسكرية.

وهو ما ندد به الحقوقي والناشط السياسي مصطفى بوشاشي، وشدد على أن الشارع الجزائري المتمسك بمطالبه لا يريد التفريط في مكتسباته المحققة، ومع ذلك يبقى الأهم هو تغيير نظام بنظام وليس تغيير رئيس برئيس، وأن بقاء الممارسات القمعية يمثل دليلا على أنه لا شيء تغير في البلاد، في ظل التضييق المستمر على الإعلام والناشطين السياسيين، وبقاء مساجين الرأي وراء القضبان.

ورغم ذلك بات إصرار الحراك الشعبي على الطابع المدني للدولة، وجبهات الصراع التي فتحتها قيادة الجيش، أكبر عائق أمام الجنرال قايد صالح، المتوجس من أي انقلاب داخلي في المؤسسة ضده، بعدما اجتمعت رموز الأجنحة المناوئة له في سجني البليدة والحراش.

فعملية التطهير التي نفذها خلال الصائفة الماضية على خلفية شحنة الكوكايين المحجوزة منذ عام في وهران، أفضت إلى سجن عدد من الجنرالات وفرار جنرالين آخرين إلى إسبانيا وفرنسا، وتسريح العشرات من الضباط السامين، ينضاف إليها سجن مدير جهاز الاستخبارات المنحل الجنرال (توفيق)، وخلفه في جهاز الاستعلامات عثمان طرطاق، وتنحية مدير الأمن السابق الجنرال عبدالغني هامل، وهي أجنحة على تنافرها في وقت سابق بسبب المصالح والطموحات، فإن السجن يمكن أن يوحدهم ضد قايد صالح، خاصة وأن امتداداتهم داخل المؤسسة واردة جدا.

ويرى ملاحظون في الجزائر، أن الجنرال قايد صالح (80عاما)، المشار إليه هو الآخر في قضايا فساد والحامي لحد الآن لعدد من المسؤولين ورجال الأعمال، على غرار النائب بهاء الدين طليبة، ورئيس حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم محمد جميعي، يضع نهايته ونهاية الموالين له وأسرته، في طليعة أي مخرج سياسي للأزمة.

الشارع الجزائري المتمسك بمطالبه لا يريد التفريط في مكتسباته المحققة
الشارع الجزائري المتمسك بمطالبه لا يريد التفريط في مكتسباته المحققة

ويجزم هؤلاء على أن مصير الرجل الأول في العسكر، بات مرتبطا ارتباطا وثيقا بمسارات الحراك الشعبي، فالجبهات التي فتحها مع أجنحة النظام السابق في شقيه المدني والعسكري، تحتم عليه البحث عن مخرج مشرف له، مع رئيس يحظى بشرعية شعبية يقدم ضمانات مقنعة له وللجنرالات الفاعلين في المؤسسة.

وتمثل عودة نشاط الهجرة السرية إلى الواجهة، بعد انقطاع للظاهرة خلال الأسابيع الماضية، أحد مؤشرات الخيبة لدى فئة الشباب، من المأزق الذي تتخبط فيه البلاد، بسبب تصلب مواقف العسكر، في تحقيق الانتقال والتغيير السياسي الشامل، وتلبية طموحات الملايين من المتظاهرين.

وتتعدى دلالات الظاهرة الطابع الاجتماعي والاقتصادي، إلى إثارة مخاوف الحكومات الأوروبية في الضفة الشمالية لحوض المتوسط، ولذلك تترقب العواصم الإسبانية والإيطالية والفرنسية، تطورات الوضع السياسي في الجزائر، ومن ورائه مواقف الفاعلين الجدد في السلطة.

ويرى مراقبون للشأن الجزائري، بأن الحكومات الغربية وعلى رأسها الفرنسية، باتت تتطلع إلى سلطة شرعية في البلاد، بعد سقوط نظام بوتفليقة، لتفادي أي انفلات اجتماعي يشجع على الهجرة السرية إلى أراضيها، وتتحفظ على أي دور فاعل لقيادة الجيش في المشهد الجديد، خاصة في ظل تصاعد الخطاب المعادي للنفوذ الفرنسي.

وباتت باريس تتوجس من صعود جيل جديد من الضباط السامين في المؤسسة العسكرية، يحمل عقيدة مناهضة لفرنسا، وللأذرع السياسية الموالية لها، والذين باتوا محل تركيز من قبل الحملة الدعائية التي يشنها الجيش الإلكتروني.

للمزيد:

2